وورلد برس عربي logo

فئران بقشرة بشرية تفتح آفاق علاجية جديدة

اكتشف كيف زرع علماء Stanford قشرة دماغ بشرية في فأر معدّل لتطوير خلايا نادرة تساعد في دراسة اضطرابات عصبية معقدة مثل الخرف والصرع والتوحد فتح آفاق جديدة لفهم الدماغ البشري وعلاجه عبر وورلد برس عربي.

أدمغة فئران معدلة جينياً مع قشرة دماغية بشرية مزروعة تظهر تطوراً ونمو أوعية دموية ونشاطاً كهربائياً بعد ثلاثة أشهر.
أدمغة فأر تحكم (يسار)، فأر أبالي يفتقر لمعظم قشرته المخية (وسط)، وفأر ذو قشرة غريبة يحتوي على نسيج قشري بشري مزروع (يمين). (كاجانوفسكي وآخرون، نيتشر، 2026)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

ما الذي يعنيه أن تنبض خلايا بشرية في دماغ فأر؟ هذا ليس سؤالاً فلسفياً مجرّداً بعد الآن، بل تجربة أجرتها مختبرات Stanford وأفضت إلى نتائج نُشرت في مجلة Nature تُعيد رسم حدود ما نستطيع دراسته من الدماغ البشري دون المساس بإنسانٍ حيّ.

الاضطرابات العصبية والنفسية تُصيب ما يقارب 20% من سكان العالم واحداً من كل خمسة أشخاص ومع ذلك لا يزال العلم يفتقر إلى فهمٍ كافٍ للبيولوجيا الكامنة وراء كثيرٍ منها. يقول عالم الأعصاب Sergiu Pașca من Stanford University: "الاضطرابات العصبية والنفسية تصيب ما يقارب واحداً من كل خمسة أشخاص، وبالنسبة للكثير من هذه الحالات لا نفهم بعد البيولوجيا الأساسية بما يكفي لتطوير علاجات فعّالة. كثيرٌ من هذه الاضطرابات تنطوي على دوائر عصبية بشرية وتداعيات سلوكية لا يمكن نمذجتها بشكلٍ كافٍ في نماذج الحيوانات التقليدية أو في خلايا بشرية معزولة."

هنا تكمن الأزمة المنهجية: لا يمكن إجراء تجارب مباشرة على الدماغ البشري الحيّ، والأعضاء العضوية الدماغية (brain organoids) التي تُزرع في المختبرات لا تمتلك إمداداً دموياً ولا مدخلاتٍ حسية ولا تحكّماً عضلياً. الفجوة بين الخلية المعزولة في طبق زجاجي والدماغ البشري الحيّ كانت حتى الأمس القريب فجوةً شبه مستحيلة الردم.

دماغ فأر مزروع فيه نسيج قشرة دماغية بشرية مضيء بألوان خضراء وبرتقالية يوضح نمو وتكامل الخلايا البشرية في نموذج بحثي لدراسة الاضطرابات العصبية.
Loading image...
صورة من الأعلى لمخ فأر زينوكورتيكال، تُظهر العضيات القشرية البشرية المزروعة والموسومة بالألوان الأخضر والأحمر. (مختبر س. باسكا / جامعة ستانفورد)

فأرٌ بقشرةٍ بشرية

الحلّ الذي توصّل إليه فريق Pașca بدأ بهندسةٍ جينية دقيقة: تعديل الفئران لتفقد معظم قشرتها الدماغية والحُصين (hippocampus)، فتصبح ما اصطلح الباحثون على تسميته "الفئران عديمة القشرة" (apallial mice). هذه الفئران المعدَّلة باتت بمثابة "مساحةٍ فارغة" قابلة للاستقبال. ثم زُرعت فيها أعضاء عضوية من القشرة الدماغية البشرية (human cortical organoids) بُعيد الولادة مباشرةً، لتُنتج ما أسماه الباحثون "الفئران ذات القشرة الأجنبية" (xenocortical mice).

النتائج بعد ثلاثة أشهر كانت لافتة: شكّل النسيج البشري أكثر من 90% من حجم القشرة الدماغية في هذه الفئران. لم يكتفِ النسيج بالتمدّد، بل طوّر أوعيةً دموية خاصة به، واندمج مع الجهاز العصبي للفأر، وأصبح نشطاً كهربائياً، وامتدّت إسقاطاته حتى الحبل الشوكي. وبعد ستة أشهر، بقي النسيج البشري في مرحلة نضجٍ مشابهة لقشرة الجنين البشري في منتصف الحمل غير مكتمل النضج، لكنّه حيٌّ ومتكامل.

خريطة ألوان تمثل نشاط وتوصيلات القشرة الدماغية البشرية المزروعة في دماغ فأر معدّل جينياً لدراسة الاضطرابات العصبية والنفسية.
Loading image...
مقطع عرضي لمخ فأر مزروع عليه قشرة دماغية بشرية، يُظهر مسارات الألياف العصبية المُقدرة واتجاهاتها، مع تحديد حدود الطُعم القشري البشري باللون الأبيض. (مختبر س. باسكا / جامعة ستانفورد)

ما يميّز هذا النموذج عن تجربةٍ سابقة أُجريت عام 2022، حين زُرعت أعضاء عضوية قشرية بشرية في فئران حديثة الولادة، هو التصميم الجيني للمضيف. في التجربة السابقة، تنافست الخلايا العصبية البشرية البطيئة النموّ بطبيعتها مع الخلايا العصبية للقوارض الأسرع نمواً، فأُفضي ذلك إلى تكامل جزئي. أمّا في الفئران عديمة القشرة، فقد وجد النسيج البشري مساحةً خاليةً تقريباً، فنما دون منافس.

خلايا نادرة لم تظهر من قبل

الأهمية العلمية لا تتوقّف عند نسبة الـ 90%؛ ما يُثير اهتمام الباحثين أكثر هو نوع الخلايا التي أنتجها النسيج المزروع. أفرز النسيج البشري خلايا عصبية من النوع المعروف بـ"الطبقة الخامسة خارج التيلنسيفالون" (Layer 5 extratelencephalic neurons, L5-ET)، وهي خلايا إسقاطية بعيدة المدى، فضلاً عن خلايا "فون إيكونومو" (von Economo neurons, VENs) وهي خلايا بشرية نادرة للغاية لم تظهر في الدراسات السابقة التي استخدمت الجرذان.

وجود خلايا فون إيكونومو تحديداً يفتح باباً مباشراً نحو دراسة الخرف الجبهي الصدغي (frontotemporal dementia)، وهو مرضٌ يُعتقد أن هذه الخلايا النادرة تتحمّل فيه عبئاً انتقائياً. يشرح Pașca: "الاتجاه الواضح هو الخرف الجبهي الصدغي. بما أننا نستطيع الآن توليد خلايا شبيهة بخلايا فون إيكونومو في هذا السياق، يمكننا اشتقاق أعضاء عضوية قشرية من مرضى، والسؤال عمّا إذا كانت هذه الخلايا النادرة تُبدي قابليةً انتقائية للتلف، واختبار ما إذا كانت التدخّلات المرشّحة قادرةً على حمايتها."

مخطط يوضح اختبار متاهة Y لتقييم الذاكرة المكانية عند الفئران، مع توضيح المسارات الصحيحة والخاطئة للحركة.
Loading image...
في اختبار متاهة على شكل Y لقياس الذاكرة العاملة، فضلت الفئران الضابطة وفئران القشرة الغريبة استكشاف ذراع جديد من المتاهة، بينما لم تحقق فئران الأبال أي أداء أفضل من الصدفة. (كاجانوفسكي وآخرون، نيتشر، 2026)

الآفاق العلاجية لا تقف عند حدود الخرف. يُضيف Pașca: "في ما يخصّ الصرع، يمكننا السؤال عمّا إذا كانت الخلايا العصبية البشرية المرتبطة بالمرض تُولّد نشاطاً دائرياً غير طبيعي أو نوباتٍ صرعية، وما إذا كان بالإمكان تصحيح هذه الاضطرابات علاجياً." ويتوسّع في الأمر ليشمل التوحّد: "بالنسبة للتوحّد واضطرابات النموّ العصبي الأخرى، يمكننا السؤال عمّا إذا كانت التغيّرات المحدّدة في الدوائر القشرية البشرية تُفضي إلى عواقب وظيفية أو سلوكية قابلة للتكرار في الحيوان."

الفأر لا يزال فأراً

لكنّ Pașca حريصٌ على ضبط إيقاع التفسير. حين خضعت الفئران لاختبار "متاهة Y" (Y-maze test) وهو اختبارٌ قياسي للذاكرة المكانية أظهرت الفئران الضابطة أداءً أفضل من الصدفة، فيما أدّت الفئران عديمة القشرة بمستوى الصدفة تماماً، بينما أدّت الفئران ذات القشرة الأجنبية أداءً أفضل من الصدفة. يُعلّق Pașca: "هذه نتيجةٌ مثيرة للاهتمام، لا سيّما أنّ الفئران عديمة القشرة لم تُظهر الأداء ذاته. لكن ينبغي أن نكون حذرين من استنتاج أنّ الخلايا العصبية البشرية مسؤولةٌ مباشرةً عن هذا السلوك بناءً على هذا وحده."

خلايا عصبية بشرية نادرة مثل خلايا فون إيكونومو تظهر مضيئة باللون الأخضر ضمن قشرة دماغ فأر معدّل وراثياً لدراسة الأمراض العصبية.
Loading image...
خلايا مشتقة من الإنسان ذات الشكل الممدود المميز لخلايا تشبه عصبونات فون إكونومو، تم العثور عليها تنمو في الطعوم القشرية الغريبة للفئران. (كاجانوفسكي وآخرون، نيتشر، 2026)

ويُصرّ على وضع الصورة الكاملة في سياقها: "النقطة الأهمّ هي أنّ هذه لا تزال فئراناً. لديها جهازٌ عصبي للفأر، وأعضاء حسية للفأر، وبنى تحت قشرية للفأر. ما هو غير اعتيادي هو أنّ معظم النسيج القشري الموجود في هذه الحيوانات مشتقٌّ من الإنسان، وأنّ الخلايا العصبية البشرية تنمو وتندمج وتُشكّل اتصالاتٍ وظيفية مع بقية الجهاز العصبي للفأر."

وحين يُسأل عن سبب نضج النسيج البشري بشكلٍ أفضل في هذا النموذج الحيّ مقارنةً بالأعضاء العضوية المعزولة، يُجيب بصراحةٍ علمية نادرة: "لا نعرف بعد، وأعتقد أنّ هذا من أكثر الأسئلة إثارةً للاهتمام التي تطرحها الدراسة. من المحتمل أنّ منح الخلايا العصبية القشرية البشرية وصولاً إلى أهدافٍ بعيدة في أجزاء أخرى من الجهاز العصبي يوفّر إشاراتٍ يصعب إعادة إنتاجها في عضوٍ عضوي في طبق. احتمالٌ آخر هو أنّ ثمّة عواملَ موجودة في البيئة الحيّة تغيب عن الأعضاء العضوية في الأطباق، كالعوامل التغذوية أو عوامل النموّ، أو الإشارات المرتبطة بالنشاط العصبي، أو التوعية، أو التفاعلات الأخرى مع الخلايا المحيطة."

الرقابة الأخلاقية: ضرورةٌ لا شكليّة

يُثير دمج النسيج الدماغي البشري في حيوانٍ حيّ تساؤلاتٍ أخلاقية جوهرية، وهو ما أدركه الفريق البحثي منذ البداية. لم تكتفِ Stanford بالمراجعة الداخلية، بل أخضعت البحث لرقابة علماء أخلاقيات متخصّصين في الجامعة، إلى جانب لجنةٍ خارجية ضمّت علماء أعصاب وخبراء أخلاقيات وعلماء قانون ومناصرين لحقوق المرضى. يُقرّ Pașca بجدّية هذا الملفّ: "سؤالٌ مهمٌّ آخر هو ما إذا كان إدخال نسيجٍ عصبي بشري معقّد بصورةٍ متزايدة إلى الجهاز العصبي لحيوانٍ ما يمكن أن يُفضي إلى خصائص غير متوقّعة أو ناشئة أو جديدة تستلزم اعتباراتٍ أخلاقية إضافية. لقد أخذنا هذا الاحتمال بعين الاعتبار صراحةً، ورصدنا الحيوانات بعناية، بيولوجياً وسلوكياً، طوال مسيرة البحث."

الدراسة منشورةٌ في مجلة Nature بمعرّف الكائن الرقمي 10.1038/s41586-026-11032-2، وتُمثّل خطوةً في مسارٍ لا يزال في بداياته. الفئران ذات القشرة الأجنبية ليست إجابةً نهائية، بل نافذةٌ لم تكن موجودة من قبل: نافذةٌ على دماغٍ بشري يعمل في بيئةٍ حيّة، يتلقّى الدم والإشارات والتحفيز، بدلاً من الركود في طبقٍ زجاجي. وما إذا كانت هذه النافذة ستُفضي إلى علاجاتٍ حقيقية للصرع أو الخرف أو التوحّد — ذلك هو السؤال الذي ستُجيب عنه السنوات القادمة، لا هذه الدراسة وحدها.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية