وورلد برس عربي logo

مجاعة غزة بين الإنكار والسياسة المتعمدة

تُظهر دراسة جديدة أن المجاعة في غزة كانت نتيجة سياسة متعمدة، مع إنكار واسع من الحكومة الإسرائيلية. تكشف الدراسة عن تأثير القيود المفروضة على المساعدات، مما زاد من معاناة الفلسطينيين. اكتشف التفاصيل المهمة حول هذه الأزمة.

تظهر الصورة شخصًا يوزع الطعام من وعاء كبير على مجموعة من الأطفال والبالغين في غزة، وسط أجواء من الضباب والدخان، مما يعكس أزمة التجويع المستمرة.
يتلقى الأطفال الفلسطينيون النازحون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين في وسط قطاع غزة بتاريخ 13 أبريل 2026 (إياد بابا/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تُحدّد دراسةٌ إسرائيلية حديثة أن المجاعة في غزة كانت نتاج سياسة مدروسة ومقصودة، وذلك على الرغم من الإنكار المتواصل الذي أبدته الحكومة الإسرائيلية وجزءٌ كبير من وسائل الإعلام.

الدراسة، التي تحمل عنوان Data for Denial: The Smokescreen Behind the Starvation of Gaza، نشرها الشهر الماضي المنتدى للتفكير الإقليمي التابع لمعهد Van Leer في القدس.

مؤلّفها شموئيل ليدرمان، باحثٌ إسرائيلي متخصّص في دراسات الإبادة الجماعية، أوضح أن الدافع وراء بحثه كان ما وصفه بالإنكار الواسع الانتشار داخل إسرائيل إزاء ملف التجويع في غزة، خلال سنتَي الإبادة الجماعية التي انطلقت في أكتوبر 2023.

وأشار ليدرمان إلى أن هذا الإنكار الشعبي كان متوقّعاً، مستحضراً مقارناتٍ مع حالات تاريخية لأعمال العنف الجماعي. وقال: «ثمّة نهمٌ نحو الإنكار»، إذ يسعى كثيرٌ من الإسرائيليين إلى تصوير تصرّفات الجيش في غزة وسواها باعتبارها مبرَّرة تماماً ولا إشكال فيها.

وكان تقريرٌ نشره موقع Walla الإخباري الإسرائيلي في أغسطس 2025 قد خلص هو الآخر إلى أن الإنكار أو التهوين من أزمة التجويع في غزة ظاهرةٌ منتشرة على نطاق واسع في القنوات التلفزيونية الرئيسية.

وبحسب الدراسة، كانت التحذيرات الدولية تُردّ باستمرار أو تُعاد صياغتها لتنسجم مع الروايات الرسمية الإسرائيلية. واعترف بعض المعلّقين بوجود مجاعة في منتصف عام 2025 فحسب، عازين إياها إلى أخطاء حسابٍ معزولة لا إلى قرارات سياسية أشمل.

ويرى ليدرمان في بحثه أن هذه التفسيرات تتجاهل مبدأً محورياً في دراسات المجاعة، وهو أن التجويع لا يُقاس بمجرّد توافر الغذاء، بل بمدى قدرة الناس على الوصول إليه.

وتُوثّق الدراسة كيف أسهمت القيود المفروضة على المساعدات والوقود وغاز الطهي، إلى جانب تدمير البنية التحتية الأساسية كالمخابز وتعطيل العمليات الإنسانية، في تقليص قدرة الفلسطينيين على الحصول على الغذاء تقليصاً حاداً.

وتخلص الدراسة إلى أن التجويع في غزة جاء نتيجة «تخطيطٍ متعمَّد وتجريبٍ ومناورةٍ حول الخطّ الأحمر الإنساني»، بهدف إدارة الضغط الدولي على إسرائيل في خضمّ الحرب.

عدد الشاحنات

طوال فترة الحرب على غزة، تحوّل عدد الشاحنات المحمَّلة بالغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية إلى محور نقاشٍ عام مركزي حول ملف التجويع، وفق ما يُبيّنه تقرير ليدرمان.

وادّعى جهاز الإدارة المدنية الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة (Cogat) في أغسطس 2025 أن دخول 80 شاحنة مساعدات يومياً كافٍ لتلبية احتياجات سكّان غزة، وهو تقييمٌ ردّده باحثون وصحفيون إسرائيليون كثيرون.

غير أن منظمات حقوق الإنسان و وكالات الأمم المتحدة وحتى إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن اختلفت مع هذه الأرقام؛ إذ قدّرت إدارة بايدن أن ما يقارب 250 شاحنة يومياً هو الحدّ الأدنى المطلوب، فيما رفعت المنظمات الدولية هذا الرقم إلى ما بين 500 و600 شاحنة.

والمفارقة أن Cogat نفسه سبق أن أورد تقديراتٍ أعلى بكثير؛ ففي عام 2008، أفاد بأن غزة التي كان عدد سكّانها آنذاك نحو 1.5 مليون نسمة تحتاج إلى 178 شاحنة يومياً لتلبية الاحتياجات الأساسية.

وفي الشهر الماضي، نقلت صحيفة Israel Hayom أن Cogat حثّ الحكومة على خفض عدد شاحنات المساعدات الداخلة إلى غزة عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، إلى 250 شاحنة، مؤكّداً أن هذا المستوى كافٍ لتلبية المتطلّبات الإنسانية الأساسية.

وعلّق ليدرمان على هذه التصريحات قائلاً : «هذا في الواقع اعترافٌ بوقوع التجويع»، في إشارةٍ إلى تصريحات Cogat الأخيرة التي صدرت بعد نشر تقريره.

ويُجادل تقرير ليدرمان بأن تجويع غزة بدأ منذ الأيام الأولى للحرب في أكتوبر 2023، وحتى مارس 2024 لم تسمح إسرائيل إلا بدخول جزءٍ ضئيل من العدد الموصى به من شاحنات المساعدات، ما أسهم في تعميق الأزمة الغذائية. وأشارت وكالات أممية ومنظمات حقوقية وشهاداتٌ فلسطينية إلى شحٍّ حادّ في الغذاء، طال النساء والأطفال بصورة غير متناسبة.

في مايو 2024، وإثر ضغطٍ أمريكي في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على رفح، سمحت إسرائيل بدخول عددٍ أكبر من الشاحنات التجارية إلى غزة، بينما واصلت تضييقها على قوافل المساعدات الإنسانية في الوقت ذاته.

وكشف Walla الشهر الماضي أن 11 سلسلة سوبرماركت إسرائيلية حقّقت إيراداتٍ بمئات الملايين من الشواكل بعد فوزها بعطاءٍ حصري لتوريد الغذاء والمساعدات إلى غزة.

ورأى ليدرمان أن خصخصة توزيع المساعدات أسهمت في «تكوين احتكارٍ يُتيح تحقيق أرباحٍ طائلة»، مضيفاً أن ذلك «أسوأ الأوضاع الإنسانية في غزة»، إذ مكّن عدداً محدوداً من الأطراف من الاستفادة «في الغالب بالتنسيق مع إسرائيل، في حين يعاني الغالبية العظمى من السكّان».

التجويع أداةً للحرب

وعلى الرغم من الانفراج المؤقّت الذي أعقب الضغط الأمريكي، عادت إسرائيل في أكتوبر 2024 إلى تقليص إمدادات المساعدات إلى أدنى مستوياتها. وبعد أشهرٍ قليلة، في مارس 2025، فرضت حصاراً كاملاً على دخول الغذاء والمساعدات الإنسانية، دافعةً غزة نحو أوضاع مجاعةٍ قصوى.

وبحلول أغسطس، أعلنت منظومة تصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكامل (IPC)، وهي المنظومة الأممية لرصد الجوع على المستوى العالمي، عن وقوع مجاعةٍ رسمية في مدينة غزة.

وبحسب التقرير، بينما كانت إسرائيل تُعلن رسمياً رفضها للتقديرات الدولية لاحتياجات غزة، كان Cogat يُحذّر الحكومة الإسرائيلية داخلياً طوال عام 2025 من أن القطاع على شفير أزمة مجاعة.

بيد أن دراسة ليدرمان تُجادل بأن الحكومة الإسرائيلية سعت إلى تحقيق هدفٍ استراتيجي واضح، هو أن أساليب التجويع وُظِّفت لدفع الفلسطينيين نحو التهجير جنوباً، ثم نحو دولٍ ثالثة في نهاية المطاف، انسجاماً مع خطّة «الهجرة الطوعية» التي تبنّاها كلٌّ من الحكومة الإسرائيلية والرئيس الأمريكي Donald Trump.

ويستشهد التقرير بتأسيس مؤسسة Gaza Humanitarian Foundation (GHF) المدعومة أمريكياً وإسرائيلياً دليلاً على هذا التوجّه. ويُصرّح التقرير: «الحرمان الشديد من الغذاء في غزة الذي يُرغم أهلها على التوجّه نحو مراكز توزيع المساعدات لم يكن خطأً، بل كان جزءاً من الخطّة».

«هندسة التجويع»

يذهب تقرير ليدرمان إلى أن قطاع غزة استُخدم من قِبَل إسرائيل بوصفه نوعاً من المختبر، بتداعياتٍ تتخطّى حدود القطاع بكثير.

ويقول التقرير: «على مدار السنوات الاثنتَي عشرة الأخيرة، أدّت غزة إلى حدٍّ بعيد دور مختبر التجريب، ليس فقط لأساليب الحرب، بل أيضاً لهندسة التجويع وإدارة السكّان عبر الحرمان».

و وفق الدراسة، سيظلّ الإسرائيليون والفلسطينيون والمجتمع الدولي يتعاملون لسنواتٍ مع تداعيات حملة التجويع الإسرائيلية في غزة، لا سيّما في ما يتعلّق بالقانون الدولي والنظام العالمي.

وفي حين شهدت نزاعاتٌ أخرى في السنوات الأخيرة توظيف التجويع سلاحاً حربياً، يرى التقرير أن «قليلاً من الحالات، إن وُجدت أصلاً، قوّضت هذا المعيار بالعمق الذي قوّضه التجويع الإسرائيلي المنهجي والمُدار بدقّة والمرئي للعيان في غزة».

وعلى امتداد التقرير، يُشدّد ليدرمان على الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في عهد إدارتَي Biden وTrump، فضلاً عن حكوماتٍ غربية أخرى، في تمكين إسرائيل من المضيّ في سياساتها، مُجادلاً بأنها تتحمّل مسؤولية الإبقاء على هذه السياسة.

وحذّر ليدرمان في حديثه قائلاً: «كلّ هذا لن يبقى حبيس غزة»، مُنبّهاً إلى أن ما فعلته إسرائيل «سينتشر إلى أماكن أخرى حول العالم»، حين تتبنّى دولٌ أو أطرافٌ أخرى أساليب مماثلة في الحرب. وأضاف أن من يفعل ذلك قد يجد نفسه «في مأمنٍ من النقد بسبب اتّهامات النفاق».

وختم ليدرمان بالقول: «ما فعلته إسرائيل في غزة لن يبقى هناك، وهو في الواقع لم يبقَ هناك أصلاً. لذا، فهذا ليس نضالاً ضدّ ما فعلته إسرائيل بالفلسطينيين في غزة فحسب، بل هو نضالٌ عالمي ضدّ هذا النوع من الأفعال».

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يُصلي في ساحة المسجد الأقصى، مع قبة الصخرة الذهبية في الخلفية، وسط تجمع حشود من المصلين.

الدول الإسلامية الثماني تستنكر انتهاكات إسرائيل للمسجد الأقصى

تحت وطأة الاقتحامات المتزايدة للمستوطنين الإسرائيليين، أصدرت دول عربية بارزة بياناً قوياً يدين هذه الانتهاكات ويطالب بالاعتراف بالوصاية الأردنية على المسجد الأقصى. تابعوا معنا تفاصيل هذا التطور المهم.
الشرق الأوسط
Loading...
طفل يحمل حقيبة في منطقة مدمرة بغزة، وسط الدمار والدخان، مع بقايا المباني المحطمة خلفه، يعكس معاناة المدنيين خلال النزاع.

غزة في العيد: مجزرة وهدنة على الورق فقط

بينما احتفل المسلمون بعيد الأضحى، كانت غزة تعيش واقعًا مؤلمًا من الحزن والدمار. هل ستستمر هذه المآسي في ظل الصمت الدولي؟ اكتشفوا المزيد عن معاناة الفلسطينيين في هذا المقال المؤثر.
الشرق الأوسط
Loading...
القدس القديمة تظهر في الغروب، مع قبة الصخرة البارزة في المقدمة، محاطة بمباني حديثة، تعكس الصراع بين التاريخ والحداثة.

اللحظة الحرجة للأقصى: هل يتحرّك العالم الإسلامي؟

تتسارع الأحداث في القدس، حيث تنسق الولايات المتحدة وإسرائيل لإنهاء الوصاية الأردنية على الأقصى، مما يهدد الهوية الإسلامية في المدينة. هل ستستيقظ الأمة قبل فوات الأوان؟ تابعوا التفاصيل في مقالنا الشيق.
الشرق الأوسط
Loading...
مستوطِنون إسرائيليون يحملون الأعلام الإسرائيلية في المسجد الأقصى، مع قبة الصخرة في الخلفية، خلال اقتحامٍ مثير للجدل.

اقتحام إسرائيلي للأقصى: الترنّم بالنشيد الوطني داخل المسجد

اقتحام المسجد الأقصى من قبل المتطرفين الإسرائيليين أثار قلقاً متزايداً حول انتهاكات حقوق المسلمين. هل ستستمر هذه السياسة الممنهجة في تقويض الوضع التاريخي؟ تابعوا معنا لتفاصيل أكثر حول هذا الموضوع الحساس.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية