بريطانيا ومسؤولية اللاجئين الفلسطينيين المستمرة
مرور 75 عاماً على اتفاقية اللاجئين يكشف استثناء الفلسطينيين من الحماية القانونية بسبب دور بريطانيا في تهجيرهم. مطالبة رسمية بالاعتراف بالخطأ والاعتذار لتعزيز العدالة وحماية حقوق ملايين اللاجئين عبر وورلد برس عربي.

مرّت 75 عاماً على اعتماد اتفاقية اللاجئين لعام 1951 في مؤتمرٍ للأمم المتحدة عُقد في جنيف يوم الثلاثاء 28 يوليو، وكانت بريطانيا من بين الدول التي تفاوضت على صياغتها وأسهمت في تشكيلها.
تطرح هذه الذكرى سؤالاً مباشراً أمام الحكومة البريطانية: هل واجهت يوماً دورها في إنشاء أطول أزمة لاجئين في التاريخ المعاصر؟
تحمل هذه المناسبة مفارقةً مثيرة للانزعاج. فتلك الاتفاقية ذاتها أفضت في نهاية المطاف إلى استثناء اللاجئين الفلسطينيين وهم الشعب الذي تشكّل تهجيره في جزءٍ كبير منه بفعل السياسة البريطانية من الحماية العادية التي توفّرها الاتفاقية، وذلك عبر نظامٍ قانوني موازٍ ومنفصل.
قضيتُ جزءاً كبيراً من مسيرتي في دراسة كيف شكّل القانون الدولي الواقع الفلسطيني، من جذور النزاع إلى حقوق اللاجئين.
ثمّة مبدأٌ يسري في كلّ ذلك: الالتزامات القانونية لا تسقط بمجرّد أن تصبح مُحرجة.
وهذا هو جوهر عريضة Britain Owes Palestine، وهي مذكّرة قانونية تقع في 400 صفحة شاركتُ في تأليفها، وتُقرّر أن بريطانيا تصرّفت بصورةٍ غير مشروعة في فلسطين بين عامَي 1917 و1948، وأن على المملكة المتحدة اليوم واجبٌ رسمي بالاعتراف بذلك السجلّ والاعتذار عنه.
فعبر وعد بلفور، تعهّدت بريطانيا بدعم إقامة وطنٍ قومي لشعبٍ على أرضٍ يقطنها شعبٌ آخر، دون الحصول على موافقة الأغلبية التي كانت تسكن تلك الأرض.
ولثلاثة عقود، حكمت بريطانيا في ظلّ التزاماتٍ متناقضة لا يمكن التوفيق بينها، فرسّخت الانقسام وأخمدت الحكم الذاتي الفلسطيني مستخدمةً أحياناً صلاحياتٍ استثنائية جعلت العقاب الجماعي مشروعاً من الناحية الشكلية، بينما أغلقت أبواب المحاكم أمام ضحاياه.
وفي عام 1948، انسحبت بريطانيا من حالة الفوضى التي صنعتها سياساتها بنفسها، تاركةً السكّان دون أيّ حماية. وما تلا ذلك كانت النكبة الكارثة التي فرّ فيها أو طُرد منها أكثر من 750,000 فلسطيني من بيوتهم.
ويبلغ عدد هؤلاء اللاجئين وذرّيّاتهم اليوم الملايين.
استثناءٌ "مؤقّت"
أرست اتفاقية اللاجئين إطاراً عالمياً لحماية اللاجئين، تُشرف عليه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
غير أن الفلسطينيين استُثنوا من هذا الإطار. إذ بحكم حصولهم على مساعداتٍ من وكالة الأونروا (UNRWA)، استبعدت المادة 1D من الاتفاقية تطبيقها عليهم طالما استمرّت تلك المساعدات. وقد صُمِّم هذا الاستثناء بوصفه ترتيباً مؤقّتاً، في انتظار حلٍّ سياسي كان يُفترض أنه وشيك.
بعد خمسةٍ وسبعين عاماً، لا يزال ذلك الترتيب "المؤقّت" يُحدّد الوضع القانوني للاجئ الفلسطيني.
تُقدّم الأونروا خدماتٍ حيوية، لكنّها لا تملك تفويضاً للسعي إلى الحلول الدائمة كالعودة الطوعية، أو الاندماج المحلي، أو إعادة التوطين التي تُتيحها المفوضية السامية لسائر شعوب اللاجئين.
وبما أن هذا الترتيب لم ينتهِ قطّ، فقد حُرم أجيالٌ متعاقبة من اللاجئين الفلسطينيين من الحمايات المكفولة لغيرهم.
واللاجئون الذين يرتبط تهجيرهم ارتباطاً مباشراً بالسياسة البريطانية هم أنفسهم الأقلّ حظّاً من الحماية في ظلّ النظام الذي أسهمت بريطانيا في بنائه.
وتُعدّ هذه الشذوذة القانونية (Legal Anomaly) غير المحسومة أحد الأسباب التي تجعل العريضة المرفوعة أمام الحكومة ذات أهميةٍ بالغة. فهي تطالب بالبحث في الأرشيفات غير المُفرَج عنها، وبردٍّ رسمي وشامل، والاعتراف بالأفعال غير المشروعة، وتقديم اعتذارٍ رسمي أمام البرلمان، والنظر الجدّي في التعويضات.
أشهرٌ من الصمت
دعا تحالفٌ من 45 عضواً في مجلسَي العموم واللوردات من مختلف الأحزاب رئيسَ الوزراء إلى الردّ. وبعد نحو 10 أشهر من تقديم العريضة، ورغم تولّي Andy Burnham رئاسة الوزراء خلفاً لـ Keir Starmer هذا الشهر، لم تُبدِ الحكومة أيّ تعليق.
ذلك الصمت له تكاليفه القانونية والأخلاقية معاً. كثيراً ما تستند بريطانيا إلى اتفاقية اللاجئين والقانون الدولي لانتقاد الدول الأخرى والدفاع عن سجلّها. غير أن مصداقية القانون تقوم على التطبيق المتّسق، بما في ذلك تطبيقه على الذات.
لا يمكن لبريطانيا أن تتبنّى بصدقٍ خطاب حماية اللاجئين بينما ترفض مواجهة دورها في إيجاد شعبٍ من اللاجئين مستثنًى من النظام الذي أسهمت هي في بنائه.
الدولة القادرة على فحص سجلّها بأمانةٍ وشجاعة هي الدولة التي يحمل كلامها في شأن القانون الدولي ثقلاً حقيقياً.
والاعتراف بالمسؤولية يمكن أن يتّخذ أشكالاً متعدّدة: اعتذارٌ أمام البرلمان، والاستثمار في تدريس تاريخٍ يكاد يغيب عن المناهج البريطانية.
والسوابق موجودة: فقد اعترفت بريطانيا من قبل بجرائم الحقبة الاستعمارية وسوّت مطالباتها، ولعلّ أبرز ذلك تسوية عام 2013 مع الضحايا الكينيين جرّاء الانتهاكات التي ارتُكبت إبّان انتفاضة ماو ماو (Mau Mau).
وُلدت اتفاقية اللاجئين من قناعةٍ راسخة بأن التهجير يستوجب المسؤولية. لا تطلب العريضة من بريطانيا أكثر من تطبيق مبادئها الخاصة بصورةٍ متّسقة.
بعد خمسةٍ وسبعين عاماً من اعتماد اتفاقية اللاجئين، تنتظر فلسطين من بريطانيا جواباً.
أخبار ذات صلة

طالبان تعتقل موظفَيْ بعثة الأمم المتحدة السياسية في أفغانستان

الجيش الأميركي يعترف بمقتل 153 مدنياً في غارات اليمن

مجموعات حقوق أمريكية تقاضي إدارة ترامب على عقوباتها ضدّ المحكمة الجنائية الدولية
