وورلد برس عربي logo

احتلال مستمر وأوهام سيادة لبنان في مواجهة إسرائيل

اتفاقية ثلاثية تدعي استعادة سيادة لبنان بينما الاحتلال الإسرائيلي يتعمق والجيش اللبناني يسيطر على قرى مدمرة في جنوب لبنان وسط توترات وصراعات مستمرة بين الأطراف المعنية وغياب حل حقيقي للأزمة في وورلد برس عربي.

دبابة عسكرية للجيش اللبناني في قرية مدمرة بجنوب لبنان ضمن المناطق التجريبية التي تسيطر عليها القوات اللبنانية بعد انسحاب إسرائيلي جزئي.
دوريات للجنود اللبنانيين في زوطر الغربية بتاريخ 28 يوليو 2026، بينما يعود السكان لتفقد منازلهم بعد أسبوع من نشر الجيش في القرية الجنوبية ضمن اتفاقية "المناطق التجريبية" برعاية أمريكية (جوزيف عيد/وكالة الصحافة الفرنسية)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في لحظةٍ من التأمّل، تخيَّل أنّ دولةً «أ» تمارس احتلالاً غير مشروع على دولةٍ «ب»، وتواصل ذبح سكّانها على الرغم من اتفاقية وقف إطلاق نارٍ مزعومة.

بأيّ منطقٍ سليم، يقتضي الحلّ أوّلاً أن تكفّ دولة «أ» عن الاحتلال والقتل في دولة «ب»، أليس كذلك؟

خطأ على الأقلّ حين تكون دولة «أ» هي إسرائيل، التي لم تشعر قطّ بأيّ إلزامٍ بالمعايير القانونية أو الأخلاقية الدولية. ولا يتجلّى هذا الإفلات من العقاب في مكانٍ أوضح ممّا هو عليه في قطاع غزة، حيث أودت الحرب الإبادية الإسرائيلية بحياة ما لا يقلّ عن 73,375 شهيدًل فلسطينياً أي واحداً من كلّ 33 شخصاً في أقلّ من ثلاث سنوات.

والآن، أُدرجت لبنان أيضاً في دور دولة «ب»، بفضل ما يُسمّى «الإطار الثلاثي» الذي وُقِّع في يونيو بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل وراعيتها الأمريكية في حربها الإبادية.

وبحسب ما صرّح به وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio، فإنّ الاتفاقية «تُرسي مساراً واضحاً ومنظَّماً لاستعادة سيادة لبنان، ونزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية الإرهابية، وتمكين إسرائيل من العودة إلى حدودها حين تزول التهديدات عن مواطنيها».

غير أنّ إسرائيل تُضمر أطماعاً توسّعية في الأراضي اللبنانية منذ أمدٍ بعيد؛ إذ لم يكن مصادفةً أن يمارس الجيش الإسرائيلي احتلالاً وحشياً لجنوب لبنان امتدّ 22 عاماً، لم ينتهِ إلّا في مايو 2000 حين أُجبر الإسرائيليون على الانسحاب على يد المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله أو «الإرهابيين» بحسب الرواية الرسمية.

وقد أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu بجلاء أنّه لا ينوي أن تعود إسرائيل إلى حدودها هذه المرّة.

بيد أنّ Rubio وسائر أركان المنظومة الإمبريالية في واشنطن يُواصلون بكلّ ارتياحٍ الإشراف على مسرحيةٍ هزلية تتشدّق بـ«سيادة» لبنان، فيما يتعمّق الاحتلال على أرض الواقع.

«المناطق التجريبية»

تتمحور هذه المهزلة حول مفهوم «المناطق التجريبية»: وهي مناطق تتولّى فيها القوات المسلّحة اللبنانية، وفق الاتفاقية، «السيطرة الحصرية على الأرض باستثناء جميع الجهات غير الحكومية»، مع انسحاب القوات الإسرائيلية.

أشارت التقارير الأولى إلى أنّ منطقتين تجريبيتين صغيرتين في مواقع غير محدّدة ستُطلقان هذه التجربة العبثية التي تمنح في جوهرها جيشَ احتلالٍ إبادياً حقَّ البتّ في «سيادة» الدولة التي قتل فيها أكثر من 4,000 شخص في غضون أشهر، فضلاً عن محوه التامّ لعددٍ من قرى جنوب لبنان عن وجه الأرض.

انطلق مشروع المناطق التجريبية فعلياً في أواخر يوليو في ثلاث قرى: فرون، وصريفا، وزوطر الغربية.

وبالمصادفة، لم تكن أيٌّ من هذه القرى الثلاث جزءاً من الرقعة الواسعة من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي وهو ما يُشكّك في الفرضية الأساسية المُعلنة لهذا الترتيب، وهي أن يُسلّم الجيش الإسرائيلي أراضيَ بالتزامن مع انسحابه.

ورغم وقوعها خارج نطاق الاحتلال الراهن، فقد عانت القرى الثلاث من دمارٍ هائل بمعنى أنّ إسرائيل تتفضّل بكرمٍ مزيّف بالسماح للجيش اللبناني بالسيطرة على قرى مُدمَّرة تكاد تكون غير صالحة للسكن، لا تزال تقع ضمن سياقٍ أشمل يُحكمه الاحتلال والخراب.

ويزيد المشهدَ تعقيداً أنّ الجيش الإسرائيلي فتح النار قرب القوات اللبنانية خلال انتشارها أي أنّ إسرائيل تعتدي على حلفائها المُفترضين في مسعى استعادة «سيادة» لبنان عبر نزع سلاح حزب الله، الذي يبقى الجهة الوحيدة القادرة فعلياً على صدّ الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.

تحميل حزب الله المسؤولية

نشرت وكالة Reuters في 29 يوليو تقريراً من زوطر الغربية بعنوان «الاختبار الأوّل للمناطق التجريبية المدعومة أمريكياً في جنوب لبنان يكشف صعوبات جمّة»، أشار فيه إلى أنّ المشروع «انطلق بوتيرةٍ بطيئة مؤلمة» وأنّه «لن يكون أيسر تطبيقاً في مواقع أخرى».

واعترف التقرير بأنّه «حتى بعد وقف إطلاق النار الشهر الماضي، ظلّت القوات الإسرائيلية في منطقة الاحتلال تُسوّي القرى بالأرض وتمنع النازحين من العودة».

ومع ذلك، وعلى النهج المعتاد للإعلام الغربي، جرى تحميل حزب الله المسؤولية عن كلّ شيء، إذ قسّم التقرير أقسامه الفرعية بعناوين من قبيل «حزب الله جرّ لبنان إلى حرب الشرق الأوسط» و«نزع سلاح حزب الله يبقى مفتاح الحلّ».

ولا ترى Reuters ضرورةً في أيّ موضع للإشارة إلى أنّه حين «جرّ» حزب الله لبنانَ إلى الحرب في وقتٍ سابق من هذا العام، كانت إسرائيل لا تحتلّ مواقع عدّة في الجنوب فحسب، بل كانت أيضاً تقصف وتقتل اللبنانيين بصورةٍ شبه يومية في انتهاكٍ صريح لهدنة نوفمبر 2024.

ولا يُذكر في هذا الإعلام أنّ وجود حزب الله ذاته ما هو إلّا نتيجة مباشرة لانتهاكات إسرائيل للسيادة اللبنانية، وفي مقدّمتها [الغزو الإجرامي عام 1982 الذي قتل فيه عشرات الآلاف من اللبنانيين.

والآن، إذ تُمنح اللبنانيون فرصةً لإثبات أنّهم «شركاء موثوقون» في الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية للمنطقة، فإنّ مشروع المناطق التجريبية يستحضر بقوّة نزعةَ الاستشراق الاستعلائي التي اتّسمت بها اتفاقيات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي حين مُنح الفلسطينيون فرصةً لتجربة شكلٍ من أشكال الحكم الذاتي الجزئي في ظلّ احتلالٍ مستمر.

وفي نهاية المطاف، تحوّل الحكم الذاتي الفلسطيني إلى ضبطٍ ذاتي للفلسطينيين لصالح إسرائيل وهو بالضبط ما تسعى إسرائيل إلى تكراره في لبنان.

يقول Marco Rubio إنّ الإطار الثلاثي «يُشيّد مساراً واقعياً للخروج من دوّامة الصراع اللانهائي». لكن طالما يتواصل التوسّع الإقليمي تحت غطاء «المناطق التجريبية»، فلا مسار واقعياً للخروج من الصراع ما دامت إسرائيل هي من تُمسك بزمام القرار.

أخبار ذات صلة

Loading...
مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يقف بجانب مركبة عسكرية في القامشلي، في سياق حل القوات واندماجها بالجيش السوري الرسمي.

الأكراد بين الأمل والحذر: حل قوات سوريا الديمقراطية والالتحاق بالجيش النظامي

في تحول تاريخي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حلّها واندماجها بالجيش الوطني، ما يفتح أفقاً جديداً لحقوق الأكراد ووحدة سوريا. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الحاسمة وتأثيرها على مستقبل المنطقة. اقرأ المزيد الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
وزير الخارجية البريطاني يتحدث في اجتماع رسمي وسط حضور نسائي، في سياق إدانة تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي عن العنف في غزة.

الحكومة البريطانية تدين تصريحات بن غفير "المشينة" حول قتل الفلسطينيين

تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي Itamar Ben Gvir التي تدعو إلى قتل فلسطينيين في غزة أثارت ردود فعل غاضبة من الحكومة البريطانية التي وصفتها بالبشعة والمُهينة للإنسانية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على السلام في المنطقة.
الشرق الأوسط
Loading...
علم تركيا وعلم إسرائيل يرفرفان فوق دبابة في سياق التوترات العسكرية بين البلدين حول قاعدة أبو الظهور في سوريا.

إسرائيل توجّه تحذيراً مبطّناً لتركيا عقب غارات على قواعد عسكرية بسوريا

تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا بعد الغارات على قاعدة أبو الظهور في سوريا، وسط اتهامات متبادلة وتصريحات حادة. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الإقليمي الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
لافتات انتخابية للقائمة العربية الموحدة في إسرائيل تحمل شعارات "صوت موحد" و"صوتك يغير المعادلة" استعداداً لانتخابات أكتوبر.

ثلاث أحزابٍ فلسطينية في إسرائيل تشكّل قائمةً موحّدة قبل الانتخابات

تعود الأحزاب الفلسطينية الثلاثة في إسرائيل بقائمة مشتركة قوية لمواجهة التحديات السياسية والتمثيل البرلماني. اكتشف كيف يمكن لهذا التحالف أن يغيّر المشهد الانتخابي ويصنع الفارق. تابع التفاصيل الآن!
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية