عودة النازحين إلى ذكرياتهم المحترقة في هونغ كونغ
آلاف النازحين في هونغ كونغ يستعدون للعودة إلى شققهم المحترقة بعد أسوأ حريق شهدته المدينة، وسط مشاعر مختلطة من الألم والأمل. كبار السن يتدربون على صعود الأدراج، بينما تظل ذكرياتهم مفقودة. تفاصيل مؤلمة في وورلد برس عربي.




في مشهدٍ يجمع بين الألم والضرورة، يستعدّ آلاف النازحين من ضحايا أسوأ حريقٍ شهدته هونغ كونغ منذ عقود للعودة إلى شققهم المحترقة، لاسترداد ما تبقّى من ذكرياتهم ومقتنياتهم.
كيونغ ماك، البالغ من العمر 78 عاماً، يعرف مسبقاً ما سيراه، ومع ذلك يُصرّ على الذهاب. فمنذ أن التهم الحريق شقّته في نوفمبر الماضي، لم يعُد إليها. لكنّ صورةً أرسلها إليه أخصائيّه الاجتماعي كانت كافيةً لتُخبره بالحجم الحقيقي للكارثة: سقفٌ محترق حتى تكشّفت قضبان الحديد المدمجة فيه، وأرضيّةٌ مبعثرة بالبلاط المكسور، وأجزاء من الشقّة باتت تحتاج إلى دعمٍ هيكلي لمنع الانهيار.
قال ماك قبيل عودته إلى ما كان يوماً بيته: "قلبي ثقيل، وأنا خائبٌ جداً. لم أتوقّع أن يبلغ الحريق هذا الحدّ في الطابق الأوّل".
حريق تاي بو: 168 قتيلاً في ليلةٍ واحدة
اندلع الحريق العام الماضي في منطقة تاي بو الضاحوية، وامتدّ بسرعةٍ ليلتهم سبعةً من أصل ثمانية مبانٍ في مجمّع سكني واحد، ما أودى بحياة 168 شخصاً. اعتباراً من يوم الاثنين، بدأ آلاف النازحين العودة إلى شققهم لمعاينة ما تبقّى منها واسترداد ممتلكاتهم، وتمتدّ هذه العملية حتى مطلع مايو.
لا تزال نتائج التحقيق في أسباب الحريق مجهولة، فيما يعيش المهجّرون مشتّتين في أرجاء المدينة، كثيرٌ منهم في مساكن مؤقّتة، في انتظار معرفة أين سيُعاد توطينهم.
كبار السنّ يتدرّبون على صعود الأدراج
{{MEDIA}}
لا تزال واجهات بعض المباني سوداء من أثر اللهب، شاهدةً صامتة على الكارثة.
ستكون العودة بالغة الصعوبة على كثيرٍ من كبار السنّ الذين كانوا يُشكّلون أكثر من ثلث سكّان المجمّع البالغ عددهم نحو 4,600 شخص. ومع توقّف المصاعد عن العمل، أخذ بعض المسنّين يتدرّبون على تحسين لياقتهم البدنية استعداداً لتسلّق درجات المباني التي يبلغ ارتفاعها 31 طابقاً.
وأفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون العامّة Radio Television Hong Kong بأنّ نائب الأمين العام Warner Cheuk صرّح بأنّ أكثر من 1,400 شخص مسجّلٍ للعودة تتجاوز أعمارهم 65 عاماً.
وصولٌ محدود وذكرياتٌ مفقودة
في شقّة ماك، ثمّة أشياء تتعلّق بها قلوب العائلة: قضيب صيدٍ أهداه إيّاه ابنه، وصور زفافٍ تعود لنصف قرن، ورسائل قديمة من الابن. والعائلة تكاد تجزم بأنّ كلّ ذلك قد اندثر.
قالت زوجته كيت تشان، 74 عاماً: "كلّ الأشياء ذات القيمة التذكارية ذهبت. لن يبقى حتى ورقةٌ واحدة".
يُسمح للسكّان عموماً بالبقاء في شققهم ما يصل إلى ثلاث ساعات، مع دخول أربعة أشخاص كحدٍّ أقصى. أمّا في الوحدات الأشدّ تضرّراً، فلا يُسمح إلّا لشخصٍ واحد بالدخول. ونظراً لوضع شقّتهم، لن يدخل سوى ماك وابنه، فيما تأمل تشان أن تتمكّن هي الأخرى من إلقاء نظرة أخيرة.
مشاعر متضاربة
شاهد ايضاً: انقطاع الكهرباء يُطفئ أضواء ليل هافانا الأسطوري
سايروس نغ، 39 عاماً، عاش في الطابق العاشر من مجمّع Wang Fuk Court مع والديه لأكثر من عقد قبل أن ينتقل. في الأيام التي أعقبت الحريق مباشرةً، لم يستطع النوم، وكان يتقلّب بين الغضب والحزن والقلق على والديه المسنَّين. بعد نحو خمسة أشهر، باتت حالته النفسية أكثر استقراراً، غير أنّه لم يتقبّل ما جرى بعد.
قال: "نعلم أنّ ثمّة أموراً مريبة وراء هذا الحريق. آمل أن نصل إلى الحقيقة فعلاً".
وكان محامٍ يمثّل لجنةً مستقلّة تُجري تحقيقاً مستمرّاً في أسباب الحريق قد صرّح بأنّ جميع أجهزة السلامة من الحرائق تقريباً في المباني السكنية أخفقت في يوم الكارثة بسبب خطأٍ بشري.
يشعر نغ بمشاعر متضاربة إزاء عودته المرتقبة إلى الشقّة التي نجت من أسوأ الأضرار؛ يخشى الأثر النفسي على والديه، لكنّه يتطلّع إلى استرداد سند الملكية والصور القديمة والملابس وسائر المقتنيات الثمينة. كما أبدى قلقه من احتمال التعرّض للسرقة بعد أشهر من الإخلاء، إذ اعتقلت الشرطة ثلاثة رجال في مارس بتهمة السرقة من المجمّع.
جدلٌ حول إعادة التوطين
أعلنت الحكومة سابقاً أنّ إصلاح المباني المتضرّرة بطريقةٍ مجدية اقتصادياً أمرٌ عسير، وأبدى المسؤولون ميلهم إلى هدم المباني السبعة المحترقة، مقترحين استرداد حقوق التملّك من الضحايا.
استندوا في ذلك إلى نتائج استطلاعٍ أُجري بين السكّان، ممّا أطفأ آمال من يرغبون في إعادة بناء منازلهم في الموقع ذاته. غير أنّ بعض السكّان شكّكوا في هذا الموقف؛ إذ أظهرت بيانات تحقيق الحريق أنّ نصف الشقق البالغ عددها نحو 1,700 وحدة في المباني السبعة فحسب تعرّض لأضرارٍ متفاوتة.
تساءل نغ عمّا إذا كان بالإمكان إصلاح بعض المباني لإتاحة عودة السكّان إليها، وإن كان والداه يدرسان بالفعل عرض الحكومة بشقّةٍ في مكانٍ آخر. وينوي توثيق حالة شقّته بالصور خلال زيارته لإثبات أنّ بعض الوحدات لم تتضرّر.
أمّا السكّان الذين كانوا يقطنون المبنى الوحيد الذي نجا من الحريق، فيواجهون هم أيضاً صدمةً من نوعٍ آخر: العيش مع ذكرياتٍ كابوسية لا تفارقهم.
ستيفاني ليونغ، إحدى سكّان ذلك المبنى، تتردّد في العودة إلى شقّتها. وقالت إنّ عائلتها ستعاني ضغطاً نفسياً شديداً في كلّ مرّة تطلّ فيها على المباني السبعة الأخرى حيث لقي أصدقاؤهم وزملاؤهم القدامى حتفهم. وتأمل أن تُدرج الحكومة مبناها ضمن الخطّة المقرّرة للمباني الأخرى، مع إتاحة الخيار لمن يريد البقاء.
قالت: "في كلّ مرّة أعود فيها، تدمع عيناي".
أخبار ذات صلة

إسبانيا تعتمد خطّةً لتخفيف أزمة السكن
