اكتشاف الحبر الرصاصي يكشف أسرار لفائف هيركولانيوم
اكتشاف حبر الرصاص في لفائف هيركولانيوم المتفحمة يفتح أبواباً جديدة لفك أسرار نصوص أثرية نادرة باستخدام تقنيات الأشعة السينية والذكاء الاصطناعي فريق بحثي يقترب من قراءة التاريخ المدفون تحت الرماد عبر ابتكار فريد من نوعه وورلد برس عربي

ثمانية وسبعون عاماً بعد الميلاد، دفن بركانُ فيزوف مدينةَ هيركولانيوم تحت طبقاتٍ من الرماد والحمم، وحوّل مكتبةً فلسفية كاملة إلى أكوامٍ من الورق المتفحّم. بقيت تلك اللفائف الورقية أكثر من 600 لفافة اكتُشفت في غرفةٍ واحدة لقرابة ألفَي عام، لا يجرؤ أحدٌ على فكّها خشية أن تتفتّت بين يديه. اليوم، يقترب فريقٌ من الباحثين من مفتاحٍ قد يُغيّر معادلة قراءة هذه النصوص الأثرية النادرة: الرصاص في الحبر.
مشكلة الظلام البصري
المعضلة التي تواجه علماء الآثار ليست في الوصول إلى اللفائف، فهي موجودة ومحفوظة منذ اكتشافها في القرن الثامن عشر. المعضلة هي أن حبر الكربون المستخدم في كتابة هذه المخطوطات يختلط بصرياً مع الورق البردي المتفحّم نفسه، وكلاهما أسود، وكلاهما كربون. حين تُجري مسحاً بالأشعة السينية، لا يكاد المسح يُميّز بين الحرف والخلفية التي كُتب عليها. هذا ما يسمّيه الباحثون مشكلة التباين المنخفض، وهي عقبةٌ حقيقية تُبطّئ مشاريع فكّ شفرة هذه النصوص رغم كل التقدّم التقني المحقَّق.
في المقابل، عُرف عن الكتّاب المصريين القدماء استخدامُهم أحباراً تحتوي على معادن كالرصاص، وهذه المعادن تُضيء كالشعلة أمام الأشعة السينية، إذ تتباين بوضوح مع الخلفية العضوية. السؤال الذي طرحه Douglas Seiler، المخترع المتقاعد الذي يقود هذا البحث، كان بسيطاً في صياغته وعميقاً في دلالته: هل يحتوي بعض لفائف هيركولانيوم على حبرٍ رصاصي؟ وإن كان كذلك، فكيف نعرف أيّها نبحث فيه أولاً؟
من المختبر إلى الفرن: تصنيع الماضي
لم يكن بإمكان Seiler وفريقه أن يجرّبوا تقنياتهم مباشرةً على اللفائف الأصلية فهي أثمن من أن تكون أرضاً للاختبار فلجأوا إلى حلٍّ بديع: صنعوا لفائف بردي حديثة تُحاكي الأصلية.
جهّز الفريق لفائف بردي بتركيزاتٍ متفاوتة من نترات الرصاص في الحبر، ثم دعا طلاباً من المرحلة الثانوية لكتابة نصوصٍ عليها اقتباساتٌ من الكتاب المقدّس، ومن سلسلة Star Wars، ومن مسلسل The Outer Limits. بعدها، أُدخلت اللفائف إلى فرنٍ صناعي لتُحرق وتتفحّم بالطريقة ذاتها التي تفحّمت بها لفائف هيركولانيوم قبل ألفَي عام.
النتيجة كانت مذهلة. حين أخضع الفريق هذه اللفائف النموذجية لمسح ثلاثي الأبعاد بالأشعة السينية في NIST (المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا) في ولاية ماريلاند، كان المشهد لافتاً. يصف Seiler ما رأوه بقوله: "أضاءت الحروف كأنها شجرة عيد الميلاد."
لم يتوقّف الأمر عند التصوير. طوّر Michael Cyrus Daugherty من NIST برمجيةً مستوحاةً من تقنيات مسح بطاريات الليثيوم أيون، أعادت فكّ اللفائف المتفحّمة رقمياً وكشفت عن النصوص المكتوبة عليها. البحث الذي يصف هذه النتائج نُشر عام 2026 في مجلة PLoS ONE العلمية المحكّمة.
أشعة في يد الباحث: كيف تُحدَّد الأولويات؟
ما يُضيفه هذا البحث إلى المشهد العام ليس فقط إثبات قدرة الكشف عن الحبر الرصاصي، بل تقديم أداةٍ عملية لتحديد الأولويات. يقترح Seiler استخدام أجهزة قياس التألّق بالأشعة السينية المحمولة باليد وهي أجهزةٌ غير جراحية وغير مدمّرة لمسح اللفائف المحفوظة وتحديد أيّها يحتوي على رصاص قبل إخضاعها للتصوير المكثّف.
المنطق هنا واضح من الناحية الوبائية التطبيقية: حين تكون الموارد محدودة والعيّنات ثمينة، تبدأ بالحالات الأكثر قابليةً للتشخيص. يقول Seiler صراحةً: "مع وجود الرصاص في الحبر، ستحصل على بصمةٍ ضخمة جداً، لذا عليك فعلاً أن تبحث عن اللفائف التي تحتوي على رصاص." ويُضيف في سياقٍ أوسع: "يواجهون مشكلات في قراءة كثيرٍ منها بسبب التباين المنخفض لحبر الكربون على ورق كربوني. نحن متيقّنون إلى حدٍّ بعيد أنهم إن بدأوا البحث عن الرصاص، أو سمحوا لنا بذلك، فسيُساعد هذا العملية برمّتها."
مسيرةٌ طويلة نحو النص المقروء
لفهم ما يعنيه هذا التطوّر، لا بدّ من استحضار السياق التاريخي لهذه اللفائف. اكتُشفت في القرن الثامن عشر في غرفةٍ يُعتقد أنها كانت مكتبة الفيلسوف الإبيقوري فيلوديموس. وعلى مدى قرنين، ظلّت محاولات فكّها يدوياً تنتهي بتدمير ما تحاول إنقاذه.
جاء التحوّل التقني عام 2016 حين طوّر Brent Searles من جامعة كنتاكي تقنية الفكّ الافتراضي باستخدام مسح الأشعة المقطعية الدقيقة (micro-CT) والذكاء الاصطناعي، وطبّقها على لفافة عين جدي العبرية المتفحّمة. في العام ذاته، اكتُشف الرصاص في حروفٍ على قطعتَين من لفائف هيركولانيوم، وهو الاكتشاف الذي شكّل نقطة الانطلاق لبحث Seiler الحالي.
في عام 2023، أُنتجت أول صورة بالأشعة السينية لداخل اللفافة PHerc. 172. وفي 2024، جرى قراءة اللفافة PHerc. 1667 بالكامل، وكشفت عن رسالةٍ فلسفية كاملة. أطلق مشروع Vesuvius Challenge جوائز تحفيزية لتسريع هذا العمل، وبلغت الجائزة الكبرى 700,000 دولار عام 2024 لأول فريقٍ تمكّن من قراءة نصٍّ مقروء من اللفائف.
تقاطعٌ غير مألوف من التخصّصات
ما يلفت النظر في هذا البحث هو التنوّع المنهجي الاستثنائي لفريقه. يُعبّر Seiler عن ذلك بنفسه: "الوصول إلى هنا هو في حدّ ذاته، بالنسبة لي، فريدٌ تماماً كبحثنا. أعني: الكيمياء غير العضوية، والبردي، والتصوير المقطعي بالأشعة السينية، والذكاء الاصطناعي إنها مجموعةٌ متنوّعة حقاً من العلماء والمناهج للوصول إلى نقطة القول: نعم، إن كان هناك رصاصٌ في تلك اللفائف، فستتمكّنون من قراءة الصور بشكلٍ أفضل بكثير. سأراهن بنسبة عشرة إلى واحد. نودّ أن يكون فريقنا من يفعل ذلك، لكن إن أخذ فريقٌ آخر هذه الفكرة وهذا مقبول فلا يهمّنا."
وحين يصف Seiler دهشته من الإمكانات التقنية لهذا المجال، يقول ببساطة: "من المذهل ما يمكن للإلكترونات أن تفعله."
الفيزيائي Jake LaManna من NIST أجرى المسح الثلاثي الأبعاد بالأشعة السينية الذي كشف عن الحروف المضيئة في اللفائف النموذجية، فيما طوّر Daugherty البرمجيات التي أعادت فكّها رقمياً.
ما يبقى مفتوحاً هو السؤال العملي الأكبر: هل ستُتاح لهذا الفريق أو لأيّ فريقٍ آخر فرصة مسح مجموعة اللفائف المحفوظة بالكامل بحثاً عن الرصاص؟ المكتبات والمؤسّسات الحارسة لهذه الكنوز تتحمّل مسؤولية صون ما لا يمكن تعويضه، وأيّ خطوةٍ نحو الفحص تستلزم توافقاً مؤسّسياً دقيقاً. لكنّ الأدوات باتت جاهزة، والمنهج مُثبَت على نماذج مُحكمة، والجائزة المحتملة هي نصوصٌ فلسفية يونانية وربّما لاتينية ظلّت صامتةً منذ أن أسكتها فيزوف قبل ألفَي عام.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
