وورلد برس عربي logo

معاناة مرضى السرطان في غزة تنتظر العلاج المفقود

في غزة، آلاف مرضى السرطان يعانون نقصاً حاداً في أدوية العلاج الكيماوي وسط قيود مشددة على الإخلاء الطبي. قصة خلود أبو سحمود تعكس مأساة آلاف المرضى الذين ينتظرون العلاج المنقذ وسط أزمات صحية وإنسانية مستمرة وورلد برس عربي.

امرأة فلسطينية مريضة بالسرطان تجلس في ملجأ للنازحين جنوب غزة تعاني من نقص أدوية العلاج الكيماوي بسبب الحصار المستمر.
تقول خلود أبو سهمود إنها تموت ببطء بسبب السرطان في ظل استمرار إسرائيل في فرض قيود شديدة على عمليات الإخلاء الطبي (هاني أبو رزق/ميدل إيست آي)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في زاويةٍ ضيّقة أسفل درجات السلّم في مدرسةٍ تحوّلت إلى ملجأ للنازحين جنوب غزة، تخوض الأستاذة الجامعية خلود أبو سحمود معركتها الأخيرة مع السرطان.

بعد 15 جلسة كيماوي، أُبلغت هذه الأمّ الفلسطينية البالغة من العمر 33 عاماً بأنّ العلاج لم يعد ممكناً، إذ إنّ الأدوية المتوفّرة في القطاع المنهك بالحرب لا تتلاءم مع نوع سرطانها.

تقول أبو سحمود : "اكتُشف سرطان الكبد عندي مباشرةً بعد ولادة ابنتي، منذ نحو تسعة أشهر. لكنّ حالتي استمرّت في التدهور رغم جلسات العلاج الكيماوي."

وتضيف: "أخبرني الطبيب أنّ العلاج لا يناسب جسمي ولا حالتي. لم يُعالج الكيماوي سرطاني قطّ، بل أدّى فقط إلى تساقط شعري وأظافري. كلّ يومٍ تقريباً تتقشّر أجزاءٌ من أظافري."

قيود متواصلة بعد عشرة أشهر من وقف إطلاق النار

بعد قرابة عشرة أشهر من اتفاقية وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لا تزال السلطات الإسرائيلية تفرض قيوداً صارمة على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية والمنقذة للحياة إلى غزة، وتشمل هذه القيود أدوية السرطان والعلاج الكيماوي والمضادات الحيوية والمخدّرات الجراحية والمستلزمات المخبرية وأجهزة التشخيص والمواد الاستهلاكية الجراحية.

وبحلول مارس، كان نحو 46% من الأدوية الأساسية و66% من المستلزمات الطبية قد نفد مخزونها بالكامل، وفق ما أفادت به وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

وفي هذا الشهر، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أنّ العلاج الكيماوي لأنواعٍ عديدة من السرطان قد توقّف إلى حدٍّ بعيد، من بينها سرطان الثدي والقولون والمستقيم والجهاز الهضمي وأورام الرأس والعنق والساركوما، وذلك مع وصول مخزون الأدوية الأورامية المتخصّصة إلى مستوياتٍ حرجة.

وأشارت الوزارة إلى أنّه من بين ما يقارب 11,000 مريض سرطان في غزة، حصل ما لا يقلّ عن 4,000 منهم على إحالات طبية وما زالوا ينتظرون الإذن بمغادرة القطاع لتلقّي العلاج.

يقول الدكتور محمد أبو ندى، مدير مركز غزة للسرطان: "اضطُررنا إلى استخدام أدوية منتهية الصلاحية بسبب النقص الحادّ. والآن نفد حتى ذلك المخزون."

ويضيف: "هذا يُفضي بوضوحٍ إلى ارتفاع معدّل الوفيات."

ويؤكّد أبو ندى أنّ غزة تمرّ بأسوأ أزمة نقصٍ في أدوية العلاج الكيماوي منذ سنوات، قائلاً: "على سبيل المثال، ما تبقّى لدينا من دواء سرطان الثدي لا يكاد يكفي المرضى الحاليين. فإن جاءت حالاتٌ جديدة، فلن يكون لدينا ما نقدّمه."

وبدلاً من اتّباع البروتوكولات العلاجية المعيارية، بات الأطباء مضطرّين بصورةٍ متزايدة إلى الاعتماد على العلاج بعقارٍ واحد فقط، وهو ما يُقلّل كما يوضح أبو ندى من فعالية العلاج ويُسوّئ النتائج ويُفضي إلى مضاعفاتٍ إضافية. ويُشير كذلك إلى نقصٍ حادّ في أدوية العلاج المناعي، ممّا يُضاعف المخاطر على المرضى.

انتظارٌ بلا أفق

أُقرّت إحالة أبو سحمود الطبية بُعيد تشخيص حالتها، لكونّ العلاج الذي تحتاجه غير متوفّر في غزة. ومع ذلك، مضت تسعة أشهر وهي لا تزال تنتظر الإذن بالمغادرة.

تقول: "أخبرني الأطباء أنّ العلاج المطلوب متوفّرٌ في الأردن أو تركيا، وأنّه لا سبيل إلى تحسين حالتي هنا. لقد انتظرت إخلاءً طبياً عاجلاً منذ تسعة أشهر."

تُتيح الإحالات الطبية للمرضى في غزة تلقّي علاجٍ متخصّص غير متوفّر في القطاع، عبر مسارات تتّجه نحو مستشفيات في الضفة الغربية المحتلّة والقدس الشرقية ومصر والأردن. وعلى الرغم من أنّ الإحالات تُصدر عادةً وتُموَّل من وزارة الصحة التابعة للسلطة الفلسطينية، يظلّ المرضى بحاجةٍ إلى إذنٍ للمرور عبر المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل أو مصر.

منذ اندلاع الإبادة في غزة في أكتوبر 2023، قيّدت إسرائيل بشكلٍ صارم الإحالات الطبية وعمليات الإخلاء من القطاع، حارمةً آلاف المرضى والجرحى الحرجين من الوصول إلى رعايةٍ غير متاحة محلياً.

بعد أربعة أشهر من اتفاقية وقف إطلاق النار في أكتوبر، أعادت إسرائيل فتح معبر رفح مع مصر جزئياً لأغراض الإخلاء الطبي وفق آليةٍ مُحكمة السيطرة، تسمح بخروج نحو 50 مريضاً يومياً فقط وذلك رهنٌ بالموافقة الإسرائيلية.

ووفق وزارة الصحة الفلسطينية، يتجاوز عدد المنتظرين للإخلاء الطبي العاجل 20,000 شخص، من بينهم نحو 4,000 طفل. ومنذ إعادة فتح معبر رفح في فبراير، لم يُخلَ سوى 1,655 مريضاً حتى 30 يونيو. وفي المقابل، ارتقى أكثر من 1,570 شخصاً وهم ينتظرون الإذن بالمغادرة منذ أكتوبر 2023.

تقول أبو سحمود: "صحّتي تتراجع كلّ يوم في ظلّ هذا الانتظار الذي لا ينتهي، وأمامي عددٌ لا محدود من المرضى ينتظرون الإخلاء قبلي."

وتصف معاناتها اليومية: "أعاني من ضيق في التنفّس وانتفاخٍ في البطن بسبب احتباس السوائل، ووزني يتراجع بصورةٍ غير طبيعية؛ فقدت نحو 20 كيلوغراماً حتى الآن. وهناك فتراتٌ طويلة لا أستطيع فيها الأكل بسبب تراكم السوائل في بطني؛ كلّما أكلت، ازدادت السوائل."

وتُضيف هذه الأمّ التي لديها طفلٌ في الخامسة وفتاةٌ في التاسعة من عمرها بالأشهر، أنّها لم تستطع حمل ابنتها الصغيرة منذ الولادة: "لا أستطيع أداء أيّ من مسؤولياتي تجاه أطفالي. بات الفراش مقرّي الدائم، ولا أقوى على أدنى مجهود. لا أستطيع حتى المشي مسافةً طويلة؛ أُصاب بإرهاقٍ شديد بعد خطواتٍ قليلة. أنا أموت ببطء."

مواجهة السرطان في ظلّ التهجير

يرزح كثيرٌ من المرضى المنتظرين للإخلاء الطبي تحت وطأة تدهورٍ متسارع في أحوالهم، في ظلّ الغارات الإسرائيلية التي شلّت المنظومة الصحية في غزة وأجبرت السكّان على التهجير المتكرّر إلى ملاجئ مكتظّة تشحّ فيها مياه الشرب النظيفة وتنعدم شروط الصرف الصحي.

منذ بدء الإبادة، جبرت أبو سحمود على مغادرة منزلها الذي هُدم نحو 30 مرّة. وكان آخر هذه المحطّات انتقالها إلى خيمةٍ في المواصي القرارة غرب خان يونس، حيث بدأت حالتها الصحية تتدهور بسرعة.

تقول: "لم أستطع تحمّل الحياة في خيمة. الأوضاع كانت بالغة السوء من الناحية الصحية، فلجأت إلى أختي الكبرى."

وتتابع: "أختي هي الأخرى نازحة، وتسكن أسفل درجات السلّم في مدرسة أحمد بن عبد العزيز. لم يكن أمامي خيارٌ سوى الانتقال إليها. اليوم تعيش عائلتانا معاً نحو عشرة أشخاص في هذا المكان. البيئة غير ملائمة بالمرّة لشخصٍ في حالتي؛ حتى الشخص السليم سيجد صعوبةً في العيش هنا، فكيف بمريض سرطان؟"

بجانب فراشها يقع صندوقٌ من الأدوية تحرص على إبعاده عن الفئران، وإلى جانبه حقيبةٌ تضمّ ما يقارب 50 شهادةً أكاديمية جمعتها على مدار سنواتٍ من الدراسة والتدريب المهني.

قبل أن يُقلّب السرطان حياتها رأساً على عقب، عرفها المقرّبون منها بأنّها "مدمنة كتب". تقول: "بعد إتمام الماجستير، كرّمتني الجامعة الإسلامية في غزة بوصفي أوّل طالبة في تاريخها تُنهي برنامج الماجستير المقرّر لعامَين في عامٍ واحد وأربعة أشهر."

وكانت قد شرعت في الدكتوراه قبل أن تُعيَّن أستاذةً مساعدة في الجامعة ذاتها، متخصّصةً في المناهج وطرائق التدريس.

تقول: "أحبّ التعلّم. حياتي كلّها كانت وقفاً على التعليم. كان حلمي أن أصبح أستاذةً وأواصل مسيرتي الأكاديمية إلى ما بعد الدكتوراه. لم أكن أريد أن أتوقّف عن التعلّم يوماً. لكنّ المرض سلبني كلّ ذلك. أصعب ما في الأمر هو الانتظار للحصول على علاجٍ لا يلوح له أفق."

أخبار ذات صلة

Loading...
عامل صحي يرتدي بدلة وقائية كاملة وقفازين أحمرين في مستشفى علاج الإيبولا بمقاطعة إيتوري شرق الكونغو خلال تفشّي فيروس الإيبولا.

الرجل الذي يحارب أسرع تفشٍّ إيبولا في التاريخ بلا أجر

في ظل تفشّي الإيبولا في شرق الكونغو، يواجه العاملون في الخطوط الأمامية تحديات كبيرة بسبب تأخّر الرواتب والأخطار المستمرة. اكتشف كيف يؤثر هذا على مكافحة الوباء وشارك في دعمهم اليوم.
Loading...
طبيب شاب في غزة يعمل على جهاز غسيل الكلى في مستشفى يعكس تحديات النظام الصحي المتضرر وتأثيرها على الأطباء الشباب.

الحرب في غزة تحرم جيلاً من الأطباء الشباب من مستقبلهم

في غزة، يتحدى الأطباء الشباب ظروف الحرب القاسية ليحافظوا على مسيرة التعليم الطبي وسط نقص التدريب والتجهيزات. اكتشف كيف يصنعون الأمل رغم التحديات العميقة واستمر في القراءة لتعرف المزيد.
Loading...
مهاجرون يحاولون تسلق السياج الحدودي بين المغرب وسبتة في ظل أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها المدينة الإسبانية.

اقتحام الحدود: 60 ألف يدخلون سبتة والوفيات تتجاوز 34

شهدت سبتة أزمة هجرة غير مسبوقة مع تدفق 60,000 مهاجر من المغرب خلال 24 ساعة، مما أثار تحديات إنسانية وأمنية ضخمة. اكتشف تفاصيل الأزمة وتأثيرها على الحدود الأوروبية-الأفريقية الآن.
Loading...
فرق طبية ترتدي معدات الحماية الكاملة بجانب سيارة إسعاف في شرق الكونغو لمواجهة تفشي فيروس إيبولا سريع الانتشار.

تجاوز عدد الوفيات في تفشّي إيبولا الأسرع نموّاً بالكونغو الـ 1500

يشهد شرق الكونغو تفشياً سريعاً لإيبولا مع ارتفاع الوفيات لأكثر من 1500 حالة بسبب نقص لقاح وعجز تتبع المخالطين. اكتشف الأسباب وكن جزءاً من الحل بالمتابعة المستمرة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية