إليزابيث هولمز بين الحقيقة والوهم في مواجهة القضاء
تغوص هذه المقالة في الفيلم الوثائقي الذي يكشف الجانب النفسي لElizabeth Holmes المتهمة بالاحتيال وتُظهر كيف تؤمن بروايتها رغم السجن المقبل. قصة معقدة بين الحقيقة والخيال تطرح أسئلة عن الهوية والسيطرة على الصورة الشخصية وورلد برس عربي.

قبل 35 يوماً من دخولها السجن، كانت Elizabeth Holmes تجلس في منزلها المواجه للبحر في Del Mar، وسط أثاث خشبي دافئ وأطفالها وشريك حياتها Billy Evans. لم تكن تبدو كامرأةٍ أدانها القضاء بتهمة الاحتيال وحكم عليها بالسجن أحد عشر عاماً. كانت تبدو وهذا هو جوهر المشكلة كامرأةٍ تؤمن تماماً بروايتها الخاصة.
هذا هو الكادر الذي ينطلق منه الفيلم الوثائقي "You Can See Everything"، الذي أخرجه المخرجان Nathan Fielder وLance Oppenheim، وحظي بدعم شركة A24. الفيلم، الذي يمتد 174 دقيقة، لا يسعى إلى إعادة محاكمة Holmes ولا إلى تبرئتها. يسعى إلى شيءٍ أصعب وأكثر إثارةً للقلق: أن يفهم كيف تنظر هذه المرأة إلى نفسها.
حين يتحوّل الوثائقي إلى مرآة
ما يميّز هذا العمل عن سائر الوثائقيات التي تناولت قضية Theranos هو أنه لا يُقدَّم كوثائقي بالمعنى الكلاسيكي. يصفه المتابعون بأنه "أبعد ما يكون عن الوثائقي النقي" إنه مزيجٌ من برامج الواقع والدراما النفسية والمواجهة المباشرة، تجربةٌ سينمائية فريدة تضع المشاهد في موضعٍ غير مريح: لا هو يشاهد متهمة، ولا هو يشاهد ضحية.
يدخل Nathan Fielder، الكوميدي المعروف بتجاربه الحدّية مع الواقع والأداء، إلى هذا الفيلم بأدواته المعتادة: الغرابة المحسوبة، والمواقف التي تدفع الشخص إلى الكشف عن نفسه دون أن يدري. في مشهدٍ لافت، يحاول شرح نكتة "Who's on First?" الكلاسيكية لـ Holmes وهو اختبارٌ خفيّ لكيفية تعاملها مع الغموض اللغوي واللعب بالمعاني. الفيلم يعمل على هذا المستوى: كلّ لقطة هي في الوقت ذاته وثيقةٌ وفخٌّ لطيف.
والأكثر جرأةً في الفيلم هو توظيف الممثلة Amanda Seyfried التي جسّدت دور Holmes في مسلسل Hulu "The Dropout" عام 2022 لتقرأ نصوص Holmes وتؤدّي مقاطع منها داخل الوثائقي نفسه. وفي مشهدٍ يصعب وصفه إلا بالسريالية، تُشاهد Holmes نفسها مسلسل "The Dropout" الذي تجسّد فيه Seyfried شخصيتها امرأةٌ تشاهد تمثيل امرأةٍ أخرى لها، وهي على بُعد أسابيع من دخول السجن.
الجريمة التي لم تقع في رواية صاحبتها
لفهم سحر هذا الفيلم وخطورته في الوقت ذاته، لا بدّ من استحضار ما كانت عليه Elizabeth Holmes قبل سقوطها.
في عام 2015، كانت Theranos تُقدَّر قيمتها بـ9 مليارات دولار، وكانت Holmes أصغر امرأة أمريكية تحقق ثروتها بنفسها. ادّعت شركتها أن جهازها الثوري قادرٌ على إجراء أي فحص دم بقطرة صغيرة فقط فكرةٌ وُلدت، كما يُروى، من خوفها الشخصي من الإبر. استقطبت المستثمرين الكبار: Rupert Murdoch وLarry Ellison. وضمّ مجلس إدارتها أسماء من وزن George P. Shultz وHenry Kissinger وJames Mattis. كانت المنظومة كاملة: الرؤية، والمال، والشرعية.
لكن الجهاز لم يكن يعمل. التقنية لم تكتمل. والفحوصات التي كانت ستُجرى على مرضى حقيقيين كان يمكن أن تضرّهم. شريكها في العمل والحياة Ramesh "Sunny" Balwani أُدين هو الآخر. وانهارت الإمبراطورية.
غير أن Holmes لا تقرأ القصة بهذه الطريقة. تقول إنها لم تكذب قط في حياتها. تؤكد أن الجهاز كان يعمل، وأن "الكيمياء" فقط لم تكتمل بعد وهو تمييزٌ يبدو للآخرين كلاماً فارغاً، لكنه بالنسبة إليها حقيقةٌ راسخة. "إنها تدّعي أنها لم تفعل شيئاً خاطئاً، ومن الواضح أنها تؤمن بذلك"، كما يلاحظ الفيلم.
هنا يكمن ما يجعل هذه القضية مادةً نفسية ثرية بعيداً عن أبعادها القانونية: ليس الكذب الواعي ما يُفزع، بل الإيمان الراسخ بالرواية الخاصة حتى حين تتهاوى الأدلة. "إنها تمتلك حاجة النرجسي الخبيث إلى أن تعني الكلمات فقط ما تقرّره هي." وتدّعي أنها لم تكن تهتم بالمال أصلاً أن المشروع كان رسالةً إنسانية قبل كل شيء.
من يملك الصورة؟
ثمة طبقةٌ أخرى في هذا الفيلم تستحق التوقف عندها، وهي طبقةٌ تتجاوز شخصية Holmes نفسها.
شريكها Billy Evans — وريث فنادق كاليفورنية — هو من يتحكم في صورتها العامة. والأكثر إثارةً للتساؤل أنه أبرم اتفاقية تقاسم أرباح مع A24 دون علمها. امرأةٌ تقول إنها لم تكذب قط، تُدار صورتها من وراء ظهرها من قِبَل من تثق به. هل هذا حمايةٌ أم سيطرة؟ الفيلم يطرح السؤال ولا يُجيب عنه.
هذه التفاصيل — البيت الخشبي المطل على البحر، الأطفال، الشريك الذي يتفاوض على الأرباح — تُشكّل كادراً بصرياً مختلفاً عن كادر المتهمة في قاعة المحكمة. Holmes في هذا الفيلم ليست مجرّد رقمٍ في ملف قضائي. هي امرأةٌ تعيش حياةً عادية، وتؤمن بروايةٍ استثنائية عن نفسها، وعلى وشك أن تفقد تلك الحياة.
الخروج الأخير
ينتهي الفيلم بمشهدٍ لا يحتاج إلى تعليق: Holmes تودّع عائلتها وتدخل سجن Bryan في تكساس منشأةٌ ذات حراسة خفيفة، لكنها سجنٌ في نهاية المطاف. أحد عشر عاماً في انتظارها.
ما الذي يبقى بعد مشاهدة 174 دقيقة من هذا الفيلم؟ ليس الإجابة عن سؤال الذنب فالقضاء أجاب عنه. ما يبقى هو سؤالٌ أكثر إزعاجاً: كيف يبني الإنسان قناعاتٍ راسخة بما يريد أن يصدقه، ثم يعيش داخلها كأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة؟
Theranos لم تكن مجرد احتيال مالي. كانت في قراءة هذا الفيلم على الأقل نظام إيمانٍ كاملاً بنته امرأةٌ موهوبة وخطرة ومقتنعة، وأقنعت به أشخاصاً من أذكى المستثمرين وأكثرهم خبرةً في العالم. "مظهرها العام هو الصدق"، يلاحظ الفيلم والصدق المُؤدَّى بهذه الدرجة من الإتقان يصبح أخطر من الكذب الصريح.
Holmes ستخرج من السجن يوماً ما. والسؤال الذي لن يُجيب عنه أي فيلم هو: هل ستخرج بالرواية نفسها؟
أخبار ذات صلة

نقابة العمل: فيلم باربرا كوبل عن حقوق العمّال بين الغضب العادل والأمل الجماعي

تعاون تايلندي تايواني: Fearfolks وStudio76 يوقّعان عقد ثلاث أفلام رعب

محطة الفضاء الدولية: رائدة فضاء تحيي الذكرى الستين لـ Star Trek من المدار
