رحلة نسر إمبراطوري بين الخطف والإنقاذ المذهل
اختفاء نسر إمبراطوري شرقي مجهز بجهاز تتبع فوق سوريا يكشف شبكة صيد وتهريب معقدة بين سوريا ولبنان. قصة إنقاذ Feliks تنسجها جهود متطوعين ولاجئين وجيش صربي ليعود إلى موطنه آمناً. قصة تحكي تحدي حماية الطيور المهددة وورلد برس عربي.





في أواخر أكتوبر الماضي، اختفى إشارة جهاز التتبّع الخاص بنسرٍ إمبراطوري شرقي يافع اسمه Feliks فوق الأراضي السورية. ما تلا ذلك يشبه سيناريو فيلم هوليوودي: خاطفون، ومهرّبون، وعبورٌ سري للحدود.
رحلة Feliks من صربيا إلى الشرق الأوسط
النسر الإمبراطوري الشرقي طائرٌ جارح مهيب، يبلغ باع جناحيه ما يصل إلى 2 متر. وهو نوعٌ مصنَّف تحت الحماية في صربيا، إذ تراجع عدد أزواجه المتكاثرة إلى زوجٍ واحد فقط عام 2017، قبل أن تنجح جمعية حماية الطيور ودراستها في صربيا (BPSSS) في إعادة تأهيل النوع تدريجياً.
Feliks، الذي وُلد هذا العام، هو واحدٌ من نتاج هذا الجيل الجديد من النسور. قبل انطلاقه في أغسطس الماضي، زوّده الخبراء بحلقة تعريف وجهازٍ صغير للتتبّع يُشبه «حقيبة ظهر مصغّرة»، كما أوضح أوروش ستويلييكوفيتش من الجمعية.
قال ستويلييكوفيتش: «بدا كل شيء طبيعياً، لم نكن نتخيّل أنّ كل هذا سيحدث».
حلّق Feliks في البداية قريباً من موطنه، ثم اتّجه جنوباً شرقاً عبر مقدونيا الشمالية واليونان وتركيا. وفي أواخر أكتوبر، انقطعت إشارة التتبّع فوق سوريا.
أضاف ستويلييكوفيتش: «أملنا في البداية أنّ المشكلة تقنية، ربّما عطلٌ في جهاز الإرسال».
الصيد غير المشروع وشبكات بيع الطيور
بعد أسابيع من الصمت، جاءت الأخبار من ميشيل صوّان، رئيس الجمعية اللبنانية لطيور المهاجرة، الذي أدّى دوراً محورياً في إنقاذ النسر. تبيّن أنّ Feliks وقع في يد صيّادين يعتمدون أساليب متعدّدة لاصطياد الطيور المهاجرة: وضع الماء في الصحراء لاستدراجها، وإطلاق النار عليها، ونصب الشباك، بل وملاحقتها بالدرّاجات النارية.
قال صوّان: «حين اصطِيد Feliks في البداية، نُشر عرضه للبيع على كثيرٍ من مجموعات WhatsApp المخصّصة لتداول الطيور البرية المصطادة بصورة غير مشروعة في سوريا. بدأتُ فوراً بالاتصال بأشخاص أعرفهم هناك، وتمكّنّا من الوصول إليه».
وأضاف صوّان واصفاً حجم الأزمة: «الوضع يزداد سوءاً عاماً بعد عام، موسماً بعد موسم، يوماً بعد يوم».
دفع الأموال للمهرّبين كان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، لكنّ صوّان لم يكن مستعداً للاستسلام.
من مهرّبين إلى لاجئين وطائرة عسكرية صربية
بِيع Feliks لمشترٍ في لبنان، ثم أُعيد بيعه إلى سوريا مرّةً أخرى، قبل أن يتمكّن صوّان من استرداده عبر شبكة معارفه. غير أنّ نقله إلى لبنان اصطدم بعقبات جديدة: اشتباكاتٌ مسلّحة في المنطقة وظروف جوّية قاسية.
في نهاية المطاف، حمل مجموعةٌ من اللاجئين النسرَ داخل كيس بطاطا وعبروا به نهر الكبير على الحدود الشمالية بين سوريا ولبنان. علّق صوّان على ذلك بقوله: «كان الأمر مجنوناً».
وصل Feliks إلى ملجأ الطيور الذي يديره صوّان في بيروت، لكنّ إعادته إلى صربيا باتت شبه مستحيلة بعد اندلاع الحرب في إيران في فبراير. وبعد ثلاث محاولات فاشلة، تدخّل الجيش الصربي عبر قوّاته المشاركة في بعثة حفظ السلام الأممية في لبنان. وفي 22 يونيو أخيراً، عاد Feliks إلى صربيا على متن طائرة نقل عسكرية.
قال صوّان معرباً عن ارتياحه: «لم نكد نصدّق أنّ المهمّة نجحت فعلاً».
ما يعنيه هذا لحماية الطيور المهاجرة
يوجد Feliks حالياً في حديقة حيوان في شمال صربيا، حيث يخضع لحجرٍ صحّي مدّته 21 يوماً. وبعد انتهائه، سيزوّده خبراء الجمعية بجهاز تتبّع جديد قبل إطلاق سراحه.
على مدار العقد الماضي، عمل فريق الجمعية بجدٍّ على زراعة الأشجار وإقامة منصّات للتعشيش عبر السهول الزراعية المنبسطة في شمال صربيا. وفي عام 2017، نظّم المتطوّعون حراسةً على مدار الساعة للزوج الأخير المتبقّي من النسور، حتى لا يتعرّض لأيّ أذى. ثم جاء مشروعٌ بدعمٍ من الاتحاد الأوروبي ليرفع عدد الأزواج المتكاثرة إلى 29 زوجاً حتى اليوم.
بيد أنّ المخاطر لا تزال قائمة، من التسمّم العرضي إلى خطوط الكهرباء، كما أشار ستويلييكوفيتش.
وختم بقوله مازحاً: «Feliks أتمّ دورته كاملةً وعاد إلى حيث انطلق. نأمل ألّا يشعر بالملل هنا».