إفراط العنف في خطاب الإبادة الإسرائيلية
في مناقشة صادمة، يتحدث وزراء إسرائيليون عن إطلاق النار على الأطفال الفلسطينيين بعبارات تفتقر للإنسانية. تكشف هذه المحادثة عن نظام عنف مؤسسي يعزز الأيديولوجية الاستعمارية. كيف يمكن أن يصبح العنف جزءًا من الهوية؟

تحليل الحوار الإسرائيلي حول العنف ضد الفلسطينيين
يجسد الحوار التالي، الذي تم نقله من مناقشة في مجلس الوزراء الإسرائيلي حول فرض ما يسمى بالخط الأصفر وهو حدود داخل غزة تحدد المناطق التي تقول إسرائيل إنها ستسيطر عليها عسكريًا عقلية المشرفين على الإبادة الجماعية.
اللواء تامير ياداي، نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي: "عندما نرى مشتبهًا بالغًا، نطلق النار؛ وطفلًا مع حمار، نعتقله". إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي: "لماذا لا نطلق النار على طفل مع حمار؟ دافيد "دودي" أمسالم، وزير التعاون الإقليمي: "من يجب أن نطلق النار أولاً: الطفل أم الحمار؟"
هذه المحادثة التي تبدو صادمة، التي جرت في غرفة مجلس الوزراء حيث يتندر كبار المسؤولين عن إطلاق النار على الأطفال الفلسطينيين، متجردين من إنسانيتهم على حد سواء، ليست مجرد زلة لسان.
لتبرير عنف إسرائيل المستمر، لا بد من آلية عنصرية لتوفير الشرعية النفسية والسياسية. والسؤال في حد ذاته هو تمثيل لتلك الأيديولوجية العنصرية في أكثر أشكالها وقاحة وهي الأيديولوجية التي تساوي الفلسطينيين بالحيوانات.
وقد استُخدمت هذه اللغة منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث أشار العديد من القادة إلى الفلسطينيين على أنهم "حيوانات بشرية".
إنها نافذة على حضيض التجريد من الإنسانية: أسلوب لغوي لإضفاء الشرعية على العنف المؤسسي الذي لا يميز بين الإنسان والشيء الأمني، لأن الهدف هو "الإبادة والطرد والاستيطان".
عندما يتحدث الوزراء بهذه الطريقة، فإنهم لا يخاطبون شخصًا له قصة، بل يستحضرون صورة بلا وجه مقطوعة عن القصة والمكان.
هذه عملية يصبح فيها الشخص كائنًا لا قيمة له، وتصبح سلطة التجريد أعلى سلطة أخلاقية. اللغة تسبق الرصاصة وتمهد الطريق للمحو الكامل. إنها محادثة بين أولئك الذين لا يبدون إلا بشرًا.
أيديولوجية العنف وتبرير الإبادة
يحاول نائب رئيس الأركان أن يضع هذا العنف في إطار "الأوامر" و"القانون"، لكن هذه العبارات هي محاولة لإضفاء نظام مصطنع على نظام تم خرق حدوده منذ فترة طويلة. عندما ينضم الوزراء إلى هذا العنف، ينكشف القناع تمامًا: فالعنف ليس انحرافًا بل وسيلة أساسية لتأسيس رؤية أيديولوجية.
لا ينفصل هذا الحوار عن سياقه. فهو يأتي في أعقاب استشهاد عشرات الآلاف من الأطفال في غزة، بعد أشهر تم فيها حذف مفهوم "الطفل" من اللغة العسكرية والعامة الإسرائيلية.
المحو اللغوي وتأثيره على الهوية
ما قيل في قاعة مجلس الوزراء هو استمرار مباشر لما يجري على أرض الواقع بل يبدو كما لو أنه أمر مفروغ منه.
هذا هو ما يحدث عندما تدمر اللغة الناس، والأفعال تقضي على الحياة.
هذا العنف هو النتاج المنطقي لمنظومة استعمارية مغروسة في قلب جهاز الدولة وآلياتها الأمنية. الجيش الإسرائيلي، الذي يُنظر إليه كقوة "دفاعية"، هو في الواقع آلية الهيمنة المركزية للمشروع الاستيطاني.
الجيش الإسرائيلي كأداة استعمارية
فهو ليس مجرد حارس للمبادرات المدنية، بل هو بمثابة الذراع التنفيذي لتلك الأيديولوجية الاستعمارية الأساسية. وعندما تنعدم الحدود، تنعدم الأخلاق والدور.
يعكس الجندي والمستوطن الرؤية ذاتها في الحفاظ على القوة والسلب ومساحة التفوق العرقي والعسكري معًا.
وكنتيجة مباشرة لذلك، حوّل العنف في الأراضي المحتلة الوحشية إلى معيار مقبول، مما أدى إلى تشكيل طبيعة الخطاب والذهنية السياسية والهوية الإسرائيلية برمتها.
السياسيون في الصورة ليسوا استثناءات بل يمثلون مرحلة جديدة في تطور الرؤية الصهيونية. فالعنف لم يعد شيئًا يدعو للخجل، بل أصبح قيمة وطنية رمزًا للسيطرة التي تواصل تطوير هوية المجتمع في علاقته مع شريط من التفوق غير المقيد.
يعتمد المجتمع الإسرائيلي الآن على نظام دقيق من علاقات القوة ويتغير هذا النظام كلما اختل هذا التوازن.
لا يزال الإسرائيليون "المستنيرون" الذين يدعون إلى تغيير الأنظمة القمعية في المنطقة والعالم لتحرير الشعوب الأخرى غير قادرين على تحرير أنفسهم من نظامهم.
علامات الانهيار في النظام الإسرائيلي
فوجودهم، كما هو مبني على النظام العنيف نفسه، وليس على أي انتماء عضوي للأرض. فهي تتحدد بالقدرة على تجريد الآخرين منها.
إنها بدائية استعمارية في ثوب تنويري مجتمع عاجز عن التحرر من السلطة القمعية حتى وهو يحمل راية الحرية.
لكن التاريخ يُظهر أنه عندما يصل العنف الوحشي إلى ذروته، فإنه غالبًا ما يشير إلى بداية النهاية. إن العنف المتفجر والوحشي والمنفلت ليس علامة قوة بل علامة ضعف استراتيجي.
العنف كعلامة ضعف استراتيجي
عندما يصل نظام ما إلى مرحلة يكون فيها إرهابه علنيًا وصارخًا وبدون أقنعة، فإن ذلك علامة على أنه قد استنفد قواه. العنف الذي لم يعد بالإمكان التستر عليه أو تبريره يصبح أداة للبقاء في المرحلة الأخيرة من السيطرة.
في هذه المرحلة، يفقد النظام نسيج مكوناته الناعمة: لقد فقد السياسة، كما فقد سرديته الهشة في الخطاب العالمي، ولم يعد موجودًا إلا كقوة قهرية فوق أي رصيد إنساني أو سياسي.
شاهد ايضاً: من إيرلندا إلى غزة، تم تطبيع المجاعة
يصبح المشروع الذي يحمله ثقيلًا للغاية، وعلى وشك الانهيار.
ومع ذلك، بينما يمزح الوزراء في غرفة مجلس الوزراء حول "استراتيجية" قتل طفل وحمار معًا في غزة، في أقسى أيام المجاعة، تستمر الحياة في أعمال الرعاية الصغيرة.
الأمل في مواجهة المحو والإبادة
وفي مواجهة المحو والإبادة، لا يزال الأمل ينبت من بين الأنقاض في لحظات مثل مشاركة أحدهم علبة طعام محفوظ مع قطط ضالة.
شاهد ايضاً: إيران تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالاضطرابات بينما تقول طهران إن الاحتجاجات "تحت السيطرة"
تقف صورة الحنان هذه في تناقض صارخ مع الخريف الأصفر الذابل في مناقشة مجلس الوزراء، وهي مقدمة لشتاء يبدو الهروب منه مستحيلًا.
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة قد تقدم ما يصل إلى 2 مليار دولار لدبابات إسرائيلية

كيف ترى تركيا الاحتجاجات في إيران

ارتفعت أعمال العنف من المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بنسبة 25 في المئة
