خفايا إقالة كريم خان وتأثيرها على المحكمة الجنائية الدولية
قلق حول استقلالية المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بعد إقالة كريم خان المثيرة للجدل وسط اتهامات سياسية وتدخلات دولية تهدد نزاهة المحكمة ومستقبل ملاحقة قادة كبار في قضايا جرائم الحرب وورلد برس عربي.

جاء إعلان الأستاذ وليام شاباس، المتخصّص في القانون الدولي، عن قلقه إزاء استقلالية المدّعي العام القادم للمحكمة الجنائية الدولية في سياقٍ بالغ الحساسية؛ إذ جاء في أعقاب إقالة كريم خان المثيرة للجدل، التي أقرّتها الدول الأعضاء بعد تحقيقٍ في مخالفات سلوكية امتدّ ثمانية عشر شهراً.
صوّتت جمعية الدول الأطراف (ASP)، وهي الهيئة التداولية العليا للمحكمة، في 24 يوليو على إقالة خان، بعد أن خلصت إلى أنّ "المسؤول المنتخب... ارتكب مخالفةً سلوكية جسيمة وإخلالاً خطيراً بالواجب"، وذلك بسبب انخراطه في "سلوكٍ محظور تجاه أحد الموظّفين التابعين له".
غير أنّ هذا القرار جاء على خلافٍ صريح مع ما انتهى إليه الإجراء القضائي الذي أنشأه مكتب الجمعية الجهاز التنفيذي لجمعية الدول الأطراف للبتّ قانونياً في نتائج تحقيقٍ أممي استعرض أدلّة مقدّمة الشكوى وأدلّة خان وأكثر من 30 شاهداً.
ففي مارس الماضي، خلص فريق القضاة الثلاثة الذي عيّنه المكتب بالإجماع إلى أنّ الوقائع الواردة في التحقيق الأممي لا تُثبت أيّ مخالفة في إطار المنظومة القانونية ذات الصلة.
بيد أنّ تصويت الإقالة في يوليو استند إلى توصية مكتب الجمعية المؤلَّف من 21 عضواً، الصادرة قبل شهرٍ من ذلك، والتي تجاهلت فعلياً رأي هيئة القضاة، وخلصت عوضاً عن ذلك إلى أنّ خان ارتكب "مخالفةً سلوكية جسيمة" بسبب إقامته علاقةً جنسية مع موظّفة تابعة له. وقد نفى خان أيّ تجاوز.
علاوةً على ذلك، عمد المكتب إلى تعديل قواعد التصويت بخفض عتبة الإقالة، إذ استُبدل بالتصويت على مرحلتَين حيث يُصوَّت بصورةٍ منفصلة على وجود المخالفة ثمّ على قرار الإقالة تصويتٌ واحدٌ جامع.
وقد خضعت آلية عمل المكتب وطريقة إدارته للتحقيق لتدقيقٍ واسع من منظّمات حقوق الإنسان والخبراء القانونيين، ولا سيّما في ما يتعلّق بمخاوف من "تسييس" المسار وافتقاره إلى ضمانات المحاكمة العادلة (due process).
وقال شاباس: "جمعية الدول الأطراف هيئةٌ سياسية. يُصوّت المندوبون على القضايا وفق تعليمات حكوماتهم."
وأضاف: "إنّ تحديد جمعية الدول الأطراف لوقوع 'مخالفةٍ سلوكية جسيمة وإخلالٍ خطير بالواجب' هو في جوهره قرارٌ سياسي."
وتابع: "اتّخذت الجمعية قراراً يُحيل إلى مصادر أدلّة متعدّدة يُقال إنّها أُخذت بعين الاعتبار. غير أنّه ليس حكماً قضائياً سليماً، ولا قراراً قضائياً بالمعنى الدقيق. فهو لا يُبيّن ما آمن به أعضاء الجمعية وما رفضوه من الأدلّة."
وأشار شاباس أيضاً إلى أنّ قرار الجمعية "لا يُحدّد الفعل أو الأفعال بعينها التي تُشكّل 'مخالفةً سلوكية جسيمة وإخلالاً خطيراً بالواجب'."
وأوضح أنّه في حين ربّما أدلى بعض الأعضاء بأصواتهم ضدّ خان عن قناعةٍ حقيقية بارتكابه مخالفات، لا سيّما في أعقاب مقابلة مع مقدّمة الشكوى، فإنّ آخرين صوّتوا حتماً بدوافع سياسية.
وقال: "لا شكّ أنّ استياء بعض الدول الأطراف من قرار خان ملاحقة قادة إسرائيل قضائياً أسهم في هذا القرار." وأضاف أنّ "دولاً أخرى ربّما صوّتت لصالح إقالته لأنّها تلقّت وعوداً من إسرائيل أو من الولايات المتحدة."
وكان خان أوّل مدّعٍ عام في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية يسعى إلى إصدار مذكّرات اعتقال بحقّ قادة من دولٍ غير أفريقية في سدّة الحكم، من بينهم الرئيس الروسي Vladimir Putin، ورئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، وقائد الجيش البورمي Min Aung Hlaing، وقادة حركة طالبان في أفغانستان، والرئيس الفلبيني السابق Rodrigo Duterte.
وكان قراره في مايو 2024 بطلب مذكّرات اعتقال بحقّ Netanyahu ووزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق Yoav Gallant بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة هو الأوّل من نوعه ضدّ مواطنين من دولةٍ حليفة للغرب. وقد أفضى ذلك إلى فرض عقوبات أمريكية، طالت خان ونائبَيه وثمانيةً من قضاة المحكمة.
استقلالية المدّعي العام
في الأسابيع التي سبقت إقالة خان، أعلن مسؤولون أمريكيون عزمهم "تفكيك المحكمة الجنائية الدولية لبنةً لبنة" بسبب ملاحقتها لقادة إسرائيل، فيما أعلن الرئيس Donald Trump صراحةً أنّ الحملة الأمريكية على المحكمة تهدف إلى حماية Netanyahu.
وتنظر المحكمة حالياً في طعون إسرائيل الرامية إلى إبطال مذكّرات الاعتقال.
وحين سُئل شاباس عن تداعيات إقالة خان على مستقبل المحكمة، قال: "لقد أُلحق ضررٌ جسيم بالمحكمة بوجهٍ عام وباستقلالية المدّعي العام بوجهٍ خاص. سيعيش المدّعي العام القادم في قلقٍ دائم من أنّ قراراته بالتحقيق في حالاتٍ بعينها وطلب مذكّرات اعتقال ضدّ أفرادٍ بعينهم ستستثير غضب بعض الدول الأطراف، التي قد تلجأ بعدها إلى الإجراءات التأديبية أداةً للتهديد والضغط على المدّعي العام."
وشاباس أحد أبرز الخبراء في القانون الجنائي الدولي ومرجعٌ في شؤون المحكمة الجنائية الدولية؛ ورأى أنّ التحقيق مع خان جاء "ارتجالياً" ولم يسِر وفق الإجراءات المنصوص عليها في نظام روما الأساسي وقواعد الإجراءات والإثبات.
وقال : "لا يوفّر الإطار القانوني للقواعد، ولا النهج الذي انتهجه مكتب جمعية الدول الأطراف، حمايةً كافية لاستقلالية المدّعي العام. إنّ ضمانات المحاكمة العادلة مهمّةٌ لا لحماية حقوق المدّعي العام فحسب، بل لصون استقلالية المنصب أيضاً."
ودعا إلى مراجعة قواعد المحكمة لضمان أن يكون أيّ قرارٍ مستقبلي بإقالة مسؤولٍ منتخب ذا طابعٍ قضائي بحت.
وقال: "لضمان استقلالية الادّعاء العام، من الأهمّية البالغة أن يكون المدّعي العام على يقينٍ بأنّه لا يمكن إقالته إلّا إذا أصدر ذلك القرارَ هيئةٌ قضائية مشكَّلة تشكيلاً سليماً، تتألّف من قضاةٍ مستقلّين ومحايدين. وإن صدر مثل هذا الحكم لصالح المدّعي العام، فلن يكون لجمعية الدول الأطراف حينئذٍ أيّ صلاحية للبتّ في قرار الإقالة."
أخبار ذات صلة

برامج قانونية تسعى لمساعدة المهاجرين في محاكمات الترحيل بلا محامٍ

مذكّرة سرية: قضاة الجنائية الدولية يفصلون ملف طالبان عن تحقيق أفغانستان الأوسع

تحقيق منظّم الجمعيات الخيرية البريطاني في تمويل المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية
