النقاط الحمراء الصغيرة أسرار المجرات البدائية الغامضة
اكتشف تلسكوب جيمس ويب ظاهرة النقاط الحمراء الصغيرة في مجرات مضغوطة وصغيرة تنشط بتشكيل النجوم بنسب منخفضة من المعادن ما يفتح أفقًا جديدًا لفهم تطور المجرات ونشأة النجوم في الكون المبكر على وورلد برس عربي.

ظاهرةٌ كونية ظهرت في فجر الكون ثم اختفت كأنّها لم تكن هذا ما يُحيّر علماء الفلك منذ أن كشف تلسكوب James Webb الفضائي (JWST) عن فئةٍ غريبة من الأجسام الكونية الصغيرة المضغوطة، تُعرف بـ"النقاط الحمراء الصغيرة" (Little Red Dots أو LRDs). وبينما تتواصل الأسئلة حول طبيعتها، نشر فريقٌ من الباحثين في أواخر أغسطس 2023 دراسةً في مجلة Nature Astronomy تُقدّم أدلّةً جديدة على أنّ مفتاح اللغز قد يكمن في المجرّات المضيفة لهذه الأجسام لا في الأجسام ذاتها.
ما الذي رصده التلسكوب بالضبط؟
منذ أن بدأ تلسكوب JWST إرسال مشاهداته إلى الأرض في صيف 2022، فتح نافذةً غير مسبوقة على الكون المبكّر. وقد استثمر الفريق البحثي الذي يضمّ عالم الفلك Jorge Zavala من جامعة University of Massachusetts Amherst هذه النافذة لدراسة 217 صورة لنقاط حمراء صغيرة، مستخدمين تقنية القياس الضوئي (photometry) لتحليل انبعاثات الضوء الصادرة من هذه الأجسام ومن المجرّات التي تحتضنها.
ما رصده الباحثون لافتٌ: المجرّات المضيفة لهذه النقاط بالغة الصِّغَر، إذ لا يتجاوز عرضها نحو 1,400 سنة ضوئية، وهي بذلك أكثر انضغاطاً بمقدار 2.5 مرّة مقارنةً بمجرّات مشابهة في الكتلة النجمية تنتمي إلى الحقبة الكونية ذاتها. فضلاً عن ذلك، تتّسم هذه المجرّات بكتلةٍ نجمية منخفضة نسبياً ومحتوىً معدني ضئيل أي أنّها تفتقر إلى العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم، وهي العناصر التي تلعب دوراً محورياً في مسارات تشكّل النجوم.
لماذا تُهيمن "المحرّكات المركزية" على الدراسات السابقة؟
يُقرّ Zavala بأنّ معظم ما نعرفه عن هذه النقاط جاء من التركيز على مكوّنها المركزي، لا على محيطها. يقول: "معظم الدراسات السابقة، ومعظم معرفتنا الحالية بالنقاط الحمراء الصغيرة، تنصبّ على 'المحرّك المركزي' أو المكوّن المركزي المضغوط الذي يهيمن على مجمل إنتاج الطاقة والسطوع الكلّي."
ويُفسّر سبب ذلك بقوله: "هذا لأنّ طبيعة هذا المحرّك المركزي لا تزال مجهولة، فمن الطبيعي أن ينصبّ عليه التركيز؛ ولأنّه يهيمن على معظم الضوء الذي نرصده، ممّا يجعل دراسة المجرّات المضيفة أمراً بالغ الصعوبة."
بعبارةٍ أخرى، كان الضوء الساطع للمحرّك المركزي يُعمي الرصد عن المحيط الأوسع وهو بالضبط ما تحاول هذه الدراسة تجاوزه.
هل ثمّة صلةٌ بنشاط تشكّل النجوم؟
يطرح الباحثون فرضيةً مثيرة: قد تكون الكثافة الغازية العالية في هذه المجرّات الصغيرة المضغوطة هي المحرّك الحقيقي لظاهرة النقاط الحمراء. يُوضح Zavala: "يبدو أنّ المجرّات المضيفة مجرّاتٌ منخفضة الكتلة النجمية، بأحجامٍ أكثر انضغاطاً ممّا يُوجد عادةً في مجرّات ذات كتل مشابهة، نشطة في تشكيل النجوم، ومنخفضة المعدنية. وقد يُشير هذا إلى كثافاتٍ مُعزَّزة قادرة على إطلاق نوباتٍ قوية من تشكّل النجوم."
ويمضي أبعد من ذلك: "إن صحّ هذا، فمن المحتمل أن تكون النقاط الحمراء الصغيرة مرتبطةً بنشاط تشكّل النجوم، أو حتى مُنتَجةً عنه. وهذا دليلٌ مهمّ لفهم كيفية تشكّل هذه الأجسام." ويُضيف: "قد يُشير هذا إلى صلةٍ بين ظاهرة النقاط الحمراء الصغيرة ونوبات التشكّل النجمي الانفجاري (starburst)، ربّما تُطلقها الكثافة الغازية العالية في هذه المجرّات بسبب أحجامها المضغوطة."
وعلى هذا الأساس، يرى Zavala أنّ ثمّة مسارات بحثية ينبغي استكشافها: "هذا يدفعني شخصياً نحو مزيدٍ من الدراسات حول الأهمية المحتملة للنجوم الضخمة الفائقة في ظاهرة النقاط الحمراء الصغيرة، سواءٌ بوصفها مصدراً للمحرّك المركزي أو بوصفها سلائف للثقوب السوداء التي قد تتربّع في مراكز هذه الأجسام."
لماذا اختفت هذه النقاط من الكون المحلّي؟
يبقى السؤال الأكبر معلّقاً: لماذا تختفي هذه النقاط قبل أن يبلغ الكون مليارَي سنة من عمره، ولا يُعثر لها على أثرٍ في الكون المحلّي؟ يُرجّح الباحثون أنّ المجرّات المتطوّرة اكتسبت بمرور الوقت محتوىً معدنياً أعلى، ممّا أفضى إلى تغيير شروط تشكّل النجوم وجعل بيئة الكون المحلّي غير ملائمة لنشأة هذه الأجسام من جديد.
يُعبّر Zavala عن حجم الغموض بصراحة: "لم نرَ شيئاً كالنقاط الحمراء الصغيرة في الكون المحلّي. هذه مرحلةٌ فاتتنا من قبل. السؤال هو: هل هذه مرحلةٌ تطوّرية مرتبطة بنموّ المجرّات ونشاط تشكّل النجوم أو نموّ الثقوب السوداء؟ هل تمرّ جميع المجرّات أو الثقوب السوداء بهذه المرحلة؟ لسنا متأكّدين بعد."
ما الخطوة التالية؟
الجواب عند Zavala مُختصَرٌ ومباشر: "المزيد من الرصد!" ويُفصّل ذلك بالقول إنّ الخطوة المقبلة تستلزم استخدام التحليل الطيفي (spectroscopy) وهو تقنية تُفكّك الضوء إلى أطوال موجية لتكشف عن تفاصيل دقيقة حول الغازات في المجرّات المضيفة بدلاً من الاقتصار على القياس الضوئي المستخدم في هذه الدراسة.
كما يقترح مساراً موازياً: "إمكانيةٌ أخرى هي البحث عن نظائر محلّية في الكون القريب. فبسبب قِصَر مسافتها، يمكننا دراسة بعض خصائصها بمزيدٍ من التفصيل." ويُكمل: "لتحقيق ذلك، نحتاج إلى معلوماتٍ متعدّدة الأطوال الموجية وإلى الجمع بين مشاهدات تلسكوباتٍ مختلفة. وهذا أيضاً مسارٌ مثيرٌ لفهم طبيعة هذه الأجسام فهماً كاملاً."
ما تُقدّمه هذه الدراسة ليس إجابةً نهائية، بل إعادة صياغة للسؤال: ربّما لا يكمن مفتاح فهم النقاط الحمراء الصغيرة في المحرّك الساطع الذي يهيمن على ضوئها، بل في المجرّة الهادئة الصغيرة التي تحتضنه وهي مجرّة تعيش في بيئةٍ كونية بالغة الخصوصية، لم تتكرّر منذ مليارَي سنة.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
