أشكال جديدة للحمض النووي في الدم تكشف أسرار السرطان
اكتشاف أشكال مطوية جديدة للحمض النووي في دم الإنسان يفتح آفاقاً لتشخيص أدق للسرطان عبر عينة دم بسيطة الدراسة تكشف عن تراكيب G-quadruplex في بلازما الدم قد تحمل معلومات بيولوجية مهمة لم نكن نعرفها سابقاً في وورلد برس عربي

في دمائنا معلوماتٌ لم نكن نعرف بوجودها. هذا ما تقوله نتائج دراسةٍ علمية نُشرت مؤخّراً على خادم الطباعة المسبقة bioRxiv، إذ رصد فريقٌ بحثي بقيادة عالم الأحياء الجزيئية Robert Hänsel-Hertsch من جامعة Cologne الألمانية أشكالاً مطوّيةً من الحمض النووي داخل بلازما الدم البشري وهي أشكالٌ لم يُثبَت وجودها في هذا الوسط من قبل. الاكتشاف ليس مجرّد تفصيلٍ بنيوي في علم الأحياء؛ إنّه يفتح باباً محتملاً نحو تشخيصٍ أكثر دقّةً لأمراض من بينها السرطان، دون الحاجة إلى شيءٍ أكثر من عيّنة دم.
ما الذي اكتُشف في الدم؟
يعرف معظم الناس أنّ الحمض النووي DNA يتّخذ شكل الحلزون المزدوج الشهير. لكنّ هذا الجزيء قادرٌ على أن يطوي نفسه في أشكالٍ أخرى أكثر تعقيداً. من هذه الأشكال ما يُعرف بـ«رباعيات G» (G-quadruplexes، أو G4s اختصاراً)، وهي تراكيب رباعية الخيوط تتشكّل حين تلتقي أربع قواعد نيتروجينية من نوع الغوانين (Guanine) لتُكوّن شكلاً مربّعاً، ثم تتراصّ هذه المربّعات فوق بعضها لتُنتج بنيةً مضغوطةً ومتماسكة.
كانت هذه التراكيب معروفةً داخل الخلايا، وقد رُصد ارتباطها بتنظيم التعبير الجيني. لكنّ الجديد هنا هو إثبات وجودها في البلازما أي في السائل الدموي خارج الخلايا محتفظةً بشكلها المطوي، لا مجرّد قطعٍ من الحمض النووي الحرّ المتناثرة في مجرى الدم.
يقول Hänsel-Hertsch في تصريحٍ نقلته منصّة ScienceAlert: «تُقدّم دراستنا، في حدود ما نعلمه، أوّل دليلٍ كيميائي حيوي مباشر على أنّ تراكيب G-quadruplex المطوية موجودةٌ في الأحماض النووية المستخلصة مباشرةً من بلازما الإنسان».
كيف تمكّن الباحثون من رؤيتها؟
المشكلة التقنية التي واجهها الفريق البحثي ليست بسيطة. فعند استخلاص الحمض النووي من الدم بالطرق المعتادة، تنكسر هذه التراكيب الدقيقة وتفقد شكلها قبل أن يتمكّن أحدٌ من رصدها. يُضاف إلى ذلك أنّ شظايا الحمض النووي الحرّة المتداولة في البلازما قصيرةٌ جداً نحو 50 قاعدة نيتروجينية فحسب وهو طولٌ يجعلها تفلت من أساليب الالتقاط المعتادة.
لتجاوز هذه العقبة، طوّر الباحثون أسلوباً لطيفاً لالتقاط الحمض النووي يحافظ على الأشكال المطوية دون أن يُزعزعها. ثم وظّفوا أداتَين للكشف: جسمٌ مضادٌّ (antibody) مصمَّمٌ للارتباط بتراكيب G4، وجزيءٌ فلوري صغير يُضيء حين يرتبط بها. كلتا الأداتَين أعطتا إشارةً إيجابية.
ولإثبات أنّ هذه الإشارة ليست خطأً منهجياً، أجرى الفريق تجربةَ تحقّق مزدوجة: حين استُخدم تسلسلٌ جيني لا يطوي نفسه، لم تظهر أيّ إشارة. وحين أُطلق الجسمُ المضاد والجزيء الفلوري في آنٍ واحد، تنافسا على الارتباط بالتراكيب ذاتها، فانخفضت الإشارة وهو ما يؤكّد أنّ كليهما يرتبط بالشكل المطوي فعلاً، لا بأيّ شيءٍ آخر.
ما الذي لا تقوله الدراسة بعد؟
قبل الاستعجال بالتفاؤل، ثمّة قيودٌ جوهرية يجب استيعابها. أوّلاً: الدراسة نُشرت في صيغة طباعة مسبقة على bioRxiv، بمعنى أنّها لم تخضع بعد لمراجعة الأقران (peer review)، وهو معيارٌ ضروري قبل اعتبار النتائج راسخة.
ثانياً: الفريق البحثي لم يُقارن بين مرضى السرطان وأفرادٍ أصحّاء. الهدف من الدراسة كان إثبات وجود هذه التراكيب في البلازما أصلاً، لا قياس دلالتها التشخيصية. يُقرّ Hänsel-Hertsch بذلك صراحةً.
ثالثاً وهذا ما وصفه الباحث بأنّه «قيدٌ حقيقي» لا تستطيع الدراسة الحالية التمييز بين G4s المتكوّنة من DNA وتلك المتكوّنة من RNA، إذ يُمكن لكليهما أن يتّخذ هذا الشكل الرباعي. ويُشير الفريق إلى أنّ الخطوة التالية ستشمل معالجةً إنزيمية للتمييز بين النوعَين، إضافةً إلى تسلسلٍ جيني لتحديد المناطق الأصلية التي نشأت منها هذه الشظايا.
لماذا قد يكون هذا مهمّاً في تشخيص السرطان؟
الخلايا في جسم الإنسان تموت باستمرار، وحين تموت تُطلق شظايا من حمضها النووي في مجرى الدم. هذه الشظايا التي يُطلق عليها الحمض النووي الحرّ المتداول (cell-free DNA) باتت محلّ اهتمامٍ كبير في مجال التشخيص المبكّر للسرطان عبر ما يُعرف بـ«الخزعة السائلة» (liquid biopsy). حتى الآن، كان التركيز منصبّاً على تسلسل هذه الشظايا للبحث عن طفراتٍ جينية.
ما تُضيفه هذه الدراسة هو بُعدٌ مختلف: ليس فقط ما يقوله التسلسل، بل كيف يطوي الحمض النووي نفسه. وقد رُصدت مستوياتٌ مرتفعة من G4s في أنواعٍ عدّة من الأورام، فضلاً عن أنّ هذه التراكيب كثيراً ما تقع في مناطق الجينوم المرتبطة بتنظيم التعبير الجيني. يُصوغ Hänsel-Hertsch هذه الفكرة بوضوح: «البنية طبقةٌ من المعلومات، وربّما من الأحياء، لا يستطيع التسلسل وحده رؤيتها».
الرهان إذاً هو أنّ شكل الحمض النووي في الدم لا تسلسله فحسب قد يحمل معلوماتٍ بيولوجية لها قيمةٌ تشخيصية مستقلّة. لكنّ هذا الرهان يحتاج إلى دراساتٍ مقارنة على مجموعاتٍ من المرضى والأصحّاء قبل أن يتحوّل إلى أداةٍ سريرية.
ما بين الإثبات الأوّل لوجود هذه التراكيب في الدم وبين تطبيقها في غرفة الفحص مسافةٌ طويلة. لكنّ هذه الدراسة بكلّ تحفّظاتها المنهجية تُعيد رسم حدود ما نبحث عنه حين نُحلّل دم المريض: لم يعد الأمر مقتصراً على قراءة حروف الجينوم، بل امتدّ ليشمل فهم الأشكال التي تتّخذها هذه الحروف حين تجري في عروقنا.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
