زرع خلايا دماغية بشرية يفتح آفاق دراسة العقل
نجاح زرع خلايا دماغية بشرية في أدمغة فئران ناقصة القشرة يفتح آفاقاً جديدة لدراسة تطور الدماغ وأمراضه مع تحديات أخلاقية هامة تعيد تعريف حدود البحث العلمي في وورلد برس عربي.

زُرعت خلايا بشرية حيّة داخل أدمغة فئران مُعدَّلة وراثياً تفتقر إلى ما يزيد على 98% من قشرتها الدماغية، فنمت تلك الخلايا وكوّنت اتصالات عصبية وملأت الفراغ الهائل الذي خلّفه غياب الأنسجة وهو ما يمثّل نقلةً نوعية في قدرتنا على دراسة الدماغ البشري خارج الجسم الإنساني. الدراسة، التي نُشرت في 16 سبتمبر 2026 في مجلة Nature، تُقدّم نموذجاً حيوانياً غير مسبوق لفهم تطوّر الدماغ البشري وأمراضه العصبية، وتفتح نقاشاً علمياً وأخلاقياً لن يُغلق قريباً.
ما الذي جرى بالضبط داخل تلك الأدمغة الصغيرة؟
الفكرة في جوهرها بسيطة، لكنّ تنفيذها يستدعي دقّةً استثنائية. طوّر الفريق البحثي بقيادة الدكتور Sergiu Pașca، أستاذ الطب النفسي وعلوم السلوك في جامعة Stanford، فئراناً مُعدَّلة وراثياً لا تنمو لديها القشرة الدماغية إلا بنسبة 2% فقط من حجمها الطبيعي، فضلاً عن فقدان معظم الحُصين. هذا الفراغ الدماغي الشاسع هو ما أتاح زرع الأنسجة البشرية.
الأداة المستخدمة في الزرع كانت «الأعضاء المُصغَّرة» (organoids) الدماغية البشرية، وهي نماذج مخبرية مُستنبَتة من خلايا جذعية تُحاكي بنية الدماغ البشري في مراحل تطوّره المبكّرة. نُمِّيت هذه الأعضاء المُصغَّرة لمدة ستة أشهر قبل الزرع، ما يعادل تقريباً مرحلة الجنين في الشهر السادس. يصف Pașca العملية بأسلوبٍ يوحي بمدى مباشرتها: "أخذنا أعضاءً مُصغَّرة قشرية، نحو أربعة منها، ونقلناها بحقنة إلى ذلك الفراغ. هذا كلّ شيء. تدخل، تلتحم، وفي غضون أسابيع تبدأ بالنموّ. وبعد أشهر، تملأ معظم ذلك الحجم."
نجح الزرع في نحو 90% من الحالات، وهو معدّل مرتفع يعكس مدى ملاءمة البيئة الداخلية للفأر لاستقبال الخلايا البشرية. نمت الخلايا البشرية وكوّنت اتصالات عصبية ومدّت امتداداتها العصبية خلال أسابيع إلى أشهر، غير أنّها لم تُنظّم نفسها في طبقات قشرية متمايزة كما هو الحال في الدماغ البشري الطبيعي وإن احتوت على أنواع الخلايا المعتادة في القشرة الدماغية البشرية.
البيئة الحيّة تصنع فارقاً لا تصنعه أطباق المختبر
ليست هذه المرة الأولى التي يزرع فيها Pașca أعضاءً دماغية بشرية مُصغَّرة في حيوانات؛ ففي عام 2022، نجح فريقه في زرعها داخل أدمغة جرذان، وأثبتت تلك التجربة أنّ النموّ داخل الجسم الحيّ (in vivo) يتفوّق على النموّ في الأطباق المخبرية (in vitro). ما تضيفه الدراسة الجديدة هو توظيف فئران مُعدَّلة وراثياً بدلاً من حيوانات سليمة، ممّا يوفّر مساحةً أكبر للأنسجة البشرية وبيئةً أقلّ تنافسية.
يُفسّر Pașca هذا التفوّق بوجود إشارات بيولوجية لا نزال نجهل طبيعتها: "ثمّة إشارات موجودة داخل الجسم الحيّ مهمّة جداً، ونحن ببساطة لا نعرف ما الذي يجب إضافته في البيئة المخبرية." هذه الإشارات المجهولة هي ما يجعل الجسم الحيّ بيئةً لا يمكن استبدالها حتى الآن.
لكنّ ثمّة قيداً بيولوجياً أساسياً يظلّ قائماً: الخلايا العصبية البشرية تنضج بإيقاعها الخاصّ، وهو إيقاعٌ أبطأ بكثير من إيقاع الفأر. يقول Pașca: "حتى حين تُوضع داخل حيوان، داخل فأر أو جرذ، ستظلّ تنضج بمعدّل أبطأ بعشرين مرة من الفأر أو الجرذ." ويرتبط هذا التباطؤ جزئياً بعملية «المَيَلَنَة» (myelination) أي تغليف الألياف العصبية بالمَيَلين لتسريع التوصيل إذ تتأخّر هذه العملية في الخلايا البشرية مقارنةً بنظيراتها القارضية، ممّا يُقيّد مساحة نموّها في البيئة الجديدة.
الفئران الناقصة الدماغ: بين الطبيعي والمُقلق
من النتائج اللافتة أنّ الفئران المُعدَّلة وراثياً التي تفتقر إلى معظم قشرتها الدماغية وحُصينها عاشت وأدّت وظائفها الأساسية بشكل مقبول. يقول Pașca واصفاً إياها: "حين تنظر إليها، لا تستطيع بصدقٍ أن تُميّزها." بيد أنّ المقارنة الدقيقة بين ثلاث مجموعات فئران تلقّت أعضاءً مُصغَّرة، وفئران ناقصة الدماغ دون زرع، وفئران طبيعية كشفت عن قصورٍ خفيف في المهارات الحركية الدقيقة والذاكرة العاملة والتفاعل الاجتماعي لدى الفئران المُعدَّلة.
يُعلّق الدكتور H. Isaac Chen، الأستاذ المشارك في جراحة الأعصاب بكلية الطب Perelman في جامعة Pennsylvania والذي لم يشارك في الدراسة، بملاحظةٍ ذات دلالة: "من منظورنا نحن البشر، فإنّ كثيراً ممّا نفعله يومياً يعتمد على القشرة الدماغية." هذا ما يجعل فقدانها لدى الإنسان كارثياً، في حين يتحمّله الفأر بصورة أكثر قابلية وهو فارقٌ جوهري بين الكيميائين البيولوجيتين.
الأبعاد الأخلاقية: أين تقف الحدود؟
لم يغفل الباحثون الجانب الأخلاقي. خضعت الدراسة لمراجعة من خبراء في جامعة Stanford ولجنة أخلاقيات خارجية مستقلة. والسؤال الأكثر حساسية كان: هل يكتسب الحيوان الحامل لأنسجة دماغية بشرية قدراتٍ معرفية جديدة؟ الجواب حتى الآن: لا. يقول Pașca بوضوح: "لم نرَ ظهور أيّ خصائص جديدة."
يُضيف Chen من جهته: "لا أعتقد أنّ عملية الزرع نفسها تُلحق ضرراً ملموساً بالحيوان." وهو تقييمٌ مهمّ في سياق النقاش الأخلاقي حول استخدام الحيوانات في الأبحاث العصبية.
أمّا مسألة التوسّع نحو حيوانات أكبر دماغاً وأقرب تطوّرياً إلى الإنسان كالقردة فيرفضها Pașca رفضاً قاطعاً في المرحلة الراهنة: "سيكون أكثر إشكالاً بكثير لو حدث هذا في نوعٍ يمتلك دماغاً أكبر وأقرب تطوّرياً إلى البشر." ويختم: "هذه تجربة لا أرى مسوّغاً لها في هذه المرحلة."
ماذا يعني هذا لأبحاث الدماغ؟
يرى Chen أنّ هذا العمل يمثّل خطوةً حقيقية للأمام: "إنّه بالتأكيد تقدّمٌ في المجال"، مُضيفاً أنّه "يفتح خياراتٍ مثيرة للاهتمام في نمذجة التطوّر العصبي البشري وأنواع مختلفة من اضطرابات النموّ العصبي."
وهنا يكمن الوعد الحقيقي لهذا النموذج: دراسة أمراض كالتوحّد واضطرابات النموّ العصبي وغيرها في بيئةٍ حيّة تُتيح للخلايا البشرية أن تنضج بصورة أقرب إلى الطبيعية مما تسمح به الأطباق المخبرية. الأعضاء المُصغَّرة المُستنبَتة في المختبر ظلّت دائماً محدودةً بغياب تلك الإشارات البيولوجية المجهولة التي لا يوفّرها إلا الجسم الحيّ.
غير أنّ ثمّة سقفاً لما يمكن لهذا النموذج تحقيقه. الدماغ البشري لا يكتسب تعقيده من حجمه فحسب، بل من مناطقه المتخصّصة ومن ترابطاتها وهو ما لا يمكن استنساخه في دماغ فأر. تبقى الدراسة، المتاحة عبر مجلة Nature، خطوةً على طريقٍ طويل، لا نهايةً له. السؤال الذي سيشغل الباحثين في السنوات القادمة: هل يمكن تحديد تلك الإشارات البيولوجية الغامضة التي تجعل البيئة الحيّة لا غنى عنها، وإعادة توليدها في المختبر؟ الإجابة ستُعيد رسم حدود ما نستطيع فهمه عن الدماغ البشري دون الحاجة إلى حيوانٍ حيّ.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
