رقاقة ضوئية ثورية لتوفير طاقة الطائرات المسيّرة
باحثون صمموا رقاقة ضوئية تحول الضوء مباشرة إلى رموز للذكاء الاصطناعي داخل المستشعر نفسه مما يقلل استهلاك الطاقة بشكل كبير قد يطوّل عمر طائرات مسيّرة في المهمات النائية لكن دقة الرقاقة تحتاج تطوير لتطبيقات أوسع وورلد برس عربي

هل يمكن لرقاقةٍ لا تتجاوز مساحتها الفعّالة 32 في 32 بكسل أن تحلّ مشكلة استهلاك الطاقة التي تُقصّر عمر تحليق الطائرات المسيّرة؟ الإجابة المختصرة: ليس بعد، لكنّ الفكرة التي يقوم عليها هذا البحث تستحقّ المتابعة، لأنّها تعالج نقطة اختناقٍ حقيقية لا يتحدّث عنها كثيرون حين يتحمّسون لـ«الذكاء الاصطناعي على الحافة».
طوّر باحثون في جامعة Nanjing الصينية رقاقةً ثنائية الأبعاد أسموها LightTok، تُحوّل الضوء مباشرةً إلى "رموز" جاهزة لمعالجة نماذج الذكاء الاصطناعي، دون المرور بالخطوات الوسيطة المعتادة التي تستهلك معظم الطاقة في أي نظام رؤية حاسوبية. نُشرت الدراسة في 19 أغسطس في مجلة Nature Sensors، بتوقيع Wang, S. وYang, N. وYangdong, XJ. وآخرين، تحت عنوان "Direct light-to-token conversion with integrated 2D photosensitive memory"، ويمكن الرجوع إلى البحث الأصلي لمن يريد التفاصيل التقنية الكاملة.
أين تضيع الطاقة فعلاً؟
في المعالجة البصرية التقليدية، يمرّ الضوء بسلسلة طويلة من الخطوات: الاستشعار، فتحويل التماثلي إلى رقمي، فالتخزين المؤقت، فنقل البيانات، فالتقسيم إلى حقول، وأخيراً التحويل إلى رموز تفهمها نماذج الذكاء الاصطناعي. كل خطوة من هذه الخطوات تستهلك طاقة، لكن الأكثر إهداراً بينها بحسب دراسة سابقة عن استهلاك الطاقة استشهد بها الفريق هي عملية تحويل التماثلي إلى رقمي، التي تستنزف وحدها نحو 66% من طاقة مستشعر الصورة في المتوسط. وإذا أضفنا إليها المعالجة السحابية التي تعتمدها كثير من الأجهزة الذكية، يتضاعف استهلاك الطاقة الكلي أكثر.
هنا يكمن الفرق الجوهري في تصميم LightTok: الرقاقة تُدمج الاستشعار والذاكرة والحوسبة داخل البكسل الواحد نفسه، بدل توزيعها على مكوّنات منفصلة. يقول ميّاو فِنغ،مدير معهد الذكاء المستلهَم من الدماغ بجامعة Nanjing: "كانت فكرة تصميمنا هي نقل عملية توليد الرموز إلى المستشعر نفسه، بما يتيح للرقاقة أن تُولّد مباشرةً رموزاً تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي معالجتها فور وصول الضوء إلى المستشعر". ويضيف أن "هذه الرموز تحتوي معلومات الصورة كاملة".
أما ليا شي-جون (Liang Shi-Jun)، أستاذ الفيزياء بالجامعة، فيصف الأثر العملي لهذا التصميم بجملةٍ مباشرة: "الرقاقة تُلغي فعلياً حركة البيانات، وهي المصدر الأساسي لإهدار الطاقة"، ويُلخّص المبدأ بعبارة أقرب إلى شعار: "الضوء يدخل، والرموز تخرج".
كيف تعمل الرقاقة من الداخل؟
يعتمد LightTok على ترانزستورات ضوئية ذات بوّابة عائمة، مصنوعة من طبقة واحدة من ثاني كبريتيد الموليبدينوم مادة ثنائية الأبعاد حساسة للضوء يمكن نموّها في صفائح لا تتجاوز سماكتها ذرّة واحدة. تُحوّل هذه الترانزستورات الفوتونات الواردة إلى تيار كهربائي، بينما تعمل البوّابة العائمة على حبس هذا الشحن الكهربائي والاحتفاظ به حتى بعد اختفاء الضوء وهذا ما يسمح بدمج وظيفتي الاستشعار والذاكرة في مكوّنٍ واحد.
في الاختبارات المقارنة، حقّقت الرقاقة دقة تمييز صور بلغت 87.3%، وحوّلت الضوء إلى رموز بكفاءة طاقية أعلى بعشر مرات من المعالجة التقليدية. أرقام لافتة، لكنها تحتاج سياقاً: الدقة الحالية للرقاقة لا تتجاوز 32 في 32 بكسل حسّاسة للضوء، وهي دقة أدنى بكثير من كاميرات الهواتف الذكية، وأدنى أيضاً من المتطلبات الفعلية لأجهزة استشعار الطائرات المسيّرة.
طاقة أطول للطيران في المناطق النائية؟
يرى ميّاو فِنغ أن التصنيع بتقنية CMOS نفس العملية الصناعية التي تُنتج شرائح الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة ومستشعرات الطائرات المسيّرة قد يُتيح رفع دقة LightTok مستقبلاً. لو تحقّق ذلك، فإن الفائدة العملية المرجوّة تتلخّص في تقليل الطاقة اللازمة للمعالجة البصرية في طائرات مسيّرة تعمل في مناطق الكوارث أو المواقع النائية، وهو ما قد يمدّد زمن التحليق عاملٌ حاسم في عمليات الإغاثة والاستكشاف حيث كل دقيقة طيران إضافية تُحتسب.
هذا الوعد جذّاب، لكنه يبقى وعداً مشروطاً بتحدّي رفع الدقة من 32×32 بكسل إلى ما يقارب دقة الاستخدام الفعلي، وهي مسافة تقنية ليست هامشية.
تحفّظ من داخل الصناعة
كومار سوكّا (Kumar Sokka)، الرئيس التنفيذي لشركة Acre Security المتخصّصة في أنظمة الاستشعار للبنى التحتية الحيوية، والذي لم يشارك في هذا البحث، وصف الدراسة بأنها "عرض توضيحي صغير النطاق". ومع ذلك، اعتبر أن اتجاه البحث "يهمّ كل من يعمل في العالم المادي"، ذلك أن غالبية النقاشات حول "الذكاء الاصطناعي المادي" تركّزت بحسبه على النماذج نفسها، متجاهلةً تحدّياً أكبر يتمثّل في تحويل ما "يراه" المستشعر إلى صيغةٍ يمكن للنموذج استخدامها فعلياً، وذلك في نفس نقطة الاستشعار.
يقول سوكّا إن معالجة هذا التحويل بعيداً عن نقطة الاستشعار "أمرٌ مُبذّر حين تُشغّل الإدراك على روبوت أو جهاز حافة بميزانية طاقة محدودة"، ويصف اتجاه LightTok بأنه "عامل تمكين للذكاء الاصطناعي المادي المنتشر، وعامل ذكي بالفعل، لكنه ليس علاجاً للمشكلة كاملة". سوكّا نفسه يحمل خبرة صناعية طويلة، حيث عمل 15 عاماً في شركة Rockwell Automation قبل انتقاله إلى موقعه الحالي.
ما الذي يستحق الانتباه هنا؟
القيمة الحقيقية لـ LightTok ليست في الأرقام النهائية 87.3% دقة وعشرة أمثال كفاءة طاقية أفضل من الطرق التقليدية أرقام تُقاس ضمن مختبر، بدقة 32×32 بكسل فقط. القيمة تكمن في إعادة توجيه السؤال: بدل السعي الدائم إلى نماذج ذكاء اصطناعي أكبر وأسرع، يذكّرنا هذا البحث بأن نقطة الاستشعار نفسها لا النموذج فقط يمكن أن تكون مصدر الحل. وإلى أن تنضج تقنية CMOS بما يكفي لرفع دقة هذه الرقاقات إلى مستوى صالح للاستخدام الميداني الفعلي، يبقى LightTok نموذجاً بحثياً واعداً أكثر من كونه منتجاً جاهزاً لتحسين عمر بطارية طائرتك المسيّرة القادمة.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
