وورلد برس عربي logo

الأمن المائي في خطر استنزاف المياه الجوفية يتصاعد

بيانات الأقمار الصناعية تكشف استنزاف المياه الجوفية أسرع 45% من التقديرات السابقة في مناطق حيوية مثل جنوب إيران وشمال الهند والهلال الخصيب ما يهدد الأمن المائي والغذائي في الشرق الأوسط والعالم وورلد برس عربي يسلط الضوء على الأزمة.

خريطة توضح اتجاهات تغير تخزين المياه العذبة في مناطق الشرق الأوسط وجنوب آسيا بناءً على بيانات الأقمار الصناعية مع تمييز مناطق الاستنزاف والمكاسب.
أظهرت الدراسة الجديدة (أ) صورة أوضح بكثير لاتجاهات المياه العذبة مقارنة بأساليب المعالجة التقليدية والدراسات السابقة (ب).
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تكشف بيانات الأقمار الصناعية عن نمطٍ يصعب تجاهله: ما كانت تقارير سابقة تصفه بأنه استنزافٌ تدريجي للمياه الجوفية في مناطق مثل جنوب إيران وشمال الهند وسهول أمريكا الوسطى، تبيّن أنه أكثر حدّة بنسبة 45% ممّا قدّرته الدراسات السابقة. الرقم وحده لا يروي القصة كاملة، لكنه يشير إلى أنّ المشكلة التي كانت تُصنَّف ضمن «الإشارات الضعيفة» في تقارير المناخ والطاقة، باتت اليوم إشارةً قويةً وواضحة: الأمن المائي يتحوّل بسرعةٍ إلى متغيّرٍ جيوسياسي واقتصادي مباشر، لا سيّما في منطقةٍ كالشرق الأوسط حيث تتقاطع ندرة المياه مع الأمن الغذائي وتكاليف الاستخراج المتصاعدة.

حين يتجاوز القياس التقدير السابق

الدراسة الجديدة، التي نُشرت في 14 سبتمبر في دورية PNAS (رابط الدراسة)، اعتمدت على بيانات الأقمار الصناعية التابعة لمهمة GRACE التابعة لناسا وخليفتها GRACE-FO، وهما نظامان يقيسان تغيّرات دقيقة في توزيع كتلة الأرض للكشف عن تحرّكات المياه الجوفية والسطحية. غطّت البيانات الفترة من عام 2002 حتى 2025، لكنّ الجديد ليس في مدى التغطية الزمنية بل في دقّة التحليل: استخدم الباحثون أساليب إحصائية جغرافية (geostatistical) لفصل أثر النشاط البشري عن تقلّبات المناخ، وهو ما لم تكن الدراسات السابقة قادرة على فعله بدقة.

تقول مؤلفة الدراسة الرئيسية Mary Michael Forrester O'Neill، الباحثة في مركز جامعة ميريلاند لعلوم النظام الأرضي المتعدد التخصصات ومختبر العلوم الهيدرولوجية في مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا: «كانت الدراسات السابقة قادرة على رصد أنماطٍ عامة من فقدان أو اكتساب المياه العذبة على المدى الطويل، لكنها لم تستطع أن تحدّد بموثوقية مقدار ما يعود منها إلى النشاط البشري مقابل تقلّبات المناخ، ويعود ذلك جزئياً إلى قيود الدقة». وتضيف: «صقلت هذه الدراسة الصورة، واستخدمت أساليب إحصائية جغرافية لترتيب آثار العوامل البشرية، مثل الري وبناء السدود، مقابل العوامل المناخية كهطول الأمطار والجفاف».

النتيجة الإجمالية على مستوى النظام: الخسائر تتجاوز المكاسب. وعلى مستوى الأقاليم، بلغ متوسط التغيّر في تخزين المياه العذبة نسبةً أعلى بـ33% ممّا رصدته الدراسات الأقدم وهو فارقٌ كافٍ لتغيير تقييمات المخاطر في مناطق كاملة من الخريطة المائية العالمية.

خريطة المكاسب والخسائر: من يملأ ومن يُفرغ

رصد الباحثون 94 منطقة شهدت تحوّلاتٍ في تخزين المياه العذبة تتجاوز المعدّل الخلفي الطبيعي. من بين هذه المناطق، تبيّن أنّ 40 منطقة تأثرت بشكلٍ أساسي باستخدام الإنسان للأرض أو المياه، وقد خضعت هذه البؤر الأربعون لفحصٍ تفصيلي لتحديد فرص الحفاظ على الموارد.

المفارقة أن المكاسب والخسائر انقسمت بشكلٍ شبه متماثل من حيث العدد: 22 منطقة سجّلت مكاسب مائية، و18 بؤرة سجّلت خسائر. لكن أسباب كلٍّ منهما مختلفة جذرياً. المكاسب في الفئة الأولى جاءت من ثلاثة مصادر رئيسية بالتساوي تقريباً: الزراعة المعتمدة على الأمطار، والري بالمياه السطحية، وبناء الخزانات. كما ساهمت إزالة الغابات، بشكلٍ غير مباشر، في زيادة التخزين عبر خفض النتح التبخري واستهلاك النباتات للمياه الجوفية.

رجل يسير بدراجته قرب بئر مياه جوفية جافة في منطقة ريفية تعكس أزمة استنزاف المياه الجوفية وتأثيرها على الأمن المائي والزراعة.
Loading image...
تعاني مناطق واسعة من شمال الهند، بما في ذلك ولاية ماديا براديش، من جفاف متكرر مصحوب بمعدلات مرتفعة من استنزاف المياه الجوفية. (حقوق الصورة: ريتش شوكلا / جيتي إيمجز)

مثالٌ نموذجي على هذه الفئة هو خزان بوغوتشاني (Boguchany Reservoir) في وسط روسيا، وهو بحيرةٌ اصطناعية عملاقة تكوّنت بعد اكتمال بناء سدٍّ كهرومائي، وسجّلت مكاسب مائية واضحة بعد امتلائها عام 2012.

في المقابل، البؤر الثمانية عشر التي سجّلت خسائر ارتبطت بسببين رئيسيين: الري بالمياه الجوفية، والقنوات وتحويلات المياه والبنية التحتية المرتبطة بها. وتقول O'Neill: «ضمن هذه المناطق، وجدنا أن وتيرة الاستنزاف أكثر حدّةً بشكلٍ ملحوظ ممّا اقترحته التقديرات السابقة، وهو ما يعزّز المخاوف بشأن الأمن الغذائي».

بؤر الاستنزاف المزمن: من الهند إلى الهلال الخصيب

من بين البؤر الأكثر إثارة للقلق: شمال الهند وجنوب إيران، حيث تسبّب الري الزراعي المعتمد على طبقات المياه الجوفية في خسائر ملموسة. الأمر ذاته انطبق على منطقة السهول العليا الجنوبية (Southern High Plains) في الولايات المتحدة، الممتدة عبر ولايات كولورادو وكانساس ونيومكسيكو وأوكلاهوما وتكساس.

وحدّدت الدراسة قائمةً من المناطق التي تستمر في الإفراط في استهلاك المياه الجوفية بشكلٍ ثابت: سهول الولايات المتحدة العليا، ووادي كاليفورنيا الأوسط (Central Valley)، وشمال الهند، وباكستان، وشمال الصين، والهلال الخصيب. هذه المناطق ليست معزولة جغرافياً، لكنها تتشارك خاصية واحدة: اعتمادها الحرج على الزراعة المروية بمياه جوفية تنضب أسرع ممّا تتجدد.

الاستثناء اللافت في هذه الخريطة هو أستراليا وأنتاركتيكا، حيث كانت العوامل المناخية لا النشاط البشري هي المحرّك الأكبر للتغيّرات في تخزين المياه. في كل قارةٍ أخرى تقريباً، كان الاستخدام البشري للمياه هو المتغيّر المهيمن.

خريطة عالمية توضح تغيرات تخزين المياه العذبة بين 2002 و2025، مع تحديد مناطق المكاسب والخسائر وتأثيرات النشاط البشري والمناخ.
Loading image...
قام الباحثون بإعداد خريطة توضح اتجاهات المياه العذبة البرية من عام 2002 حتى 2025، ثم نسبوا هذه الاتجاهات إلى العوامل البشرية والمناخية.

يعلّق Hrishikesh Chandanpurkar، الهيدرولوجي والمؤسس المشارك للمنظمة غير الربحية Evergreen Resilience Institute، والذي لم يشارك في الدراسة لكنه قاد العام الماضي دراسةً حول ما وصفه بـ«الجفاف الكبير» (mega-drying) وشارك في تأليف تقريرٍ عن الجفاف القاري، على النتائج بقوله: «أصبح الوضع بالغ الخطورة في أماكن كثيرة». ويصف الأرقام بأنها «مذهلة إلى حدٍّ كبير»، مضيفاً أن الأمر «صفقة كبيرة جداً». ويشير Chandanpurkar إلى أن المنهجية المستخدمة ليست جديدةً بحدّ ذاتها، لكن «هذه هي المرة الأولى التي يُطبَّق فيها هذا الأسلوب على هذه البؤر الإقليمية، ثم تجري محاولة فهم دلالتها».

الشرق الأوسط في عين العاصفة

ما قد لا يظهر بوضوح في العنوان العام لهذه الدراسة هو أنّ قائمة المناطق «المعرّضة للخطر» التي حدّدتها O'Neill تشمل مباشرةً دولاً عربيةً وشرق أوسطية: إيران، والسعودية، وسوريا، وتركيا، والعراق، وليبيا. تقول الباحثة: «بالطبع، المناطق الشحيحة بالمياه التي تُظهر استنزافاً حاداً للمياه الجوفية معرّضة للخطر، مثل إيران والسعودية وسوريا وتركيا والعراق وليبيا. ثمة منطقةٌ أخرى تستحق المراقبة وهي المكسيك، ببساطة بسبب الزيادة التدريجية الموثّقة في عمق الآبار مقترنةً بفقدان ملحوظ في تخزين المياه الأرضية».

الخطر هنا لا يقتصر على شحّ المياه بحدّ ذاته، بل على الكلفة المتصاعدة وغير المتكافئة للوصول إليها. فكلما انخفض منسوب المياه الجوفية وقد يكفي انخفاضٌ بمقدار بضعة أمتار فقط لتجفيف آبارٍ عديدة ارتفعت تكلفة الحفر الأعمق، وهي كلفةٌ ستصيب المجتمعات الأكثر هشاشةً بشكلٍ غير متناسب. تقول O'Neill: «القلق الأكبر لدينا هو التكلفة المتصاعدة وعدم المساواة المستمرّة في الوصول إلى المياه التي تتراجع أعمق تحت الأرض، مقترناً بضغطٍ على موارد المياه السطحية القائمة».

Chandanpurkar يذهب أبعد في تشخيص الجذر الاقتصادي للمشكلة: «المياه مقوَّمة بأقل من قيمتها الحقيقية فعلاً»، ويضيف أن «إعطاءها حقّها الصحيح سيكون أساسياً لكي يُعترف بهذا الفقدان للمياه العذبة فعلياً من قِبَل القادة والاقتصاديين».

حدود ما تكشفه الأقمار الصناعية

رغم دقّة القياسات الجديدة، تبقى فجوةٌ معرفية مهمة: أقمار GRACE تقيس معدّل التغيّر في كتلة المياه، لا الحجم الكلي المخزَّن في طبقة جوفية معينة. تقول O'Neill بوضوح: «أقمار GRACE تقيس معدّل التغيّر في كتلة المياه، لا الحجم الكلي المخزَّن في طبقة جوفية، لذا ليس لدينا أساسٌ مستقل لتقدير الوقت اللازم للاستنزاف الكامل أو جدولٍ زمني لانهيار الأنظمة». بعبارةٍ أخرى، الدراسة تكشف اتجاه الاستنزاف وسرعته النسبية، لكنها لا تجيب عن سؤال «متى تنضب الطبقة الجوفية فلان» وهذا الغموض نفسه يعقّد أي محاولة لتقدير أفقٍ زمني دقيق للأزمة، خصوصاً في ظل تقلّب المناخ.

هذا القيد المنهجي يجب أن يُقرأ بحذر: غياب اليقين بشأن التوقيت لا يعني غياب الخطر، بل يعني أن صنّاع القرار في مناطق كإيران أو العراق أو سوريا لا يملكون بعد أداةً دقيقة للتخطيط طويل المدى وهو ما يجعل أي استثمارٍ في إدارة الطلب على المياه، لا في مجرد حفر آبارٍ أعمق، خياراً أكثر منطقية على المدى المتوسط.

ثلاثة سيناريوهات تستحق المتابعة خلال السنوات القادمة:

الأرجح : استمرار وتيرة الاستنزاف الحالية في البؤر الثماني عشرة المحدّدة، مع ارتفاعٍ تدريجي في تكاليف الحفر يُثقل كاهل المزارعين الصغار أولاً في مناطق كجنوب إيران وشمال الهند.

المحتمل: أن تدفع الأرقام الجديدة الأكثر دقّةً من سابقاتها بعض الحكومات في مناطق الهلال الخصيب أو الخليج نحو سياساتٍ أكثر صرامةً لتسعير المياه الجوفية أو تقنين الري.

الأقلّ احتمالاً في المدى القريب، أن تظهر بيانات GRACE-FO المستقبلية تباطؤاً ملموساً في معدّلات الاستنزاف نتيجة تحوّلاتٍ زراعية أو مناخية غير متوقعة؛ فحتى الآن، لا شيء في السجل التاريخي يشير إلى انعكاسٍ في الاتجاه العام. المتغيّر الحقيقي الذي قد يعيد رسم هذه السيناريوهات هو ما إذا كانت المياه، كما يقترح Chandanpurkar، ستُقيَّم أخيراً بقيمتها الاقتصادية الحقيقية وهو تحوّلٌ لم يبدأ بعد في معظم الأسواق.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية