وورلد برس عربي logo

الجيل المجمّد من الأطباء في غزة يكافح من أجل البقاء

في ظل الحصار وتدمير المستشفيات في غزة تواجه أجيال الأطباء الشباب توقف مسار تدريبهم الطبي ما يهدد مستقبل الرعاية الصحية ويجعلهم يحاربون من أجل التعلم والبقاء وسط ظروف قاسية وصراعات مستمرة وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.

طبيب شاب في غزة يعمل على جهاز غسيل الكلى في مستشفى يعكس تحديات النظام الصحي المتضرر وتأثيرها على الأطباء الشباب.
طبيب يفحص جهاز التنقيط في وحدة الغسيل الكلوي بمستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، غزة، بتاريخ 1 فبراير 2026 (إياد بابا/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في يوليو 2025، أصدرت القوات الإسرائيلية أمراً مفاجئاً بإخلاء مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، مهدّدةً بقصفٍ وشيك. في تلك اللحظة، وجد الدكتور أحمد شبات وهو طبيبٌ في بداية مسيرته المهنية نفسه أمام خيارٍ يرسم الحدّ الرفيع بين الحياة والموت.

كان المستشفى يغرق في الفوضى؛ الكوادر الطبية والمرضى يتدافعون للخروج. وسط هذا الاضطراب الأعمى، لاحظ الدكتور أحمد شاباً أُحضر إلى قسم الطوارئ، وقد أهمله الجميع في خضمّ الهروب المحموم.

كان الشاب ينزف بغزارة من جرح عميق بالشظايا في فخذه؛ شريانٌ رئيسي قُطع، وحياته تتسرّب في ثوانٍ معدودة.

إصلاح الشريان المقطوع عملٌ دقيق من اختصاص جرّاح الأوعية الدموية المتخصّص، لكنّ المتخصّصين كانوا قد أُجبروا على المغادرة. في غرفةٍ تفرغ بسرعة، وأمام قرارٍ لا يحتمل التأجيل، رفض الدكتور أحمد أن يمشي.

قال لاحقاً: "نظرتُ إليه وفكّرتُ: ماذا لو كان أحد أفراد عائلتي؟"

لم يكن بحوزته سوى هاتفٍ وإحساسٍ راسخ بالواجب. اتّصل بجرّاح أقدم كان قد غادر للتوّ، وتبع تعليماتٍ عاجلة خطوةً بخطوة عبر شبكة اتصالٍ متقطّعة. بيديه المرتجفتين لكن الثابتتين، نجح في تثبيت الشريان وإيقاف النزيف، فاستقرّت حالة الرجل.

في تلك اللحظة، لم يكن الدكتور أحمد قد تخرّج من كلية الطب منذ أكثر من عامين، وكان يُفترض أن يكون في خضمّ تدريبه التخصّصي. لكن بدلاً من برنامج إقامةٍ طبية منظّمة يُتقن خلالها تخصّصه المختار، تستهلك أيامه نوباتٌ تطوّعية تمتدّ اثنتي عشرة ساعة، يواجه فيها تدفّقاً لا يهدأ من الإصابات، دون أفقٍ واضح في المدى المنظور.

واليوم، لا تزال حياته معلّقةً في قسم الطوارئ ذاته.

ينتمي الدكتور أحمد إلى ما يمكن تسميته "الجيل المجمّد" من الأطباء الشباب في غزة عقولٌ متّقدة توقّفت عند اللحظة التي كان يُفترض أن تنطلق فيها.

إنّ تدمير المنظومة الصحية في غزة لا يُقاس بالمستشفيات المهدّمة وحدها. أهدأ أشكاله وأعمقها أثراً هو تجميد الجيل القادم من الأطباء هؤلاء الذين يُفترض أن يُعيدوا بناءها.

مسارٌ اختفى

حتى قبل الإبادة الإسرائيلية في غزة، كان التدريب الطبي في القطاع يعاني من قيودٍ مزمنة: شحّ الموارد، ونقص المعدّات، ومحدودية البرامج التخصّصية المتاحة.

كان بإمكان الأطباء الشباب إتمام أجزاء من تدريبهم محلّياً، لكنّ كثيرين كانوا مضطرّين للسعي نحو فرصٍ في الخارج للحصول على الخبرة التخصّصية التي لا توفّرها غزة بالكامل.

الحصول على مقعدٍ في برنامج الإقامة الطبية، واستخراج تصريح السفر، وتمويل سنوات الدراسة كلّ ذلك كان رحلةً شاقّة، لكنّها كانت تمثّل مساراً واضحاً نحو المستقبل.

منذ اندلاع الحرب، اختفى ذلك المسار شبه كليّاً.

مع إغلاق معابر غزة، وانهماك مستشفياتها المتبقّية في معركةٍ يومية للبقاء، وجد الأطباء الشباب أنفسهم في بيئةٍ لا تتيح لهم مواصلة التدريب الضروري لبلوغ التخصّص.

بيد أنّ هؤلاء الأطباء لم يستسلموا لوقف الحرب لتعليمهم كلّياً. في أرجاء القطاع، نشأت مبادراتٌ محلية لإبقاء التعلّم الطبي حيّاً في ظروفٍ بالغة القسوة.

فمؤسسة Samir Foundation التي أسّسها زميلٌ طالب طبّ أنشأت مركزاً للتدريب الطبي لطلّاب الطب والأطباء المبتدئين، وأطلقت برامج عملية شملت ورشاً في الخياطة الجراحية الأساسية، حفاظاً على مسيرة التعلّم في خضمّ الصراع.

هذه الجهود تعكس صموداً استثنائياً، لكنّها في الوقت ذاته تُجلّي حجم الأزمة. لا يمكن لورشةٍ واحدة أو مبادرةٍ محلية أن تحلّ محلّ سنواتٍ من التدريب السريري تحت إشراف متخصّصين، أو تعوّض برامج الإقامة الطبية الرسمية.

الإرادة قادرةٌ على إبقاء التعليم الطبي متّقداً، لكنّها عاجزةٌ عن استعادة الفرص التي أُغلقت كلّياً.

وعند هذا العجز بالذات، تتحوّل الخسائر المادية المرئية في المنظومة الصحية الغزّية إلى مأساةٍ أعمق وأشدّ وطأة.

الطبّ يقوم على الاستمرارية.

يتوارث الأطباء الشباب من كبار الاستشاريين سنواتٍ من الخبرة والحكم السريري والمعرفة المتراكمة، فلا تنتهي هذه المعرفة بطبيبٍ واحد بل تتجدّد وتتكاثر. لكن حين يُحاصَر جيلٌ كامل من الأطباء الشباب، تنقطع تلك السلسلة المؤسّسية.

لم يعد الضرر مقتصراً على المستشفيات والبنية التحتية؛ بل امتدّ ليطال مستقبل الطبّ ذاته.

"نُنزف وقتنا"

بحلول عام 2026، امتدّ هذا الحصار ثلاث سنواتٍ متتالية. لم يعد اضطراباً مؤقّتاً.

منذ عام 2023، ناضلت دفعاتٌ جديدة من طلّاب الطب في مواجهة ظروفٍ لا يُتصوّر تحمّلها من أجل التخرّج. درسوا في خيامٍ، وبحثوا عن أساتذتهم النازحين، وأدّوا امتحاناتهم النهائية وسط أنقاض جامعاتهم المدمّرة.

لكن بعد أن تجاوزوا كلّ هذا الدمار ونالوا شهاداتهم، يجدون أنفسهم في الطريق المسدود ذاته الذي سبقهم إليه من قبلهم. يلتحقون بجيلٍ متنامٍ تبقى حياته المهنية معلّقةً في الهواء.

الجريمة الحقيقية البعيدة المدى لهذا الحصار ليست فقط ما يسلبه من غزة في الحاضر، بل ما يُجوّفه من مستقبلها.

يوماً ما، ستتوقّف القنابل، وقد يُسهم العالم في إعادة بناء مستشفيات غزة.

لكن من سيعمل فيها؟

الشحّ الأكبر الذي ستعانيه غزة لن يكون في المباني الطبية أو المعدّات، بل في المتخصّصين. سنبحث عن جرّاحي المخ والأعصاب وأطباء أورام الأطفال وأطباء العناية المركّزة، لنكتشف أنّ الجيل الذي كان مُعدّاً ليصبح هؤلاء قضى أكثر سنواته تكويناً محاصَراً خلف معابر مغلقة، يعالج الصدمات بدلاً من أن يُنمّي الخبرات التي تتطلّبها تلك التخصّصات.

حين تم الحديث مؤخّراً مع الدكتور أحمد عن سنوات الانتظار القسري، كانت كلماته تحمل إرهاقاً هادئاً وثقيلاً يعبّر عن جيلٍ بأكمله.

قال لي: "نشعر أنّنا ننزف وقتنا وسنواتنا الأكثر حسماً في حياتنا دون طائل."

"نجونا من الموت بالقصف، لكنّنا نواجه الآن موتاً مختلفاً: موت شغفنا والمستقبل المهني الذي أمضينا سنواتٍ نبنيه. تعاملنا مع موجات الإصابات الجماعية وأدّينا أعمالاً يُفترض أن يضطلع بها من هم أكبر منّا بعقود، لكنّنا لا نستطيع العيش على أدرينالين الطوارئ إلى الأبد. نريد أن نتعلّم؛ نريد أن ننمو."

يقيس المجتمع الدولي عادةً دمار الحروب بما ينهار في لحظة المباني المسوّاة بالأرض وأعداد الضحايا الفورية.

غير أنّ أخطر أشكال الدمار هو ذلك الخنق البطيء الصامت للطاقة البشرية.

حين يُحرم جيلٌ من الأطباء الشباب بصورةٍ ممنهجة من التقدّم في مساراتهم المهنية، لا تقتصر العقوبة على مصائرهم الفردية؛ بل تتحوّل إلى حصارٍ فعليّ على قدرة مجتمعٍ بأكمله على التعافي. الدكتور أحمد وزملاؤه لا يطلبون الشفقة ولا يبحثون عن الإطراء؛ يناضلون من أجل حقّهم في التعلّم والتخصّص والعودة.

إن استمرّ العالم في إدارة ظهره بينما تُقطع هذه السلسلة المعرفية الطبية، يبقى سؤالٌ مقلقٌ معلّقاً في الهواء: حين يستقرّ الغبار أخيراً، من سيبقى لمداواة جراح غزة؟.

أخبار ذات صلة

Loading...
عامل صحي يرتدي بدلة وقائية كاملة وقفازين أحمرين في مستشفى علاج الإيبولا بمقاطعة إيتوري شرق الكونغو خلال تفشّي فيروس الإيبولا.

الرجل الذي يحارب أسرع تفشٍّ إيبولا في التاريخ بلا أجر

في ظل تفشّي الإيبولا في شرق الكونغو، يواجه العاملون في الخطوط الأمامية تحديات كبيرة بسبب تأخّر الرواتب والأخطار المستمرة. اكتشف كيف يؤثر هذا على مكافحة الوباء وشارك في دعمهم اليوم.
Loading...
مهاجرون يحاولون تسلق السياج الحدودي بين المغرب وسبتة في ظل أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها المدينة الإسبانية.

اقتحام الحدود: 60 ألف يدخلون سبتة والوفيات تتجاوز 34

شهدت سبتة أزمة هجرة غير مسبوقة مع تدفق 60,000 مهاجر من المغرب خلال 24 ساعة، مما أثار تحديات إنسانية وأمنية ضخمة. اكتشف تفاصيل الأزمة وتأثيرها على الحدود الأوروبية-الأفريقية الآن.
Loading...
امرأة فلسطينية مريضة بالسرطان تجلس في ملجأ للنازحين جنوب غزة تعاني من نقص أدوية العلاج الكيماوي بسبب الحصار المستمر.

غزة: أستاذة جامعية تموت ببطء بعد حصار إسرائيلي يمنعها من العلاج

في غزة المحاصرة، آلاف مرضى السرطان يعانون نقصاً حاداً في أدوية العلاج الكيماوي وسط قيود صارمة على الإخلاء الطبي. اكتشف القصة المؤثرة وانتظر الحلول الإنسانية الآن.
Loading...
فرق طبية ترتدي معدات الحماية الكاملة بجانب سيارة إسعاف في شرق الكونغو لمواجهة تفشي فيروس إيبولا سريع الانتشار.

تجاوز عدد الوفيات في تفشّي إيبولا الأسرع نموّاً بالكونغو الـ 1500

يشهد شرق الكونغو تفشياً سريعاً لإيبولا مع ارتفاع الوفيات لأكثر من 1500 حالة بسبب نقص لقاح وعجز تتبع المخالطين. اكتشف الأسباب وكن جزءاً من الحل بالمتابعة المستمرة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية