أبراج النباتات الحل الطبيعي لتنقية هواء المكاتب
هل يمكن لأبراج نباتية مبتكرة أن تنظف هواء المكاتب أفضل من أجهزة التنقية التقليدية؟ اكتشف كيف تستخدم شركة ناشئة تقنية طبيعية لتحسين جودة الهواء الداخلي وتقليل المركبات العضوية المتطايرة في أماكن العمل مع نتائج معتمدة من جهة ألمانية في وورلد برس عربي.

-هل يمكن لبرجٍ من النباتات أن ينظّف هواء المكتب أفضل من جهاز تنقية بفلتر يُباع بمئات الدولارات؟ هذا هو السؤال الذي تحاول شركة Greenairy الناشئة الإجابة عنه، وتستند في ذلك إلى اختبارات أولية أجرتها في سنغافورة، وإلى نتائج تقول إنّ جهة ألمانية متخصصة صادقت عليها. القصة تستحق التوقف عندها، لا لأنّ الفكرة جذابة تسويقياً "حلّ طبيعي" دائماً عبارة تستحق التدقيق بل لأنّ المشكلة التي تنطلق منها الشركة حقيقية وموثّقة علمياً: جودة الهواء الداخلي في أماكن العمل.
بداية القصة: إغماءة في ورشة جامعية
تعود حكاية Greenairy إلى سنوات الدراسة الهندسية لمؤسّسَيها تانفي تومبري ولاكشيا سراف، حين كانا يعملان في ورشة تصنيع (makerspace) جامعية مزوّدة بآلات قطع بالليزر وطابعات ثلاثية الأبعاد ولحّام. تقول تومبري إنّهما كانا "معرَّضين دون علمٍ لأبخرة سامة من آلات القطع بالليزر والطابعات ثلاثية الأبعاد وأدوات اللحام". لم يكن الأمر نظرياً: أُغمي على صديقة تومبري المقرّبة في تلك الورشة ونُقلت إلى المستشفى، وهو الحادث الذي دفع الثنائي إلى البحث جدّياً في موضوع تلوّث الهواء الداخلي.
ما اكتشفاه لم يقتصر على ورشة واحدة. تقول تومبري: "بدأنا نبحث في تلوّث الهواء الداخلي، وأدركنا أنّه خطر صحي خفي لكنه خطير خصوصاً في المدارس والمكاتب والفنادق وصالونات التجميل وأي مبنى تجاري يمنع فيه التكييف فتح النوافذ". هذا التفصيل الأخير مهمّ: التكييف المركزي الذي نعتبره رفاهية قد يكون، بحسب تومبري، عاملاً يحبس الملوّثات بدل أن يتخلّص منها. وتربط تومبري هذه الملوّثات بما يُعرف بـ"متلازمة المبنى المريض" (sick building syndrome)، وهي حالة موثّقة لدى وكالة حماية البيئة الأمريكية تصف أعراضاً صحية وإزعاجاً يصيب قاطني مبنى معيّن دون أن يُعرف سبب محدد أو مرض بعينه.
لماذا لا تكفي أجهزة التنقية التقليدية؟
اللافت أنّ ورشة الجامعة نفسها كانت مزوّدة بأجهزة تنقية هواء، لكن المؤسّسَين يقولان إنّ المشكلة استمرت رغم ذلك. يشرح سراف السبب: أجهزة التنقية التقليدية تتفوّق في إزالة الجسيمات العالقة كالغبار وحبوب اللقاح، لكنها أقل كفاءة مع الغازات السامة وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون والفورمالديهايد والبنزين. كثير من هذه الغازات ينتمي إلى فئة المركّبات العضوية المتطايرة (VOCs)، وهي مواد تتبخّر بسهولة في الهواء المحيط.
ويضيف سراف أنّ بعض فلاتر أجهزة التنقية "لا تزيل سوى نطاق ضيق من هذه المركّبات"، وتحتاج إلى استبدال متكرر وهنا بالضبط تكمن الفرضية التجارية لـGreenairy: أبراج نباتية مصمَّمة لسحب الهواء، وتفكيك الغازات السامة بيولوجياً، ثم إطلاق هواء منقّى، دون حاجة لاستبدال فلاتر ودون، بحسب سراف، "نواتج ثانوية ضارة". يوضح أنّ "نبتة في أصيص تنظّف الهواء ببطء، لكن حين نغيّر الظروف المحيطة بالنبتة، فإنها تنظّف الهواء أسرع وأفضل من هذه الطرق التقليدية" أي أنّ الابتكار هنا ليس في النبتة بحد ذاتها، بل في الهندسة المحيطة بها.
ما الذي أظهرته الاختبارات فعلياً؟
أجرت Greenairy تجارب قصيرة الأمد في مواقع حول سنغافورة، قارنت خلالها ثلاثة مكاتب باستخدام أجهزة قياس معتمدة من RESET: مكتب بأبراج Greenairy النباتية، وآخر بجهاز تأيين طبي متخصص يستخدم شحنة كهربائية لتكتيل الغبار وجسيمات أخرى لتسقط من الهواء، وثالث بجهاز تنقية HEPA يحبس الجسيمات الدقيقة جداً.
النتيجة، وفق سراف: "برجنا سجّل أدنى مستويات للمركّبات العضوية المتطايرة، وأزالها بأسرع وتيرة". أضاف أنّ موظفي المكتب "أحبّوا أيضاً الرائحة الطبيعية 'المنعشة' للبرج والأجواء الطبيعية التي أضفاها". أما تومبري فتتحدث عن أرقام أكثر تحديداً: انخفاض بنسبة 50% في متوسط المركّبات العضوية المتطايرة اليومي وفي مستوياتها القصوى خلال ساعات العمل الاعتيادية. وتشير إلى أنّ النتائج تتحسن مع مرور الوقت "مع نضج النباتات والميكروبات ومنع تراكم الغازات" أي أنّ الأثر ليس فورياً بل تراكمي.
هنا تحديداً يستحق الحذر المهني وقفة: الشركة تقول إنّ مؤسسة TÜV SÜD الألمانية للفحص والاعتماد صادقت على هذه النتائج، وإنها تخطّط لنشرها قريباً، لكن حتى وقت كتابة هذا التقرير كانت النتائج متاحة فقط عند الطلب، لا منشورة للتدقيق العلني. هذا فرق جوهري بالنسبة لأي قارئ يفكّر في الاعتماد على هذه الأرقام: التصديق من جهة خارجية خطوة مطمئنة، لكنه ليس بديلاً عن نشر علمي قابل للمراجعة. تستند تومبري أيضاً إلى أبحاث جامعة هارفارد التي تربط تحسّن جودة الهواء الداخلي بتحسّن الوظائف الإدراكية والإنتاجية وهو سياق علمي أوسع يدعم الفرضية العامة، وإن لم يكن دليلاً مباشراً على أداء منتج الشركة بالذات.
جغرافيا غريبة لشركة ناشئة واحدة
من الزوايا اللافتة في هذه القصة أنّ المؤسّسَين يعملان من قارّتين مختلفتين: سراف مقيم في بيركلي بكاليفورنيا، وتومبري في سنغافورة. يصف سراف هذا الترتيب بأنه يتيح لأحدهما إجراء الاختبارات في سنغافورة بينما يتولى الآخر جمع التمويل من منطقة الخليج (Bay Area)، ويقول إنّ الترتيب "يعمل جيداً في هذه المرحلة". لكن الخطة ليست أن يستمر الوضع إلى الأبد: يتوقع الثنائي أن يجتمعا في سنغافورة بحلول النصف الأول من عام 2027، موعداً لإطلاق أول دفعة من الأبراج المُصنَّعة على نطاق واسع وتركيبها لدى أول عملائهما.
قبل ذلك، ستخوض الشركة اختباراً من نوع آخر: تم اختيارها للمشاركة في برنامج Startup Battlefield 200 ضمن فعالية TechCrunch Disrupt المقرّرة في سان فرانسيسكو يومي 13 و15 أكتوبر، حيث ستعرض فكرتها أمام عشرات المستثمرين إلى جانب فرق ناشئة أخرى.
تبقى الخلاصة العملية لمن يتابع هذا الملف من زاوية المستخدم لا المستثمر: الفكرة علمياً معقولة، والمشكلة التي تعالجها تلوّث الهواء الداخلي بالمركّبات العضوية المتطايرة موثّقة وليست تهويلاً تسويقياً. لكن الحكم النهائي على فعالية المنتج يجب أن ينتظر نشر بيانات TÜV SÜD كاملةً للعموم، لا الاكتفاء بتصريحات المؤسّسين أو نتائج "متاحة عند الطلب". إلى أن يحدث ذلك، يبقى الأمر وعداً واعداً أكثر منه حقيقة مثبتة.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
