اتفاقية لبنان وإسرائيل تثير مخاوف حقوقية وقانونية
اتفاقية لبنان وإسرائيل تثير جدلاً قانونياً بسبب بند يحمي إسرائيل من المساءلة عن جرائم الحرب، مما يهدد حقوق الضحايا في العدالة ويثير قلق حقوقيين وقانونيين حول الالتزام الدولي. التفاصيل في وورلد برس عربي.

وقّعت كلٌّ من لبنان وإسرائيل اتفاقيةَ إطارٍ ثلاثية في 26 يونيو الماضي، غير أنّ بنداً واحداً من بنودها الأربعة عشر بات يُثير قلقاً قانونياً متصاعداً في أوساط حقوق الإنسان والمختصّين في القانون الدولي، إذ يرى هؤلاء أنّه يُفضي عملياً إلى تحصين إسرائيل من المساءلة عن جرائم الحرب.
تنصّ المادة الثالثة عشرة من الاتفاقية على أن تتّخذ إسرائيل ولبنان «تدابير بحسن نية تُجسّد النوايا الإيجابية، بما يشمل وقف جميع الأعمال العدائية أو الإجراءات المعارضة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية».
تحذيرات من إسقاط حقوق الضحايا
وصفت حليمة قعقور، النائب اللبنانية والخبيرة في القانون الدولي، هذا البند بأنّه ماسٌّ بحقوق اللبنانيين الأساسية، مؤكّدةً: «الانتهاكات التي ارتُكبت في لبنان تُعطي الدولة اللبنانية وشعبها الحقَّ في المطالبة بالتعويض. هذا البند يتجاهل ذلك الحق ويحرم اللبنانيين من العدالة. والحق في العدالة أهمّ من أيّ اتفاقية».
وأضافت قعقور: «يعكس هذا البند قراراً سياسياً من السلطات اللبنانية بالامتناع عن اللجوء إلى المحافل الدولية مقابل انسحاب إسرائيلي وهو حقٌّ أصيل لا ينبغي المقايضة عليه بأيّ شيء».
منذ أكتوبر 2023، يواجه الجيش الإسرائيلي اتهاماتٍ بارتكاب جرائم حرب متعدّدة خلال عمليّاته في لبنان، من بينها التهجير القسري لأكثر من مليون شخص والاستهداف المتعمّد للمدنيين. وقد لقي ما لا يقلّ عن 8,000 لبناني حتفَهم جرّاء الغارات الإسرائيلية منذ بدء الحرب. وفي سياق التصعيد الجديد الذي اندلع في 2 مارس إبّان الحرب على إيران، قتلت إسرائيل أكثر من 300 من كوادر الطواقم الطبية وعمّال الإنقاذ، وما يقارب اثني عشر صحفياً، من بين أكثر من 4,200 قتيل خلال الأشهر الأربعة الماضية.
«البند غير مشروع»
رفض فاروق المغربي، المستشار القانوني الحكومي السابق، الاتفاقيةَ من أساسها، معتبراً إياها محاولةً للالتفاف على الأطر القانونية الدولية المصمَّمة لحماية حقوق الضحايا وضمان المساءلة.
وقال المغربي : «هذا الحق يعود للشعب اللبناني وللضحايا؛ وليس بمقدور الدولة أو السلطة الموقِّعة على الاتفاقية إلغاؤه». وأضاف: «البند غير مشروع في جوهره، لأنّ الدستور اللبناني يُرسي مبدأ أولوية الاتفاقيات والمعاهدات الدولية على القانون الداخلي».
وتساءل المغربي عمّا يعنيه هذا البند في ضوء الزيارة المرتقبة للمفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بهدف توثيق الانتهاكات، مستفسراً عمّا إذا كان لبنان سيكون مُلزَماً برفض هذا التوثيق بموجب شروط الاتفاقية.
من جهتها، أكّدت اللجنة الوطنية اللبنانية لحقوق الإنسان أنّ أيّ اتفاقية لا ينبغي أن تحول دون سعي الضحايا إلى العدالة، مُشيرةً في بيانها إلى أنّ «ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والتعذيب لا تُشكّل عملاً عدائياً أو موقفاً سياسياً، بل هي ممارسةٌ مشروعة لحقوق العدالة».
اختصاص المحكمة الجنائية الدولية
لا تنتمي إسرائيل ولبنان إلى عضوية المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، وليس للمحكمة اختصاصٌ قضائي حالي على الجرائم المرتكبة في الأراضي اللبنانية. بيد أنّ منظمات حقوق الإنسان تُطالب منذ سنوات بأن تتّخذ الحكومة اللبنانية خطواتٍ لمنح المحكمة هذا الاختصاص.
ولكي تتمكّن المحكمة الجنائية الدولية من ممارسة اختصاصها على مواطنين إسرائيليين أو لبنانيين في ما يخصّ هذا النزاع، يتعيّن على أيٍّ من البلدين الانضمام إلى نظام روما الأساسي (Rome Statute)، المعاهدةِ التأسيسية للمحكمة، أو أن يتقدّم لبنان بإعلانٍ بموجب المادة 12(3) يمنح المحكمة اختصاصاً على الجرائم المرتكبة في أراضيه. وقد سلكت أوكرانيا، حين لم تكن عضواً في المحكمة، المسارَ ذاته في أعقاب الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014.
في أبريل 2024، اقترب لبنان من اتّخاذ هذه الخطوة؛ إذ كلّف مجلس الوزراء وزير الخارجية بتقديم إعلانٍ يمنح المحكمة اختصاصاً اعتباراً من 7 أكتوبر 2023، وذلك في أعقاب اغتيال إسرائيل للصحفي عصام عبدالله وتقارير موثّقة عن استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض ضدّ المدنيين. غير أنّ الحكومة تراجعت بعد شهرٍ واحد دون تقديم أيّ تفسير، ولم يُودَع الإعلان قطّ. وتُشير المعطيات المتوفّرة إلى أنّ هذا التراجع جاء خشيةً من أن يتعرّض لبنان بدوره للتحقيق في ما يخصّ عمليّاتٍ عسكرية نفّذها ضدّ إسرائيل.
واشنطن تُشهد على التوقيع
وُقِّعت الاتفاقية الإطارية في مقرّ وزارة الخارجية الأمريكية (State Department) في واشنطن بتاريخ 26 يونيو، ووصفها وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio بأنّها «بداية البدايات». وقد رعت الولايات المتحدة المفاوضات المباشرة التي انطلقت في أبريل، وهي نفسها طرفٌ موقِّع على الاتفاقية الثلاثية. وقد خلص الاتفاق بعد خمس جولات من المباحثات المباشرة، ويتضمّن مبادرةً تجريبية تتسلّم بموجبها القوات اللبنانية السيطرة على منطقتين تحتلّهما إسرائيل، فضلاً عن مسارٍ يرمي إلى نزع سلاح حزب الله.
إلّا أنّ الاتفاقية لا تُحدّد موعداً أو شروطاً واضحة لانسحاب إسرائيل من المناطق الواسعة التي تحتلّها في لبنان؛ بل تربط أيّ انسحاب بالتطوّرات الأمنية و زوال أيّ تهديد لإسرائيل، ممّا يجعله مشروطاً فعلياً بنزع سلاح حزب الله.
وكان حزب الله قد أعلن مراراً أنّه لن يتخلّى عن سلاحه ما دامت إسرائيل تُشكّل تهديداً وتحتلّ أراضيَ لبنانية، وقد وصف الأمين العام نعيم قاسم الاتفاقية بأنّها «لاغية وباطلة»، مؤكّداً أنّ على إسرائيل الانسحاب من لبنان دون قيدٍ أو شرط.
في المقابل، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu أنّ الاتفاقية الإطارية تُتيح للقوات الإسرائيلية مواصلة احتلال جنوب لبنان في حال لم يُنزَع سلاح حزب الله، مُصوِّراً توقيع الاتفاق على أنّه «ضربةٌ موجعة» لإيران.
وقال Netanyahu: «إيران تحاول إجبارنا على الانسحاب من جنوب لبنان بالقوة»، مضيفاً: «في الواقع، إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة تقول لها: هذا لا يعنيكم».
أخبار ذات صلة

المستوطنون الإسرائيليون يستهدفون المسيحيين الفلسطينيين ومقدساتهم

تركيا تحظر الاحتجاجات قبل قمة الناتو.. انتقادات حقوقية حادة
