أجسام مضادة جديدة تمنع فيروس إبشتاين-بار وتحمي مرضى الزراعة
اكتشاف أجسام مضادة جديدة تمنع فيروس إبشتاين-بار من غزو خلايا المناعة ما يفتح أفقاً جديداً لحماية مرضى زراعة الأعضاء من سرطان خطير مرتبط بالفيروس ويخفف الحاجة لتثبيط المناعة. التفاصيل في وورلد برس عربي.

مئات الآلاف من مرضى زراعة الأعضاء حول العالم يواجهون كلّ عام خطراً صامتاً: فيروسٌ نائمٌ في خلاياهم، قد يستيقظ حين تُضعَف مناعتهم، ليتحوّل إلى سرطانٍ يُعرَف بـاضطرابات التكاثر اللمفي بعد الزراعة (PTLD). الفيروس المسؤول هو فيروس إبشتاين-بار (EBV)، أحد أكثر الفيروسات انتشاراً في تاريخ البشرية. وفي فبراير 2026، أعلن باحثون من مركز Fred Hutchinson للسرطان وجامعة University of Washington عن خطوةٍ قد تُغيّر هذه المعادلة: أجسامٌ مضادة جديدة تستطيع منع الفيروس من الدخول إلى خلايا المناعة من الأساس.
فيروس يُصيب 95% من البشر ولا علاج له حتى الآن
فيروس إبشتاين-بار ليس غريباً عن معظم أجسادنا؛ إذ يُصيب 95% من البالغين في العالم، وغالباً دون أعراض تُذكر. لكنّ الفيروس لا يرحل بعد الإصابة الأولى يبقى كامناً مدى الحياة في الخلايا البائية (B cells)، وهي خلايا مناعية محورية في الجهاز المناعي. وحين يكون الجسم في حالته الطبيعية، يُبقي المناعةُ الفيروسَ تحت السيطرة. لكن حين تُضعَف المناعة كما يحدث بعد زراعة الأعضاء أو نخاع العظم يجد الفيروس فرصته للتكاثر وإحداث أضرار بالغة.
أول ظهور للفيروس يكون أحياناً على شكل الحُمّى الغدّية (Infectious Mononucleosis)، وهي مرضٌ شائع لدى المراهقين والشباب. لكنّ الصورة الأخطر تتجلّى في الارتباط الموثَّق بين EBV وعددٍ من السرطانات، فضلاً عن التصلّب المتعدد (Multiple Sclerosis). ولسنوات طويلة، ظلّ تطوير علاجٍ فعّال أو جسمٍ مضاد واقٍ أمراً عسيراً، لأسبابٍ تتعلّق بطبيعة الفيروس ذاته.
يُلخّص Andrew McGuire، الكيميائي الحيوي الذي قاد البحث، هذه الصعوبة بقوله: "إيجاد أجسامٍ مضادة بشرية تمنع فيروس إبشتاين-بار من إصابة خلايا مناعتنا كان أمراً بالغ الصعوبة، لأنّ هذا الفيروس خلافاً لفيروسات أخرى يجد طريقةً للارتباط بكلّ خلية B تقريباً في أجسامنا."
كيف يعمل الجسم المضاد الجديد؟
يرتكز الاكتشاف على استهداف بروتينَين يوجدان على سطح الفيروس: gp350 وgp42. هذان البروتينان هما ما يستخدمه الفيروس للارتباط بـالخلايا البائية وغزوها. حين يُعطَّل هذان البروتينان، يفقد الفيروس قدرته على الدخول إلى الخلية المناعية، وبذلك تنتهي دورة العدوى قبل أن تبدأ.
عزل الفريقُ البحثي 10 أجسامٍ مضادة في المجموع: 2 تستهدف بروتين gp350، و8 تستهدف بروتين gp42. وفي التجارب التي أُجريت على الفئران ذات الأجهزة المناعية المشابهة للبشر، نجح أحد هذه الأجسام المضادة في الوقاية من الإصابة بالفيروس داخل الجسم الحي (In Vivo). نُشرت نتائج هذا البحث في مجلة Cell Reports Medicine عام 2026.
وتصف Crystal Chhan، عالمة أمراض الأنسجة المشاركة في الدراسة، أهمية هذا الاكتشاف بأبعادٍ تتجاوز الفيروس الواحد: "لم نكتفِ بتحديد أجسامٍ مضادة مهمة ضد فيروس إبشتاين-بار، بل تحقّقنا أيضاً من صحة نهجٍ جديد ومبتكر لاكتشاف أجسامٍ مضادة واقية ضد مسبّبات أمراض أخرى." وتُضيف بصدقٍ علمي لافت: "بوصفي عالمةً في بداية مسيرتها، كان هذا الاكتشاف مثيراً للغاية، وقد أعانني على تقدير كيف يقود العلم أحياناً إلى اكتشافاتٍ غير متوقّعة."
الفائدة الأكبر: من يستفيد أولاً؟
تتمحور الفائدة الأكثر إلحاحاً حول مرضى زراعة الأعضاء ونخاع العظم. يجري سنوياً مئات الآلاف من عمليات الزراعة حول العالم، ويُعدّ هؤلاء المرضى الفئةَ الأعلى خطراً للإصابة بـPTLD، وهو سرطانٌ ناجمٌ عن تكاثر الخلايا البائية خارج السيطرة في ظلّ المناعة المُثبَّطة. وتُشير Rachel Bender Ignacio، طبيبة الأمراض المعدية المشاركة في البحث، إلى الأثر المنتظر بوضوح: "منع تكاثر فيروس إبشتاين-بار في الدم لديه إمكانيةٌ قوية لتقليل معدّل الإصابة بـPTLD والحدّ من الحاجة إلى تخفيض مستوى تثبيط المناعة."
هذه النقطة الأخيرة ذات أهمية سريرية بالغة: تخفيض تثبيط المناعة يُعرّض المريض لخطر رفض العضو المزروعة، وهو معضلةٌ يواجهها الأطباء يومياً. إن أمكن الوقاية من PTLD بأجسامٍ مضادة بدلاً من تخفيض الأدوية المثبّطة للمناعة، فإنّ ذلك يعني حلاً لمعادلةٍ كانت تبدو متعارضة.
ثمّة فئةٌ أخرى قد تستفيد بشكلٍ خاص: الأطفال الذين يخضعون لعمليات الزراعة، والذين قد لا يكونون قد تعرّضوا للفيروس بعد. إذ يمكن لهذه الأجسام المضادة أن تمنع الإصابة الأوّلية بالكامل، بدلاً من مجرد السيطرة على فيروسٍ كامن.
خطواتٌ لا تزال أمام العيادة
لا يزال الطريق إلى التطبيق السريري طويلاً. الخطوة التالية هي اختبارات السلامة على البشر، ثم التجارب السريرية المرحلية. وهذا ما تقتضيه المنهجية العلمية السليمة قبل أيّ استخدامٍ علاجي.
غير أنّ McGuire لا يُخفي ثقل هذه اللحظة في مسار البحث العلمي: "بعد سنواتٍ طويلة من البحث عن طريقةٍ قابلة للتطبيق للحماية من فيروس إبشتاين-بار، يُمثّل هذا تقدّماً مهماً للمجتمع العلمي وللأشخاص الأكثر عرضةً لخطر المضاعفات الناجمة عن هذا الفيروس." ويُعبّر عن الرؤية الأشمل لفريقه: "قرّرنا استخدام تقنياتٍ جديدة لمحاولة سدّ هذه الفجوة المعرفية، وانتهى بنا الأمر إلى اتّخاذ خطوةٍ حاسمة نحو إيقاف أحد أكثر فيروسات العالم شيوعاً."
بالنسبة لمنطقتنا العربية وشمال أفريقيا، حيث تتنامى برامج زراعة الأعضاء في مراكز مرجعية كبرى في المغرب ومصر والسعودية والإمارات، يُمثّل هذا البحث بارقةَ أملٍ حقيقية. السؤال المطروح الآن ليس إن كانت هذه الأجسام المضادة ستصل إلى العيادة، بل متى وهل ستكون متاحةً بتكلفةٍ في متناول أنظمةٍ صحية تسعى جاهدةً لتوسيع تغطيتها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
