وورلد برس عربي logo

إيران تعيد تشكيل معادلة القوة في الخليج

تغيرت معادلة القوى في الشرق الأوسط بعد الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، حيث عززت إيران استراتيجيتها الدفاعية وأظهرت قدرتها على التأثير الإقليمي. كيف ستؤثر هذه التطورات على الأمن والاستثمار في الخليج؟ اكتشف المزيد.

جدارية ضخمة في طهران تظهر مجموعة من الأشخاص يرتدون ملابس حمراء، يرفعون الأعلام الإيرانية ويعبرون عن التضامن الوطني وسط أجواء احتفالية.
لافتة تُظهر صواريخ تُطلق خلف إيرانيين يتظاهرون تضامنًا مع الحكومة، في ساحة ولي عصر في طهران بتاريخ 6 أبريل 2026 (أتا كيناري/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

أعادَت الحرب الدائرة بين إيران والتحالف الإسرائيلي-الأمريكي التي اندلعت في فبراير بهجومٍ مشترك رسمَ خارطة الردع الإقليمي من جديد. فقد جمعت طهران بين استراتيجيتها في الردع العابر للحدود وعقيدتها الدفاعية الداخلية، مستندةً إلى رصيدٍ لم تكن تُقدّر حجمه كاملاً قبل اندلاع المواجهة.

وقد أسهم التضامن الوطني والاجتماعي الذي تشكّل عقب اندلاع الحرب وهو تعبيرٌ صريح عن رفض التدخّل الأجنبي في منح الدولة الإيرانية ميزةً استراتيجية حقيقية، وضعت التفوّق التكنولوجي العسكري للمعتدين أمام معادلةٍ لم يحسبوا حسابها. اليوم، لا تبدأ خطوط الدفاع عند الحدود، بل تنبثق من العمق الإيراني لتمتدّ عبر المنطقة بأسرها.

من الردع الهجومي إلى الدفاع عن الوطن

قبل هذه الحرب، وقبل حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، كانت استراتيجية إيران في الردع تقوم أساساً على نهج «الدفاع الهجومي»، أي شبكة من الحلفاء والأذرع خارج حدودها الوطنية: «محور المقاومة» الممتدّ عبر لبنان وسوريا والعراق واليمن.

غير أنّ الحرب الأمريكية-الإسرائيلية كشفت لإيران أنّ في جعبتها أوراقاً أكثر ممّا كانت تتصوّر؛ إذ إنّ قدرتها على فرض سيطرةٍ كاملة على مضيق هرمز وبالتالي على جزءٍ كبير من إمدادات النفط العالمية تمثّل ورقةَ ضغطٍ هائلة لا يمكن تجاهلها.

وهكذا دفعت الحرب إيران إلى إعادة تقدير أهمية موقعها الجغرافي وثقلها الجيوسياسي. فبتوسيع رقعة المواجهة إقليمياً وضرب الأصول الأمريكية في الخليج، أبرزت طهران هشاشة الاقتصاد العالمي أمام أيّ اضطرابٍ في هذا الممر الحيوي.

تجمع استراتيجية إيران اليوم بين الدفاع الإقليمي والدفاع الأمامي الخارجي، لكنّها تختلف عمّا كانت عليه في الماضي: الطبقة الأولى من الردع تبدأ في الداخل، فيما تأتي الطبقة الثانية التكميلية من دعم القوى الحليفة في المنطقة عند الحاجة.

الدفاع الذاتي يُعيد تشكيل المشهد الإقليمي

الردع الداخلي الفعّال الذي أبدته إيران شجّع حلفاءها على استعادة قدراتهم العملياتية ومواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد حرص الغرب وحلفاؤه الإقليميون لسنواتٍ على ترسيخ صورةٍ مفادها أنّ دول «محور المقاومة» ليست سوى أدواتٍ في يد طهران تُحرّكها لخدمة مصالحها القومية. لكنّ الدفاع الذاتي الإيراني في هذه الحرب، إلى جانب دعمها لحزب الله في سياق مفاوضات وقف إطلاق النار الجارية بين إسرائيل ولبنان، أثبت عمق التقدير الإيراني الحقيقي لحلفائها الإقليميين.

وتجلّى ذلك بوضوحٍ يوم الاثنين، حين هدّدت إيران بالانسحاب من مفاوضات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة إذا أقدمت إسرائيل على ضرب بيروت وضاحيتها الجنوبية، مؤكّدةً أنّ أيّ اتفاقٍ يجب أن يشمل جميع الجبهات.

هذا الواقع «رفع مستوى» إيران فعلياً، ومنح دورها الإقليمي بُعداً عالمياً لم يكن حاضراً بهذا الوضوح من قبل. وفي الوقت ذاته، تبرز تساؤلاتٌ جديدة حول الجدوى الحقيقية من استضافة دول الخليج لقواعد عسكرية أمريكية على أراضيها.

أمّا موقع إسرائيل في معادلة القوى الإقليمية فقد تبدّل هو الآخر. قبل الحرب، وفي أعقاب السابع من أكتوبر 2023 تحديداً، كانت تل أبيب تسعى لأن تتربّع على عرش الهيمنة الإقليمية، وكانت هجماتها العشوائية على دول الجوار تمضي دون حسابٍ يُذكر، محميّةً بغطاءٍ غربي واسع. بيد أنّ المقاومة العسكرية الإيرانية وصمودها الاقتصادي وضعا عقبةً كبرى أمام هذا المسار، حتى يمكن القول إنّ إيران، لا إسرائيل، هي من خرجت من هذه المواجهة بمكانةٍ أقرب إلى القوة الإقليمية الكبرى.

إعادة رسم منظومة الأمن الجماعي في الخليج

كشفت الحرب أيضاً عن تصدّعٍ في المفاهيم التقليدية لـ«منظومة الأمن الجماعي» في الخليج. كان السائد قبل الحرب أنّ الاستقرار لا يتحقّق إلّا في إطار إرساء هذه المنظومة، لكنّ مجريات الحرب أظهرت تناقضاً جوهرياً في هذا التصوّر.

تواجه الدول العربية في المنطقة معضلةً أمنية جديدة: على الرغم من الأثمان الباهظة التي دفعتها على مرّ السنين لاستضافة القوات الأمريكية وتكديس الأسلحة، فإنّ الأمريكيين عجزوا عن ضمان أمنها حين أمطرت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية المنطقة. والسؤال الذي يطرحه أصحاب المصانع والمستثمرون على حدٍّ سواء هو: ماذا يعني ذلك لمستقبل الاستثمار وسلاسل الإمداد في الخليج؟

تعمل دول الخليج الآن على إعادة موازنة علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة في آنٍ واحد، ما يجعل المعادلة السياسية-الأمنية الإقليمية رهينةً بما ستؤول إليه المواجهة بين طهران وواشنطن. وتميل هذه الدول بطبيعة الحال نحو دفع الطرفين إلى تسويةٍ مستدامة، تفادياً لمزيدٍ من زعزعة الاستقرار الإقليمي. وقد تجلّى ذلك بوضوح في مطالبات متكرّرة من قادةٍ عرب حثّوا الرئيس الأمريكي Donald Trump على قبول صفقةٍ سلام تتضمّن تنازلاتٍ لإيران.

ولعلّ هذه الحرب كانت ضروريةً في نهاية المطاف لتكشف عن الأوزان الحقيقية والقدرات الفعلية ومواقع جميع الأطراف في ميزان القوى الإقليمي. وقد أتاحت لإيران بالتأكيد أن تتعرّف على نقاط قوّتها العسكرية وحدودها الاستراتيجية معاً.

والأهمّ من ذلك أنّ هذا الصراع أزاح ثقل السياسة الخارجية الإيرانية في المدى القريب على الأقل من الملفّ النووي نحو أوراقها الجيوسياسية في استراتيجية الردع. وهذا تحوّلٌ لن تكون تداعياته على أسواق النفط والاستثمار والاستقرار الإقليمي بسيطةً أو عابرة.

أخبار ذات صلة

Loading...
مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يقف بجانب مركبة عسكرية في القامشلي، في سياق حل القوات واندماجها بالجيش السوري الرسمي.

الأكراد بين الأمل والحذر: حل قوات سوريا الديمقراطية والالتحاق بالجيش النظامي

في تحول تاريخي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حلّها واندماجها بالجيش الوطني، ما يفتح أفقاً جديداً لحقوق الأكراد ووحدة سوريا. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الحاسمة وتأثيرها على مستقبل المنطقة. اقرأ المزيد الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
رجال يحملون جثمان الصحفي الفلسطيني أحمد وشاح مرتدياً سترة الصحافة وسط حزن في جنازة بغزة بعد اغتياله بغارة إسرائيلية.

الصحفيون الفلسطينيون بين الواقع والحياد: هل يبقى الصمت خياراً؟

في ظل تصاعد العنف في غزة، يستمر استهداف الصحفيين الفلسطينيين، حيث استشهد على يد إسرائيل أكثر من 220 صحفياً خلال أقل من عامين. اكتشف تفاصيل هذه المأساة الإنسانية وتأثيرها على حرية الصحافة. اقرأ المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
امرأة فلسطينية ترتدي عباءة تقف على شرفة منزل محاصر في قصرة مع طفلين، تعكس معاناة الحصار ونقص الغذاء في الضفة الغربية.

الفلسطينيون المحاصرون بالمستوطنين: «نحن نموت جوعاً»

في ظل حصار خانق على منازل فلسطينية في قصرة، يعاني السكان نقصاً حاداً في الغذاء وسط تضييقات الجيش والمستوطنين. اكتشف تفاصيل الحصار وتأثيره على العائلات الفلسطينية واستمر في القراءة لمعرفة المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
وزير الخارجية البريطاني يتحدث في اجتماع رسمي وسط حضور نسائي، في سياق إدانة تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي عن العنف في غزة.

الحكومة البريطانية تدين تصريحات بن غفير "المشينة" حول قتل الفلسطينيين

تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي Itamar Ben Gvir التي تدعو إلى قتل فلسطينيين في غزة أثارت ردود فعل غاضبة من الحكومة البريطانية التي وصفتها بالبشعة والمُهينة للإنسانية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على السلام في المنطقة.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية