وورلد برس عربي logo

مأساة الإخلاء في جنين وتهجير العائلات الفلسطينية

محمد رحّال وعائلته يواجهون التهجير مرةً أخرى بعد أن أجبرهم الجيش الإسرائيلي على مغادرة منزلهم الجديد. تصاعد عمليات الاستيلاء العسكري يهدد مستقبل الفلسطينيين في الضفة الغربية. كيف سيواجهون هذه القسوة الجديدة؟

جنود إسرائيليون يقتربون من منزل فلسطيني في جنين، مع وجود أسلحة، في سياق أوامر الإخلاء المتزايدة في الضفة الغربية.
جنود الجيش الإسرائيلي يتخذون مواقعهم في شرفة مبنى بينما يحيطون بآخر خلال عملية عسكرية في قباطية، جنوب جنين، في الضفة الغربية المحتلة، بتاريخ 19 سبتمبر 2024 (زين جعفر/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

محمد رحّال قضى سنةً ونصف السنة نازحاً بعد أن أجبره جيش الاحتلال الإسرائيلي على مغادرة منزله في مخيّم جنين بالضفة الغربية المحتلّة.

في نهاية المطاف، اشترى هذا الأب الفلسطيني منزلاً جديداً على أطراف المخيّم. وبعد أشهرٍ من العمل المضني في تجهيزه لعائلته الكبيرة، عاد الجنود الإسرائيليون يطرقون بابه من جديد.

هذه المرّة، أبلغوه بوجوب المغادرة لأنّ المنزل سيُستخدم نقطةً عسكرية لمدّة شهرين.

قال رحّال : "كنت أعمل أحياناً عشرين ساعة في اليوم لتجهيز المنزل. كنت أتطلّع إلى الاستقرار والهدوء بعد قسوة التهجير."

بات توظيف الجيش الإسرائيلي للمنازل المدنية مواقعَ عسكرية ظاهرةً متصاعدة في الضفة الغربية المحتلّة، وقد اشتدّت وتيرتها منذ أكتوبر 2023 مع تصعيد إسرائيل حملاتها العسكرية في أرجاء الأراضي المحتلّة.

في مطلع عام 2025، شنّ الجيش الإسرائيلي عمليةً عسكرية واسعة النطاق في جنين وطولكرم وطوباس، دمّرت مخيّمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية، حيث هُدمت المنازل وأُحرقت أو صادرها الجنود. وقد هُجِّر ما يقارب 40,000 فلسطيني، معظمهم من مخيّم جنين.

وجّهت منظمات حقوق الإنسان وخبراء دوليون اتّهاماتٍ لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية وتطهيرٍ عرقي في سياق هذا الهجوم على الضفة الغربية.

أمرٌ بالإخلاء

كان رحّال وعائلته من بين من اضطُرّوا إلى الفرار حين انطلقت العملية العسكرية في يناير 2025.

قال: "كانت عائلتي وإخوتي الخمسة وعائلاتهم يقطنون جميعاً في المبنى ذاته داخل المخيّم. حين بدأت العملية العسكرية، اضطررنا إلى الفرار لأنّ المبنى تضرّر وتهدّم جزئياً."

أمضت العائلة الأشهر الأربعة عشر التالية في سكن طلّابي تابع للجامعة العربية الأمريكية، وصفه رحّال بأنّه كان شاقّاً ومكتظّاً.

وبعزيمةٍ على إعادة بناء حياتهم، جمع رحّال وأبناؤه مواردهم لشراء منزلٍ في حيّ الجبريات المجاور المطلّ على المخيّم.

يقع المنزل على أطراف قطعة أرضٍ بمساحة سبعة دونمات صادرتها إسرائيل في مايو، رغم أنّها تقع ضمن المنطقة «أ» وفق اتفاقيات أوسلو، أي المنطقة الخاضعة رسمياً لإدارة السلطة الفلسطينية.

وبعد شهرين فحسب من الانتقال إليه، حضر الجنود الإسرائيليون إلى المنزل يوم الثلاثاء وأمروا رحّال بالمغادرة خلال عشر دقائق. وعقب نقاشٍ مع العائلة، مدّد الجنود المهلة حتى صباح الخميس.

قضى رحّال اليومين التاليين يُخرج بصورة متسرّعة الأثاث والمقتنيات التي أمضى أسابيع في شرائها وترتيبها.

الآن، لا يسعه سوى الانتظار حتى انتهاء الأمر العسكري في 23 أغسطس، على أملٍ في أن يُسمح له بالعودة. غير أنّ ما مرّت به عائلته يجعله يفتقر إلى الثقة بأنّ المنزل سيُعاد إليه كما وُعد.

قال: "حتى وإن كان الأمر لشهرين، فالاحتلال لا يمكن التنبّؤ بتصرّفاته. قد يمدّد الاستيلاء لفترةٍ أخرى، ثم أخرى، حتى يُصادر المنزل نهائياً."

لا مكان للذهاب إليه

في المنزل المجاور، تلقّت فداء أبو الهيجاء أمراً مماثلاً بإخلاء منزلها.

يعتقد السكّان أنّ الجيش الإسرائيلي يُعدّ لإقامة معسكرٍ عسكري على الأرض التي صادرها مؤخّراً بين المنازل، ويخشى كثيرون أن يتمدّد الاستيلاء ليطال الحيّ بأكمله.

يُطلّ منزل أبو الهيجاء على الأرض المصادرة، ممّا يُعزّز المخاوف من أنّ الوجود العسكري مقصودٌ به الاستمرار على المدى البعيد. وهي تقطن هناك مع أطفالها الثلاثة فيما يقبع زوجها في السجون الإسرائيلية منذ نحو أربع سنوات.

صدر أمرٌ مماثل بالإخلاء لمنزل صهرها عبد السلام، المسجون هو الآخر منذ أكثر من أربع سنوات، وعلى عائلته المؤلّفة من أربعة أفراد المغادرة أيضاً.

قالت أبو الهيجاء إنّه حتى قبل هذا الأمر الأخير، كان الجنود يداهمون المنزل بصورة متكرّرة خلال الهجوم على جنين، ممّا أرهب أطفالها وتسبّب في أضرارٍ طالت غرف المنزل، وبات كثيرٌ من الأثاث غير صالحٍ للاستخدام.

قالت: "كنت أضطرّ أحياناً إلى الرجوع في منتصف الطريق من العمل لأنّ الجنود في كلّ مكان. كنت أعرف أنّهم لن يتركوني وشأني."

بيد أنّ أمر الإخلاء الرسمي يمثّل تصعيداً من نوعٍ جديد، وقد أذكى المخاوف من أن يتحوّل الاستيلاء إلى واقعٍ دائم.

ومع تدمير منزل عائلة زوجها داخل مخيّم جنين، قالت أبو الهيجاء إنّه لا مكان آخر تلجأ إليه.

و تابعت في حديثها بينما كان عمّالٌ يُخرجون الأثاث مسرعين من منزلها، أفادت بأنّها باتت تبحث عن شقّةٍ للإيجار في محاولةٍ لإنقاذ ما تبقّى من حياة عائلتها.

قالت: "الأثاث مكدّسٌ في الخارج لأنّني أريد إنقاذه قبل أن يُدمَّر. نعيش هذا الوضع المأساوي منذ أكثر من سنة."

«مدينةٌ أشباح»

يُطلّ حيّ الجبريات على مخيّم جنين للاجئين، ممّا يجعله ذا قيمةٍ استراتيجية للقوات الإسرائيلية وعرضةً متزايدة لمصادرة المنازل.

معتصم إستيتي يقطن بالقرب من هناك ويخشى أن يكون منزله التالي على القائمة. أمضت عائلته أكثر من عامٍ نازحةً بعد أن احتلّ الجنود منزلهم خلال الهجوم على المخيّم، ثم عاد في محاولةٍ لحمايته.

قال: "منذ عدنا، نشعر كأنّنا نعيش في مدينة أشباح. كلّ ما نسمعه هو أصوات المركبات العسكرية. كان هذا حيّاً نابضاً بالحياة. الآن بات شبه مهجور."

وحرصاً على سلامة أطفاله، نادراً ما يسمح إستيتي لهم بمغادرة المنزل وحدهم. كما أغلق الجيش الطريق الرئيسية بالأسلاك الشائكة، مُجبراً السكّان على سلوك طريقٍ وعرةٍ بديلة.

قال: "نعرف أنّ البقاء هنا خطرٌ، لكنّنا نريد حماية منازلنا حتى اللحظة الأخيرة. لا نعرف ما الذي ينتظر أطفالنا ونحن بعد قرار مصادرة الأرض القريبة منّا."

أفاد محمد جرّار، رئيس بلدية جنين، بأنّ الجبريات من أكبر أحياء المدينة، ويسكنه نحو 10,000 فلسطيني. ونظراً لأنّ أجزاءً من الحيّ تُطلّ على المخيّم، تصاعدت وتيرة مصادرة المنازل فيه، إذ أُجبرت ما لا تقلّ عن 15 عائلةً في الجبريات على مغادرة منازلها منذ بدء الهجوم.

وأشار جرّار إلى أنّ القيود الإسرائيلية حالت دون وصول طواقم البلدية إلى بعض الأحياء المحيطة بالمخيّم لتقديم الخدمات الأساسية للعائلات التي لا تزال تقطن هناك. وفي إحدى المناطق، قال إنّ أنبوب صرفٍ صحّي تالفاً أغرق الشوارع وخلق خطراً صحّياً، دون أن يتمكّن عمّال البلدية من الوصول إلى الموقع.

قال جرّار : "نخشى أن يتحوّل تهجير هذه العائلات إلى واقعٍ دائم. يبدو أنّ الاحتلال مصمّمٌ على تهجير أكبر عددٍ ممكن من السكّان من الأحياء المحيطة بالمخيّم."

وبحسب البلدية، بلغ عدد العائلات المهجّرة من أحياء مدينة جنين نحو 800 عائلة، دون احتساب المخيّم نفسه.

أضاف جرّار: "حتى من يبقى منهم يتعرّض للضغط عبر حرمانه من الخدمات. الهدف هو جعل الحياة شديدة القسوة لدرجة تدفع الناس إلى المغادرة من تلقاء أنفسهم."

أخبار ذات صلة

Loading...
نساء يرتدين البرقع في صف انتظار، بينما يقف جندي مسلح أمامهن، في سياق القيود المفروضة على النساء في أفغانستان.

منظمة أطباء بلا حدود: تم احتجاز مسعفة في أفغانستان لانتهاك قواعد اللباس

في أفغانستان، حيث تفرض طالبان قيودًا صارمة على النساء، اعتُقلت مسعفة بسبب عدم ارتدائها غطاء الوجه. هذه الحادثة تكشف عن التحديات التي تواجهها المرأة في الحصول على الرعاية الصحية. اكتشف المزيد عن هذه الأوضاع.
حقوق الإنسان
Loading...
امرأة تسير في أرض جرداء بالقرب من مراكز الترحيل في قبرص، وسط تدخين في الخلفية، مما يبرز قضايا الهجرة واللجوء في الاتحاد الأوروبي.

الاتحاد الأوروبي يضمن حقوق المهاجرين في مراكز العودة بدول ثالثة

تتجه أنظار العالم إلى قبرص حيث يناقش الاتحاد الأوروبي إنشاء مراكز الترحيل، مما يثير تساؤلات حول حقوق اللاجئين. كيف ستؤثر هذه الخطوة على مستقبل الهجرة؟ تابعنا لمعرفة التفاصيل!
حقوق الإنسان
Loading...
منظر جوي لجمهورية أفريقيا الوسطى يظهر المنازل والطرق في منطقة ريفية، مع تربة حمراء وأشجار، في سياق ترحيل المهاجرين إلى هذه الدولة.

امرأة إيرانية ضمن مهاجرين تُرحّلهم الولايات المتحدة إلى جمهورية أفريقيا الوسطى

في ظل تصاعد التوترات السياسية، تُرحّل إدارة ترامب مهاجرين من دول مثل إيران وأفغانستان إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، مما يثير قلقاً دولياً. اكتشف كيف تؤثر هذه السياسات على حياة المهاجرين، وتابع تفاصيل القصة المثيرة.
حقوق الإنسان
Loading...
محامي يتحدث للصحفيين خارج المحكمة بعد صدور حكم بالإعدام على اثنين من أبناء أقلية الإيغور بتهمة التفجير في بانكوك عام 2015.

محكمة تايلاندية تحكم بالإعدام على أويغوريين في قضية تفجير بانكوك 2015

في حكم صادم، أصدرت محكمة تايلاندية حكماً بالإعدام على اثنين من الإيغور بتهمة تنفيذ تفجير بانكوك عام 2015. هل يمكن أن تكون هذه القضية مجرد بداية لمأساة أكبر؟ تابعونا لاكتشاف التفاصيل وراء هذا الحكم.
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية