وورلد برس عربي logo

الصهيونية الليبرالية تكشف وجهها الحقيقي في غزة

تسلط وورلد برس عربي الضوء على الصهيونية الليبرالية التي تواجه حقيقة العنف والتمييز في غزة والضفة الغربية وتكشف التناقض بين الخطاب الليبرالي والدعم الغربي وبين الواقع الفلسطيني المؤلم الذي لا يمكن إنكاره بعد الآن.

مسؤولون ديمقراطيون أمريكيون يشاركون في مسيرة يوم إسرائيل في نيويورك، رافعين أعلام الولايات المتحدة وإسرائيل، مع لافتة مجلس العلاقات المجتمعية.
تشارك المدعية العامة لنيويورك ليتيسيا جيمس وحاكمة نيويورك كاثي هوشول في موكب يوم إسرائيل بمدينة نيويورك في 31 مايو 2026 (جانيت ماير/صور كوفر عبر رويترز)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

الصهيونية الليبرالية في مواجهة المرآة: ما الذي كشفته غزة عمّا كان مخفياً

ثمّة لحظاتٌ في التاريخ تُسقط الأُطر التفسيرية التي بنتها النخب على مدى عقود، وتكشف عن البنية الحقيقية التي كانت تحتها دائماً. ما يجري في غزة من إبادةٍ وتدمير ممنهج إلى جانب موجات العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، والحرب التي أفضت إلى تهجيرٍ جماعي في جنوب لبنان، كلّ ذلك وقع تحت قيادةٍ إسرائيلية أصدر بحقّها المحكمة الجنائية الدولية مذكّرات اعتقال قد جعل الصهيونيةَ الليبرالية في موقفٍ لا مخرج منه.

لعقودٍ طويلة، كان الصهاينة الليبراليون الواجهةَ الغربية الواثقة لإسرائيل. كانوا يُجسّدون موقفاً يسعى إلى التوفيق بين الالتزام المُعلَن بقيم ليبرالية كالمساواة في المواطنة وحرية التعبير والتجمّع والحكم الدستوري الديمقراطي وبين الالتزام بمشروعٍ قومي صريح يهدف إلى بناء دولةٍ يهودية في أرضٍ متعدّدة الأديان والهويات، بصرف النظر عمّا عناه ذلك المشروع على مدى عقودٍ لملايين الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين الذين واجهوا التمييز والإخضاع.

ظلّ هؤلاء يُصرّحون بأنّ إسرائيل دولةٌ متسامحة قادرةٌ على الجمع بين يهوديّتها وديمقراطيّتها. وقد مَنحهم دعمٌ خطابيٌّ وأخلاقي وسياسي واسع من شخصياتٍ ليبرالية غربية بارزة كـ Eleanor Roosevelt وMartin Luther King Jr وBill Clinton وBarack Obama، فضلاً عن دعم الدول الغربية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

غير أنّ الهوّة بين ما قيل إنّ إسرائيل تمثّله نموذجاً للفداء الغربي ما بعد الهولوكوست والواقع الوحشي الذي عاشه الفلسطينيون الأساسيون، باتت هوّةً يستحيل تغطيتها بعد الآن.

طرفا الطيف

على أحد طرفَي هذا الطيف، ثمّة وعيٌ متأخّر بدأ يظهر، بل واعترافٌ خافتٌ مُكره بأنّ شيئاً ما خاطئٌ بوضوح في المشروع الصهيوني بعد غزة. الممثلة البريطانية Helen Mirren، التي طالما دافعت عن إسرائيل، أقرّت بذلك حين اعترفت بأنّها «نشأت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكان إدراك جيل والديها لما حدث في الهولوكوست عميقاً وبالغ الأهمية». وأضافت: «لذلك، كان قيام إسرائيل لحظةً بالغة الأهمية، وإن كان ربّما قد جرى بطريقةٍ خاطئة تماماً، وفي المكان الخطأ، لا أعلم. لكن كان لا بدّ من أن يحدث شيء بعد ذلك الهول».

على الطرف الآخر من الطيف، لا تزال الشعارات الصهيونية المتكلّسة وما يرافقها من خطابٍ مضاد للفلسطينيين كـ«حقّ إسرائيل في الوجود» لا تُبدي أيّ اعتبارٍ للفلسطينيين، ولا أيّ شكٍّ في قيام دولة إسرائيل في فلسطين على حساب أهلها.

انظر إلى شخصياتٍ من مؤسّسة الحزب الديمقراطي الأمريكي زعيم الأقلّية الديمقراطية في مجلس الشيوخ Chuck Schumer، والمدّعية العامة لنيويورك Letitia James، وحاكمة نيويورك Kathy Hochul، وغيرهم الذين تحدّثوا أو سيروا في ما يُسمّى مسيرة «يوم إسرائيل» في مدينة نيويورك في مايو الماضي. إنّه احتفالٌ سنوي يُقدَّم باعتباره تعبيراً «غير سياسي» عن الانتماء القومي والمجتمعي اليهودي.

سار آلاف المشاركين يرفعون علم دولةٍ أجنبية ارتكبت إبادةً جماعية في غزة، وتتسامح مع مجازر في الضفة الغربية، وتُمارس الانتهاك الجنسي بحقّ المعتقلين الفلسطينيين، وتقتل الصحفيين والمسعفين، وتُدمّر قرىً وبلداتٍ بأكملها في جنوب لبنان.

Schumer وHochul وJames ليبراليون اسماً، نشأوا في مرحلةٍ من السياسة الأمريكية كان فيها الصهيونية أمراً مُسلَّماً به، ولم يكن الاستثناء الفلسطيني يُطعَن فيه إلّا نادراً. وقد زعموا لاحقاً كساسةٍ محنّكين أنّهم فوجئوا بمشاركة وزير المالية الإسرائيلي العنصري الصريح Bezalel Smotrich في مقدّمة تلك المسيرة.

وبينما أدان هؤلاء المسؤولون الديمقراطيون بصوتٍ عالٍ إسلاموفوبيا Smotrich، لم يُشيروا بكلمةٍ واحدة إلى عنصريّته ضدّ الفلسطينيين. فبينما يتبنّى Smotrich علناً التفوّق اليهودي على الفلسطينيين غير اليهود، يتصرّف هؤلاء كأنّ الفلسطينيين غير موجودين وغير ذوي صلة بانتمائهم لإسرائيل تماماً كما كان يُمكن لأبيضٍ من الجنوب الأمريكي في ذروة نظام الفصل العنصري أن يُصرّ على أنّ احتفاله بـ«Dixie» لا علاقة له بالأمريكيين السود.

ثمّ يأتي Smotrich البغيض، كـBull Connor مُعزَّزاً، ليقول علناً وبجرأةٍ ما لم يكن مقصوداً أن يُقال بصوتٍ مرتفع في العواصم الغربية التي تعتمد عليها إسرائيل لإبقاء ملايين الفلسطينيين عديمي الجنسية تحت سيطرتها.

الصهيونية المَرثيّة

ليس كلّ الصهاينة الليبراليين غافلين تماماً عن معاناة الفلسطينيين وآلامهم. قليلون منهم في الواقع من يتشفّى بصراحةٍ في تعبيرات التفوّق اليهودي والمعاناة الفلسطينية كما يفعل Smotrich وزميله وزير الأمن القومي الإسرائيلي Itamar Ben Gvir، الذي يرتدي بفخرٍ حبلَ مشنقةٍ مضادٍّ للفلسطينيين على طيّة معطفه، وقال مؤخّراً إنّ لبنان كلّه يجب أن يحترق.

ما يلفت الانتباه في الصهيونية الليبرالية المتأخّرة هو ادّعاؤها الأدائي بالاعتراف بمعاناة الفلسطينيين والإقرار بالظلم الذي لحق بهم على يد إسرائيل، مع الإصرار في الوقت ذاته على أنّ المشروع الصهيوني في فلسطين لا يزال قابلاً للإنقاذ مهما بلغ الضرر الذي تُلحقه إسرائيل بالفلسطينيين. لقد تحوّلت الصهيونية الليبرالية إلى صهيونيةٍ مَرثيّة.

مؤسّس منظّمة J Street الصهيونية الليبرالية Jeremy Ben-Ami يُجسّد مراوغة هذه الصهيونية المَرثيّة فكرة أنّ الأمور كانت مثاليةً في يومٍ ما، ثمّ انحرفت. في مقابلةٍ حديثة على برنامج Breaking Points، حاول Ben-Ami تحديث أساطير الصهيونية الليبرالية بالقول إنّ إسرائيل انحرفت عن مبادئها التأسيسية. أصرّ على أنّ إسرائيل كانت مشروعاً عظيماً وضرورياً، وحاول تبرير الصهيونية بالإشارة إلى التاريخ الطويل من الاضطهاد الذي عاشه اليهود في أوروبا، مُلمّحاً إلى أنّ المراحل الأولى من تاريخ إسرائيل كانت مليئةً بالوعود التي خانها مجيء رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu.

لا يتطرّق Ben-Ami إلى الطابع العنيف والقسري وغير الديمقراطي لنظام الانتداب البريطاني في فلسطين الذي أتاح الاستيطان الصهيوني. فمهما كانت الدوافع الأصلية لإقامة دولةٍ يهودية مواجهة معاداة السامية الأوروبية، أو محاكاة القوميات العنصرية الأوروبية الأخرى فقد اصطدم المشروع الصهيوني منذ بداياته في فلسطين العثمانية بواقع التاريخ والجغرافيا و وجود الشعب الفلسطيني.

كان القادة الأوائل للحركة الصهيونية وداعموهم الاستعماريون الأوروبيون صريحين في قناعتهم بتفوّق اليهود الأوروبيين على الفلسطينيين غير اليهود وعلى يهود الشرق والمزراحيم، وبتفوّق الحضارة الأوروبية على سائر الحضارات. ففي عام 1896، قبل قرنٍ من Netanyahu، وصف زعيم الحركة الصهيونية Theodor Herzl الدولة اليهودية في فلسطين بأنّها «جزءٌ من الحصن الأوروبي في مواجهة آسيا، موقعٌ متقدّم للحضارة في مواجهة البربرية».

وفي عام 1918، أخبر Chaim Weizmann راعيه الاستعماري البريطاني Arthur Balfour بأنّه لا يمكن قيام ديمقراطيةٍ في فلسطين ما دام الفلسطينيون الأصليون يُشكّلون الأغلبية. وبعد وصف الفلسطينيين بأوصافٍ تحقيرية، أصرّ Weizmann على ألّا يسترشد المحتلّون البريطانيون لفلسطين بـ«المبدأ الديمقراطي»، قائلاً:

«الأرقام الصارمة تعمل ضدّنا، إذ يوجد خمسة عرب لكلّ يهودي. ومن العدل أن يكون تأثير العرب أكبر بخمس مرّات من تأثير اليهودي... والنتيجة أنّ اليهود يُسلَّمون عملياً للعرب. هذا النظام لا يأخذ في الاعتبار أنّ ثمّة فارقاً نوعياً جوهرياً بين اليهودي والعربي».

وفي عام 1923، كتب المستوطن الصهيوني Vladimir Jabotinsky مقالته الكاشفة «الجدار الحديدي»، مُقرّاً بأنّ الفلسطينيين الأصليين رغم كونهم في نظره «متأخّرين عنّا بخمسمائة عام» سيدافعون عن أرضهم، ومن ثمّ دعا إلى سحقهم جسدياً ونفسياً.

قرنٌ من التفوّق

على خلاف ما يوحي به Ben-Ami من وجود لحظةٍ صهيونية طاهرة قبل الطوفان، فإنّ مؤسّسي دولة إسرائيل طردوا بلا رحمةٍ مئات الآلاف من الفلسطينيين الأصليين وصادروا أراضيهم وممتلكاتهم خلال عام 1948 وبعده. وبينما رحّبوا باللاجئين والمستوطنين والمهاجرين اليهود من شتّى أنحاء العالم ومنحوهم الجنسية، منعوا بصورةٍ ممنهجة اللاجئين الفلسطينيين غير اليهود عديمي الجنسية من العودة إلى بيوتهم.

كما وثّقت المؤرّخة Shira Robinson في كتابها Citizen Strangers، جعل المؤسّسون الأقليّةَ الفلسطينية الباقية والمُهمَلة مواطنين من الدرجة الثانية، وأخضعوها للحكم العسكري حتى عام 1966.

بعد أكثر من قرنٍ على تعبير Weizmann عن التفوّق اليهودي على العرب، و78 عاماً على النكبة، يبذل Ben-Ami جهداً مضنياً ليبدو معقولاً أمام رأيٍ عام عالمي لم يعد يقبل تعبيرات التفوّق والعنصرية الصهيونية.

يُقرّ Ben-Ami بأنّه مرعوبٌ من المجازر الإسرائيلية في غزة ولبنان والضفة الغربية. لكنّه لا يزال يريد دولةً إثنية، ويرفض الصراحة في وصف طبيعتها. يتحاشى وصف إسرائيل بـ«الدولة الإثنية»، ويُفضّل تسميتها «وطناً للشعب اليهودي». هذه الصياغة تُوحي بأنّ مثل هذه الدولة يمكن التوفيق بينها وبين حقوق الفلسطينيين لو أمكن رسم «حدودٍ» ما في مكانٍ ما.

باختصار، يتمسّك بالوهم الانفصالي الذي يُتيح لليهود في أنحاء العالم الاستمرار في الهجرة إلى إسرائيل بحكم يهوديّتهم، والتمتّع بحقوقٍ متفوّقة بطبيعتها على معظم أراضي فلسطين التاريخية وهي حقوقٌ محجوبةٌ بالتعريف عن الفلسطينيين غير اليهود المنفيّين من وطنهم الفعلي.

يُقرّ Ben-Ami بأنّه ينبغي منح الفلسطينيين حقّ العودة، لكن ليس إلى بيوتهم وأراضيهم وقراهم الأصلية كما تنصّ على ذلك القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. بدلاً من ذلك، يرى توجيه الفلسطينيين المنفيّين إلى أيّ دويلةٍ فلسطينية أصغر قد تُقام. وهكذا يتحوّل «حلّ الدولتين» من مسارٍ نحو مستقبلٍ فلسطيني حقيقي، إلى ورقة تبرئةٍ يتشبّث بها الصهاينة الليبراليون لمواصلة صهيونيّتهم مهما فعلت إسرائيل.

خسرت الصهيونية الليبرالية أرضها أمام الصهاينة الأكثر عنصريةً صراحةً، لأنّ هؤلاء يُدافعون عن الواقع القبيح والقاسي لما كان المشروع الصهيوني في فلسطين دائماً بالنسبة للفلسطينيين وهو الواقع الذي سعى الصهاينة الليبراليون إلى إنكاره وتمنّي زواله وصرف الأنظار عنه. في الوقت ذاته، يقف الرأي العام العالمي مرعوباً ممّا فعلته إسرائيل بالشعب الفلسطيني. التاريخ أدرك الصهيونية. ومهما حاول أتباعها، لا عودة لـHumpty Dumpty الصهيوني الليبرالي إلى ما كان عليه.

أخبار ذات صلة

Loading...
شاحنات نقل متوقفة عند معبر حدودي بين الإمارات والسعودية تعكس تأخيرات متزايدة في حركة التجارة البينية بسبب التوترات السياسية والاقتصادية.

تأخّر التبادل التجاري بين السعودية والإمارات وسط التوتّرات

تشهد التجارة بين الإمارات والسعودية تأخيرات متزايدة وتعليق تحويلات مصرفية، مما يؤثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة ويزيد التوتر الاقتصادي بين الجارين الخليجيين. اكتشف المزيد عن تداعيات الأزمة الآن.
سياسة
Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتبادلان حديثاً ودياً خلال قمة حلف الناتو في أنقرة، مع حرس شرف خلفهما.

ترامب يعمل على إزالة تركيا من قائمة العقوبات الأمريكية

أعلن ترامب رفع العقوبات الأمريكية عن تركيا بعد خلافات حول منظومة S-400 وعودة محتملة لبرنامج F-35، مما يعزز العلاقات بين البلدين. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة السياسية وتأثيرها على التحالفات الدولية.
سياسة
Loading...
مقاتلة Eurofighter Typhoon على مدرج ليلي، تعكس التعاون الدفاعي المتزايد بين تركيا والمملكة المتحدة ضمن اتفاقية شراكة أمنية شاملة.

تركيا وبريطانيا توقّعان اتفاقية دفاعية جديدة

تركيا وبريطانيا تقتربان من توقيع اتفاقية دفاعية شاملة تعزز التعاون في الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب ضمن تحالفات حلف الناتو. اكتشف تفاصيل هذا التحول الاستراتيجي الآن!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية