جبل إيمي كوسي أسرار بركان الصحراء الكبرى
في قلب الصحراء الكبرى يقبع جبل إيمي كوس البركاني الذي يحمل أسرار ماضي مناخي مختلف مع بحيرات مالحة وقنوات مائية قديمة تكشف كيف كانت الصحراء أكثر رطوبة وتغيرت إلى قسوتها الحالية اكتشف التفاصيل على وورلد برس عربي.

تحت شمسٍ لا ترحم، وفي واحدة من أشدّ بقاع الأرض جفافاً، يختبئ جبلٌ بركاني يحمل في طياته دليلاً صارخاً على أن الصحراء الكبرى لم تكن دائماً بهذه القسوة. جبل إيمي كوس، أعلى قمم الصحراء، يُخفي داخل فوهته قشرة ملحية بيضاء ساطعة، وحمماً بركانية عمرها ملايين السنين، ومجاري مياه دائمة الجريان وكأنّ الصخر نفسه يحتفظ بذاكرة مناخٍ مختلفٍ تماماً عمّا نراه اليوم.
جبلٌ من نار في قلب الصحراء
يقع إيمي كوسي، المعروف أيضاً باسم إيمي كوسو، ضمن كتلة تيبستي الجبلية التي تمتدّ على الحدود بين تشاد وليبيا. وهو بركان درعي فتاتي تصل قبّته إلى امتدادٍ يبلغ 69 كيلومتراً (43 ميلاً)، بينما تصعد قمّته إلى ارتفاع 3,415 متراً (11,204 قدم)، ما يجعله أعلى نقطة في الصحراء الكبرى بأسرها.
صُنّف البركان "خامداً" ، إذ لا توجد سجلّات تاريخية لأيّ ثوران فيه، بحسب بيانات برنامج البراكين العالمي التابع لمؤسسة سميثسونيان. لكنّ منحدراته المتدرّجة مغطّاة بحممٍ قديمة يُقدَّر عمرها بنحو مليونَي سنة، وهي شواهد على نشاطٍ بركاني هائل شهدته المنطقة في الماضي. وتصف مصادر مرصد الأرض التابع لناسا طبيعة هذه الحمم بأنها كانت على الأرجح منخفضة اللزوجة، أي أقرب في سيولتها إلى "زيت المحرّك منها إلى معجون الأسنان"، وهو ما يفسّر امتدادها الواسع فوق المنحدرات قبل أن تتصلّب.
قشرة بيضاء فوق فوهة قديمة
في قمّة الجبل، يمتدّ نظام كالديرا يبلغ اتساعه 15 كيلومتراً (9 أميال)، ويضمّ عدداً من الفوهات والمخاريط البركانية المتناثرة. وعند الطرف الجنوبي لهذه الكالديرا تقع فوهة إيرا كوهور ، التي تحتضن قشرة من الناترون يصل اتساعها إلى 1,000 متر (3,300 قدم).
يتألّف هذا الناترون من كربونات الصوديوم العشارية الماء، وبيكربونات الصوديوم، وكلوريد الصوديوم، وكبريتات الصوديوم وهو مزيجٌ ملحيّ تشكّل بعد أن جفّت بحيرة قديمة كانت تملأ الفوهة في زمنٍ سحيق. والملفت أنّ الثلوج نادراً ما تتساقط حول إيرا كوهور رغم الارتفاع، بينما تحافظ الأودية الضيقة والعميقة المجاورة على برودتها وتحتفظ غالباً بالماء السائل، في مفارقةٍ بيئية تعكس تبايناً حاداً داخل نطاقٍ جغرافي محدود.
جمجمة من الملح على بُعد 240 كيلومتراً
على مسافة 240 كيلومتراً (150 ميلاً) شمال غرب إيمي كوسي، تقع كالديرا أخرى تحمل اسم تروأو ناترون ، والمعروفة أيضاً باسم دون أوري . ما يميّز هذا الموقع أنّ ترسبات الناترون فيه تتوزّع بشكلٍ يُشبه، عند مشاهدته من الأعلى، جمجمة بشرية عملاقة، حيث يشكّل مخروطان بركانيان ما يبدو وكأنه تجويفا العينين.
يجاور تروأو ناترون بركان توسيدي ، الذي تغطّي سفوحه ألسنة من الحمم البركانية القديمة. وعلى الجانب الشمالي من إيمي كوسي نفسه، يقف مخروطان بركانيان آخران، فيما يظهر جزئياً هضبة تارسو أهون البركانية، تفصلها عن إيمي كوسي أوديةٌ ضيّقة عميقة.
حين كانت الصحراء أكثر مطراً بعشر مرّات
يتلقّى إقليم تيبستي اليوم كمّية أمطار لا تتجاوز 20 ملم (0.8 إنش) سنوياً، وهو رقمٌ يضع المنطقة ضمن أشدّ بقاع العالم جفافاً. ومع ذلك، تنتشر على سفوح إيمي كوسي قنواتٌ جافّة لمجاري مياه قديمة، إلى جانب وادِيَين عميقين يبلغ عمقهما 600 متر (2,000 قدم) و250 متراً (700 قدم) على التوالي، بينما تستمرّ مجارٍ مائية دائمة في الجريان شرق الجبل وغربه حتى اليوم.
المفارقة أنّ معدّلات الهطول المطري الحالية لا تكفي عملياً لنحت هذه القنوات الجافة العميقة، ما يشير إلى أنّ المنطقة عاشت فترة مناخية مختلفة جذرياً. وبالفعل، تُظهر السجلّات المناخية أنّ متوسط الهطول خلال منتصف الهولوسين العصر الجيولوجي الحالي الذي بدأ منذ نحو 11,700 عام عقب انتهاء العصر الجليدي الأخير كان يفوق المعدّلات الحالية بعشر مرّات على الأقلّ. هذه الفترة الأكثر رطوبة هي على الأرجح ما سمح بتشكّل البحيرة المالحة التي ملأت فوهة إيرا كوهور قبل أن تتبخّر تدريجياً وتترك خلفها القشرة الملحية التي نراها اليوم.
وفي إطار محاولة فهم هذا التحوّل المناخي بدقّة أكبر، قارنت دراسةٌ نُشرت عام 2025 بين البحيرتين القديمتين اللتين شغلتا موقعَي إيرا كوهور وتروأو ناترون، في محاولة لإعادة بناء تسلسل الأحداث المناخية التي حوّلت هذا الجزء من الصحراء من بيئةٍ مائية إلى أرضٍ قاحلة.
عين ناسا التي وثّقت الجبل منذ عقود
لم يكن اكتشاف هذه الملامح حديث العهد بالكامل؛ فقد التقط طاقم مهمة أبولو 7 التابعة لناسا صوراً لإيمي كوسي في أكتوبر 1968، في ما يُعدّ من أوائل الصور الجيولوجية المُلتقطة من الفضاء لهذا الموقع. ومنذ ذلك الحين، استمرّ توثيق ملامح مماثلة من المدار: من صورة حقل هاروج البركاني في ليبيا التي جُمعت من التقاط الأقمار الصناعية على مدى ثلاث سنوات، إلى صورة بركان أول دوينيو لنغاي في تنزانيا الملتقطة عام 2020، وصولاً إلى صورة عام 2023 لمجموعة الهضاب الثلاثية في موريتانيا، وهي بقايا تكوينٍ جيولوجي واحد يعود إلى العصر الباليوزوي.
هذه الصور، وإن بدت متفرّقة جغرافياً، تخدم غرضاً علمياً واحداً: قراءة تاريخ الأرض من فوق، وفهم كيف تركت المناخات القديمة بصماتها الملحية والمائية والبركانية على أراضٍ تبدو اليوم صامتة تماماً. وإيمي كوسي، بجبله المرتفع وقشرته الملحية وقنواته الجافة، يبقى من أوضح الأمثلة على أنّ الصحراء ليست، وربما لن تكون، ثابتة إلى الأبد.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
