اكتشاف كنز فضي ضخم يكشف أسرار تجارة الفايكنغ
اكتشاف كنز فضي ضخم في فنلندا يضم آلاف العملات والمجوهرات من مناطق متعددة بينها العالم الإسلامي يكشف عن شبكات تجارة واسعة في عصر الفايكنغ ويعزز فهمنا للعلاقات الاقتصادية والثقافية في شمال أوروبا وورلد برس عربي

على عمق لا يتجاوز 45 سنتيمتراً تحت التراب الفنلندي، كانت تنتظر كنوزٌ دفنها أصحابها قبل ألف عام تقريباً آلاف القطع الفضية من عملات ومجوهرات، تحكي قصة تجارة وتنقّل وثروات في عصرٍ بعيد. في 3 سبتمبر 2023، عثر هاوي الكشف بالكاشف المعدني Kalle Lappinen على هذا الكنز قرب بلدة Sysmä، على بُعد نحو 150 كيلومتراً شمال هلسنكي، ليتبيّن لاحقاً أنه أضخم كنز فضي يعود إلى عصر الفايكنغ يُكتشف في فنلندا على الإطلاق.
كنزٌ في وعاءين من لحاء شجر البتولا
الكنز لا يُقاس بقطعة أو اثنتين؛ فهو يزن قرابة 4.5 كيلوغرام ما يعادل نحو 10 أرطال وهو ما يجعله يتجاوز بمرحلة الكنز الفنلندي السابق الذي اكتُشف عام 1895 في منطقة Nousiainen وكان يزن نصف هذا الوزن تقريباً. وقد وُجد الكنز موزّعاً على وديعتين دُفنتا في حاويتين مصنوعتين من لحاء شجر البتولا، تفصل بينهما مسافة نحو 12 متراً، وتقعان على عمق متماثل من سطح الأرض.
في اليوم التالي مباشرةً، 4 سبتمبر 2023، توجّه فريق من علماء الآثار إلى الموقع وأجرى عمليات التنقيب الرسمية. وتُشير التقديرات إلى أن العملات والمجوهرات تعود إلى الفترة الممتدة بين عامَي 1000 و1050 ميلادية، وهي مرحلة متأخرة من ما يُعرف تاريخياً بعصر الفايكنغ الذي يمتد من عام 793 حتى عام 1066 ميلادياً.
من ألمانيا إلى العالم الإسلامي: خريطة التجارة في عملة واحدة
ما يمنح هذا الكنز أهميته الاستثنائية ليس حجمه وحده، بل تنوّع مصادر عملاته. فالقطع المكتشفة تضمّ عملات تعود أصولها إلى مناطق تقع اليوم في ألمانيا والسويد وبريطانيا العظمى، فضلاً عن دراهم فضية من العالم الإسلامي. والدراهم الإسلامية في فنلندا ظاهرةٌ موثّقة تاريخياً؛ إذ تعود تواريخها إلى الفترة بين عامَي 800 و1050 ميلادية، مما يكشف عن شبكات تجارية ضخمة كانت تربط شمال أوروبا بالحضارة الإسلامية عبر طرق التجارة الممتدة شرقاً.
إلى جانب العملات، يضمّ الكنز مجوهرات من بينها سوار فضي، وقطع من الفضة المقطوعة المعروفة بـ"hack silver"، وهي فضة كانت تُقطَّع وتُوزَن للاستخدام وسيلةً للدفع. وتُقدَّر القيمة التجارية للمعدن الثمين في هذا الكنز بما يقارب 10,000 دولار بأسعار اليوم. وقد أعلن متحف Lahti التاريخي، المؤسسة المشرفة على عمليات التنقيب، عن هذا الاكتشاف، ونشر بياناً رسمياً حول تفاصيله.
قال Esko Tikkala، عالم الآثار في متحف Lahti التاريخي: "يضمّ هذا الكنز عدداً كبيراً جداً من العملات". وأضاف أنه "ستُنشر بالتأكيد مقالات علمية حول الكنز بوصفه وحدةً متكاملة، إلى جانب دراسات أكثر تفصيلاً حول العملات ذاتها".
فنلندا في عصر الفايكنغ... لكنها ليست أرض الفايكنغ
ثمة لبسٌ شائع يستحق التوقف عنده: الكنز يُنسب إلى "عصر الفايكنغ"، لكن هذا التصنيف الزمني لا يعني أن فنلندا كانت جزءاً من الحضارة الفايكنغية. يُوضح Tikkala: "مصطلح عصر الفايكنغ لا يعني أن الفايكنغ كانوا في فنلندا"، مؤكداً أنه "لا توجد مصادر تشير إلى أن فنلندا كانت 'فايكنغية' بالمعنى ذاته الذي ينطبق على مناطق السويد والنرويج والدنمارك الحديثة".
بعبارة أخرى، فنلندا عاشت في الحقبة الزمنية ذاتها، وتشابكت مصالحها التجارية مع شعوب الشمال الأوروبي وغيرهم، لكنها حافظت على هويتها الثقافية والسياسية المستقلة. والكنز المكتشف، بتنوّع عملاته وجغرافيا مصادرها، يعكس هذا التشابك التجاري دون أن يدلّ على انتماء ثقافي فايكنغي.
سياقٌ أوروبي وأسئلة مفتوحة
لا يقف هذا الاكتشاف منفرداً؛ ففي ربيع عام 2023 ذاته، أعلنت النرويج عن العثور على كنز يضمّ أكثر من 4,700 عملة، فيما كشفت الدنمارك عن كنز آخر يحتوي على أكثر من 700 قطعة فضية بوزن إجمالي يبلغ 18.5 كيلوغراماً أي ما يقارب 40 رطلاً. يبدو أن عام 2023 كان عاماً استثنائياً في الكشوفات الأثرية لعصر الفايكنغ على نطاق أوروبا الشمالية.
أما في الموقع الفنلندي نفسه، فلم تُكشف بعد كل أسراره؛ إذ لم تُعثر على أي آثار لمقابر في محيط المكان، والمنطقة المحيطة لم تخضع للدراسة الكاملة بعد. وتبقى أسئلة جوهرية معلّقة: لماذا دُفن الكنز في وديعتين منفصلتين؟ هل كان ذلك تحوّطاً أمنياً، أم نذراً وقربى، أم مجرد تخزين مؤقت لم يعد إليه صاحبه؟ تلك أسئلة يأمل الباحثون أن تُجيب عنها الدراسات العلمية القادمة التي أعلن Tikkala أنها في الطريق.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
