المصادم الهادروني يكشف أسرار الثقوب السوداء الكمّية
بحث جديد في المصادم الهادروني الكبير يكشف عدم وجود ثقوب سوداء كمّية أو أبعاد خفية حتى طاقة 12 تيرا إلكترون فولت لكن النتائج تعزز فهمنا للكون وتفتح أبواباً جديدة في فيزياء الجسيمات والجاذبية مع وورلد برس عربي.

لم يبتلع "المصادم الهادروني الكبير" (Large Hadron Collider) الأرضَ، ولن يفعل ذلك مستقبلاً، رغم أنّ فيزيائيّي القارّات الأربع ما زالوا يبحثون فيه، منذ سنوات، عن أجسامٍ تحمل اسم "الثقوب السوداء". هذا الالتباس، الذي رافق أضخم منشأةٍ للتجارب الذرّية في العالم منذ انطلاقها، يستحقّ التوضيح قبل الحديث عن أحدث نتائجها: فريق تجربة "المُرنان العضلي المُدمَج" (Compact Muon Solenoid CMS) في المصادم لم يعثر على أيّ دليلٍ على وجود "ثقوبٍ سوداء كمّية" ولا على أبعادٍ مكانية خفية، بعد تحليل بياناتٍ بلغت طاقتها 12 تيرا إلكترون فولت. والنتيجة، رغم أنها سلبية، تحمل قيمةً علمية لا تقلّ عن أيّ اكتشافٍ إيجابي، بحسب الباحثين الذين نشروا عملهم في مجلة Progress in High Energy Physics.
ثقب أسود لا يبتلع شيئاً
الخلط الشائع ينبع من الاسم نفسه. الثقوب السوداء الفلكية التي نعرفها تنشأ حين تنهار نجومٌ ضخمة تحت تأثير جاذبيتها الذاتية، فتتكوّن أجسامٌ هائلة الكثافة تدوم لملايين أو مليارات السنين. أما "الثقوب السوداء الكمّية" التي يبحث عنها فريق CMS فهي كائناتٌ نظرية أصغر من الذرّة نفسها، تحتاج إلى طاقةٍ مضغوطة في حيّزٍ متناهي الصغر، وتفنى فور تشكّلها. فحتى لو تكوّن أحدها فعلاً من تصادم تريليونات البروتونات داخل المصادم، فإنه يتبخّر لحظياً، ولا يملك الوقت الكافي ليبتلع أيّ شيء، ناهيك عن كوكبٍ بأكمله.
هذا التمايز بين الحجم الفلكي والحجم الكمّي هو ما يفسّر لماذا لا يستطيع الباحثون رصد الثقب الأسود نفسه، بل يبحثون عن أثره. تقول دانيي تشانغ (Danyi Zhang)، الباحثة في مختبر Incandela: "تُشكِّل ثقباً أسوداً، فيتفكّك فوراً. لكنّ له بصمة تحلّلٍ كروية الشكل، إذ تتطاير أشياء كثيرة في كل الاتجاهات". ولأنّ الثقوب السوداء عالية الطاقة بطبيعتها، يجمع الفريق طاقات الجسيمات الناتجة عن التصادم: "إذا كان مجموع هذه الطاقات كبيراً بما يكفي، يمكننا القول إنّ هذه هي المنطقة التي يُرجَّح أن نجد فيها الإشارة"، كما توضح تشانغ.
لماذا يبحثون عن "أبعادٍ خفية" أصلاً؟
يرتبط البحث عن الثقوب السوداء الكمّية بسؤالٍ أعمق يشغل الفيزياء منذ أكثر من قرن: كيف توحَّد القوى الأساسية الأربع في الطبيعة؟ فمن بين هذه القوى، تبدو الجاذبية أضعف بكثير من الكهرومغناطيسية والقوتين النوويتين، وهو لغزٌ لم تجد له النظريات القائمة تفسيراً مقنعاً. أحد الحلول المقترحة، الذي تستند إليه نظرية الأوتار (String Theory) وامتداداتها، يفترض وجود أبعادٍ مكانية خفية إضافة إلى الأبعاد الأربعة المعروفة (الطول والعرض والارتفاع والزمن). فلو تسرّبت الجاذبية إلى هذه الأبعاد الخفية، لأصبحت أقوى بكثير مما نلاحظه في تجربتنا اليومية، ولأتاحت أيضاً الضغط الشديد للطاقة اللازم لتشكّل ثقوبٍ سوداء كمّية.
بعبارة أخرى، فإنّ رصد ثقبٍ أسود كمّي كان سيمثّل دليلاً غير مباشر على وجود هذه الأبعاد الخفية، وربما فتح الباب أمام دراسة الجاذبية الكمّية مباشرة وهي النظرية التي طال انتظارها لتوحيد النسبية العامة مع الفيزياء الكمّية. يقول تاماس فامي (Tamas Vami)، الباحث في تجربة CMS: "لو وجدنا دليلاً، لكنّا بدأنا بدراسة الجاذبية الكمّية مباشرة. إنها خطوة نحو توحيد كل القوى الأساسية المعروفة، وهو هدفٌ يسعى إليه الفيزيائيون منذ أكثر من قرن".
ويشرح فامي جوهر المعضلة بمصطلحاتٍ أبسط: "لدينا نظريتان كبريان تصفان الطبيعة. إذا أردت وصف الأشياء الصغيرة، تذهب إلى نظرية الحقل الكمّي، ولدينا النموذج المعياري لوصف كل الجسيمات، وهو يعمل بشكلٍ استثنائي على أرض الواقع. وحين تذهب إلى الأشياء الكبيرة جداً، لديك النسبية العامة التي تصف كيف تتصرّف الأجسام الكبيرة والضخمة". أما الحالات التي تتقاطع فيها النظريتان أجسامٌ صغيرة جداً لكنها ثقيلة جداً في آنٍ واحد فهي، بتعبيره، "نادرة حقاً، لأنك لا تجد غالباً موقفاً يكون فيه الشيء صغيراً جداً لكنه أيضاً ثقيل جداً بشكلٍ استثنائي".
نتيجة سلبية... لكنها "ليست طريقاً مسدوداً"
هنا تكمن أهمية ما توصّل إليه فريق CMS: غياب الإشارة المتوقّعة، بعد فحص البيانات حتى طاقة 12 تيرا إلكترون فولت باستخدام تقنية تحليل جديدة، لا يعني فشل البحث، بل يمثّل ما يسمّيه الفيزيائيون "حدّ استبعاد". تصف تشانغ الأمر بدقّة: "النتيجة هي حدّ استبعاد، وهو بيانٌ حقيقي وقابل للنشر: لو كان هذا الشيء موجوداً بهذه الخصائص، لكنّا رأيناه. لم نرَه، لذا يمكننا استبعاده هنا". وتضيف: "هذه معرفةٌ حقيقية عن كيفية عمل الكون". وتشدّد على أن غياب الاكتشاف لا يعني إغلاق الملف: "إنه ليس طريقاً مسدوداً".
فالنظريات، كما تذكّر تشانغ، لا تتنبأ بإجابةٍ دقيقةٍ واحدة، بل "بنطاقٍ كاملٍ من الأماكن التي قد يختبئ فيها الجسيم". وكل عملية بحثٍ جديدة "تُزيل جزءاً من ذلك النطاق وتقول: ليس هنا، ومع مرور الوقت تتقلّص خريطة الأماكن التي قد توجد فيها فيزياءٌ جديدة". وهذا بالضبط المنهج الذي أدّى، عبر سلسلةٍ من عمليات الاستبعاد المتراكمة، إلى اكتشاف بوزون هيغز عام 2012 وهو المثال الذي يستشهد به الفريق لتبرير الاستمرار في هذا النوع من الأبحاث رغم تكرار النتائج السلبية.
إلى أين يتّجه البحث الآن؟
الفيزياء الواقعة خارج نطاق النموذج المعياري قد لا تظهر إلا عند طاقاتٍ عالية جداً وهي الطاقات التي يولّدها المصادم الهادروني عبر تصادم البروتونات بسرعاتٍ قريبة من سرعة الضوء، عند مسافاتٍ أصغر بكثير من حجم الذرّة نفسها. ولأنّ التأثيرات الكمّية تصبح أكثر أهمية في الثقوب السوداء بحجم مقياس المصادم مقارنةً بالثقوب السوداء الفلكية، يرى الباحثون أن زيادة كمية البيانات ورفع مستويات الطاقة مستقبلاً قد يرفعان احتمال رصد إشارةٍ حقيقية. ولذلك يخطّط الفريق لمواصلة البحث عن الثقوب السوداء الكمّية باستخدام بياناتٍ إضافية وطاقاتٍ أعلى، إلى أن تُستنفَد جميع "المخابئ" الممكنة التي قد تحتوي فيزياءً جديدة.
يبقى السؤال الأعمق معلّقاً كما كان منذ أن وضع أينشتاين أسس النسبية العامة وتطوّرت الفيزياء الكمّية في العقود الأولى من القرن العشرين: كيف نوفّق بين نظريةٍ تفسّر الكون الصغير جداً وأخرى تفسّر الكون الكبير جداً؟ النتيجة السلبية التي أعلنها فريق CMS لا تجيب عن هذا السؤال، لكنها تضيّق دائرة البحث خطوةً أخرى، وهذا، في لغة الفيزياء التجريبية، إنجازٌ لا يُستهان به.
أخبار ذات صلة

رصد مرصد فيرا روبن مجرّة قزمة بين الأضعف والأصغر المرصودة قبل بدء مهمّته الرسمية

كهوف عملاقة تحت حفرة الانهيار تكشف أصل الخنادق الغامضة في سهل نولاربور الأسترالي

رائد فضاء يرصد أضواء المدن والشفق القطبي ومسارات النجوم من محطة الفضاء الدولية
