ابتكارات تكنولوجية خضراء تغير حياة المستهلك الأوروبي
في معرض IFA ببرلين تكنولوجيا أكثر استدامة وأجهزة تستهلك طاقة أقل مع حلول ذكية لإطالة عمر الأجهزة وتقليل النفايات. اكتشف كيف تغير أوروبا عاداتها نحو بيئة أنظف وأجهزة أكثر كفاءة مع وورلد برس عربي.

ختمت برلين هذا الأسبوع نسخةً جديدة من معرض IFA، أكبر ظاهرة تكنولوجية في أوروبا، وكان اللافت هذه المرة ليس ما قيل صراحةً عن الاستدامة، بل ما تجلّى ضمنياً في كلّ ركن من أركان القاعات: أجهزة تستهلك طاقة أقل، مواد تُصنَّع بأثر بيئي أخف، وخدمات تُطيل عمر الأجهزة بدلاً من دفعك إلى استبدالها. الرسالة البيئية كانت أقل صخباً مما اعتادت عليه النسخ السابقة من المعرض، لكنّها كانت أعمق حضوراً في المنتجات نفسها.
من المطبخ إلى سقف المنزل: الكفاءة أولاً
لم يكن الأمر مجرّد شعارات خضراء معلّقة على الجدران. Bosch عرضت مجموعتها Green Collection التي تعِد بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في مواد الإنتاج بنسبة تصل إلى 50%، مع تصميم بمظهر أسود مطفأ يجمع بين الأناقة والوعي البيئي. Gorenje، الشركة السلوفينية التي تحتلّ المرتبة الرابعة بين أكبر مصنّعي الأجهزة المنزلية في أوروبا وتعمل تحت مظلّة Hisense، ركّزت على أفران البيتزا الكهربائية وألواح الطهي بالحث عالية الأداء بوصفها بدائل أكثر كفاءةً من الطهي بالغاز. والحقيقة أن هذا الاتجاه ليس طارئاً على ألمانيا؛ فألواح الحث باتت تتفوّق عدداً على مثيلاتها بالغاز أو المقاومة الكهربائية في معارض IFA، وهو مؤشّر على تحوّل حقيقي في عادات المستهلك الأوروبي.
على صعيد التدفئة والتبريد، كان مبرّد R290 البروبان نجم الموسم. Midea روّجت لاستخدامه في مضخّات الحرارة بوصفه بديلاً أكثر صداقةً للبيئة من المبرّدات التقليدية، وأوروبا تتبنّى هذا التحوّل بسرعة ملحوظة. شركة Chigo/iCongo ذهبت أبعد من ذلك، وادّعت أن مكيّفاتها التي تعمل بـR290 تحقّق توفيراً في الطاقة يبلغ 30% بفضل ما وصفته بـ"التعديلات الديناميكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي" وهو ادّعاء يستحقّ التدقيق قبل تصديقه، لأن مصطلح "الذكاء الاصطناعي" بات يُلصَق على كلّ شيء في المعارض التقنية. أما مضخّات الحرارة فهي أصلاً معيار راسخ في ألمانيا، لا ابتكار يُفاجئ أحداً.
في زاوية مختلفة، عرضت Eurom سخّانات منزلية تعمل بالأشعة تحت الحمراء ذات الموجات الطويلة، وميزتها أنّها تُدفئ المناطق المستهدفة مباشرةً لا الهواء المحيط كلّه، ما يعني استهلاكاً أقل حين لا تحتاج إلى تدفئة المنزل بأكمله.
البلاستيك المُعاد والمروحة التي تؤجّل المكيّف
ليس كل ابتكار بيئي يحتاج إلى تقنية معقّدة. REEDEE عرضت أفلام حماية للشاشات مصنوعة من بلاستيك TPU وPET مُعاد تدويره، وهو ما يبدو بسيطاً لكنّه ذو دلالة: كما يقول المراقب Larry Evans، "توفير مسارات لإعادة تدوير البلاستيك يُقلّل التلوّث ويُقلّص كمية البلاستيك المطلوبة من الأساس".
Gforest، وهي شركة صينية تحمل الاسم الكامل Ningbo Green Forest Electronic Technology، جاءت بفكرتين لافتتين: الأولى أجهزة لمعالجة بقايا الطعام المنزلي وتجفيفها لتصبح مادة صالحة للحدائق باستخدام سخّانات عالية الكفاءة. الثانية نموذج أوّلي لمروحة تبخيرية تُثبَّت على مراوح قائمة، وتؤجّل الحاجة إلى تشغيل المكيّف في الأجواء الحارة وهو حلّ ذكي لواقع أوروبي حقيقي، إذ لا تزال كثير من المنازل الأوروبية تفتقر إلى أجهزة تكييف رغم موجات الحرّ المتصاعدة. Evans علّق على هذه المروحة بقوله إنّها "وإن لم تكن بديلاً كاملاً عن التكييف، إلا أنّها توفّر راحةً ضرورية حين لا يكون التكييف متاحاً".
شركة Ferre كانت حاضرة أيضاً بتركيزها على مواد التغليف المُعاد تدويرها، وهو جانب يبقى بعيداً عن الأضواء رغم أهميته في سلسلة الإنتاج.
الإصلاح بديلاً عن الرمي
ربّما كانت Repartly من الحضور الأكثر هدوءاً والأعمق معنىً في المعرض. هذه الشركة الألمانية تقدّم خدمات إصلاح الإلكترونيات والأجهزة المنزلية داخل ألمانيا، في وقت تسود فيه ثقافة الاستبدال على الإصلاح. Evans يضع الأمر في سياقه الصحيح: "رغم أنّك لن ترغب في الإبقاء على جهاز غير كفء لفترة طويلة، فإن إصلاح الإلكترونيات بدلاً من رميها يُقلّص الطاقة المُجسَّدة اللازمة للتصنيع، ويُخفّف من تحدّيات إدارة النفايات".
هذه الفكرة تستحقّ التوقّف عندها: الطاقة المُستهلكة في تصنيع جهاز جديد استخراج المعادن، التصنيع، الشحن تُسمّى "الطاقة المُجسَّدة"، وهي تُهدَر كلياً حين نرمي الجهاز قبل أوانه. الإصلاح ليس مجرّد توفير للمال، بل هو قرار بيئي حقيقي.
السيارات الكهربائية والسؤال الأكبر
لم يكن IFA هذا العام حكراً على الأجهزة المنزلية. Volkswagen عرضت سيارتيها الكهربائيتين الجديدتين ID.Polo وID.Cross، فضلاً عن علامة دراجات كهربائية مرخّصة أتاحت للزوار تجربة قيادتها. وكانت XPENG وXiaomi حاضرتين أيضاً ضمن قطاع المركبات الكهربائية المتنامي في المعرض.
Evans يُلخّص روح المعرض بعبارة تستحقّ الاقتباس: "IFA، التي تعني الابتكار للجميع، تُثبت أن لكلٍّ منّا فرصة للتفاعل مع الابتكارات المستدامة، من خلال أعمالنا ومشترياتنا وطريقة عيشنا". لكن السؤال الذي يظلّ معلّقاً بعد انتهاء المعرض: هل تكفي هذه الابتكارات المتفرّقة مهما بدت واعدة لتُشكّل معاً منظومةً متماسكة تُجيب على أزمة المناخ، أم أنّها تبقى في نهاية المطاف منتجات تُباع في معرض، لا حلولاً تُغيّر بنية الاستهلاك؟
أخبار ذات صلة

تحذيرات صناعة الذكاء الاصطناعي من الكارثة: هل هي حقيقية أم تسويق؟

الذكاء الاصطناعي قد يُفجّر الإنترنت والاقتصاد.. تحذير من رئيس شركة عملاقة

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقضي علينا جميعاً؟
