كيف تشكل الجينات والبيئة شخصيتك الحقيقية
هل شخصيتك موروثة أم مكتسبة؟ دراسة ضخمة تكشف أن آلاف الجينات تساهم بتأثيرات صغيرة مع دور بيئي معقد يصعب فصله. شخصيتك نتاج تفاعل مستمر بين جيناتك وبيئتك وهذا هو التحدي الحقيقي لفهمها في وورلد برس عربي.

لطالما راودنا السؤال: هل وُلدنا بشخصيّاتنا، أم أنّ الحياة هي التي تنحتها فينا؟ لعقودٍ طويلة، قدّمت دراسات التوائم إجابةً تبدو مُقنعة: نحو 50% من سمات الشخصية موروثة وراثياً. لكنّ تحليلاً ضخماً نُشر في الثاني من سبتمبر 2026 في مجلة Nature العلمية جاء ليُعيد رسم هذه الصورة بدقّةٍ أكبر وتعقيدٍ أعمق.
الدراسة، التي جمعت بيانات من نحو 600,000 شخص لأربع سمات شخصية، وما يزيد على 1.1 مليون شخص لسمة العصابية (neuroticism) وحدها، هي الأكبر من نوعها في علم الجينوم النفسي. وقد كشفت عن أكثر من 1,200 جين مرتبط بالسمات الخمس الكبرى للشخصية: الانبساطية، والمقبولية، والضمير الحيّ، والانفتاح على التجربة، والعصابية وهي ما يُعرف في علم النفس بـالسمات الخمس الكبرى.
ألف جين وأثرٌ ضئيل لكلٍّ منها
ما يُميّز هذه الدراسة ليس العدد الكبير للجينات المُكتشَفة، بل طبيعة تأثيرها. لا يوجد جينٌ واحد يُحدّد ما إذا كنت اجتماعياً أو قلقاً أو منضبطاً؛ بل آلاف الجينات، كلٌّ منها يُسهم بأثرٍ صغير للغاية. هذا التوزيع الواسع للتأثير الجيني يُفسّر التناقض الصارخ بين رقمَين: تُقدّر دراسات التوائم الوراثية بنحو 50%، في حين تُقدّرها دراسات الارتباط الجيني الشامل (GWAS) التي تربط السمات بمتغيّرات جينية محدّدة بما بين 5% و15% فحسب.
الفجوة بين الرقمين ليست خطأً في أحد المنهجَين، بل تعكس قيوداً حقيقية في كليهما. دراسات التوائم قد تُبالغ في تقدير الوراثة بسبب تحيّزات في التقييم، بينما تُقلّل دراسات GWAS من شأن المتغيّرات الجينية النادرة التي لا تُرصد بسهولة. وقد جمعت هذه الدراسة 46 مجموعة بحثية ضمن ما يُسمّى بـRevived Genomics of Personality Consortium لمحاولة تضييق هذه الفجوة.
يقول ميشيل نيفارد، عالم الوبائيات الجينية في University of Bristol والمشارك في الدراسة: "تمكّنّا في الأساس من استبعاد وجود أي عمليات اجتماعية مباشرة وبسيطة تؤثّر بها شخصية والديك على شخصيّتك." وهذا لا يعني أنّ الأسرة لا تُهمّ، بل يعني أنّ آليات التأثير أكثر تعقيداً بكثير مما كنّا نتصوّر.
البيئة والجينات: ثنائيٌّ لم نفهمه بعد
في حين تُوفّر الجينات إطاراً للشخصية، تبقى العوامل البيئية وتفاعلات التعبير الجيني مجهولة الأثر إلى حدٍّ بعيد. وهذا بالضبط ما يُقلق العلماء المتخصّصين في هذا المجال.
يُعبّر بِرنت روبرتس، عالم النفس في University of Illinois at Urbana-Champaign، عن هذا القلق بصراحة: "هذا هو المكان الذي تتجلّى فيه محدودية أبحاث الجينات البشرية بعمق." ويُضيف في موضعٍ آخر أنّه منذ البداية كان واضحاً أنّ الشخصية مختلفة عن غيرها من السمات البيولوجية: "كان جليّاً من البداية أنّ الشخصية مختلفة."
هذا الاختلاف يكمن في أنّ الشخصية ليست كضغط الدم أو مستوى الكوليسترول؛ إنّها سمةٌ تتشكّل عبر سنوات من التفاعل بين الجينات والمحيط، وتتأثّر بالثقافة والتجارب والعلاقات الاجتماعية، وهي عوامل يصعب قياسها في دراسات الجينوم الكبرى. ولعلّ هذا ما يجعل نتائج هذه الدراسة رغم ضخامته بداية مسارٍ طويل لا نهايته.
ماذا تعني هذه النتائج للباحثين والقرّاء؟
ثمّة نقطة جديرة بالإشارة من منظور الصحة العامة: الدراسة أكّدت أنّ التأثيرات الجينية على الشخصية تتسق داخل الأسر وبين الأفراد غير المرتبطين ببعضهم، وهو ما يُعزّز موثوقية النتائج. غير أنّ دراسات GWAS تحتاج إلى عيّنات بالملايين لرصد الروابط الدقيقة بين السمات ومتغيّرات الجينات، وهو شرطٌ يُصعّب تطبيق هذه الأبحاث على مجتمعات بعينها كالمجتمعات العربية وشمال أفريقيا التي نادراً ما تُمثَّل بأعداد كافية في هذه التجمّعات البحثية الكبرى.
نيفارد نفسه يُشير إلى أنّ المسار واضح: "هذا هو الاتجاه الذي نسير نحوه." وهو يقصد الجمع بين بيانات الجينوم الضخمة وفهمٍ أعمق لتفاعلات البيئة والجينات وهو ما تسعى إليه الدراسة كاملةً المنشورة في Nature.
الخلاصة التي يمكن الوقوف عندها: شخصيّتك ليست مكتوبةً في جيناتك وحدها، ولا هي نتاج بيئتك حصراً. هي تقاطعٌ بين الاثنين، وعلم الجينوم يقف اليوم عند أعتاب هذا التقاطع يُحاول فهمه، لا ادّعاء الإجابة عنه.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
