ذوبان الجليد يعيد تشكيل كوكب الأرض ببطء
الأرض تتغير بشكل غير متوقع بسبب ذوبان الجليد القطبي ارتفاع القطبين وهبوط الاستواء يعيدان تشكيل القشرة الصلبة وتوزيع الكتل المائية مما يؤثر على المناخ ومستقبل مستويات سطح البحر تابع التفاصيل مع وورلد برس عربي

كوكبنا يتشوّه بصمت: كيف يعيد الجليد الذائب رسمَ شكل الأرض؟
ليس شكل الأرض ثابتاً كما تُوحي به الكرات الجغرافية المعلّقة في فصول الدراسة. الكوكب الذي نعيش عليه يتحوّل ببطء، لكن بصورة قابلة للقياس، وما كان يبدو حركةً جيولوجية هادئة ومتوقّعة بات يُسارع وتيرته بما يلفت انتباه الباحثين. دراسةٌ نُشرت في مجلة «Journal of Geophysical Research: Solid Earth» تكشف أن الأرض تُعيد توزيع كتلتها على نحوٍ غير مسبوق، وأن ذوبان الجليد القطبي يقف خلف هذا التحوّل المزدوج في شكل القشرة الصلبة وفي شكل الحقل الجاذبي معاً.
الأرض ليست كرةً مثالية ولم تكن يوماً كذلك
لفهم ما تكشفه الدراسة، لا بدّ من استحضار حقيقةٍ فيزيائية أساسية: الأرض تنتفخ عند خطّ الاستواء وتنبسط عند القطبين، وذلك بسبب دورانها حول محورها. هذا الانتفاخ الاستوائي ليس مجرّد تفصيلٍ هندسي، بل له انعكاساتٌ مباشرة على توزيع الكتلة وعلى شكل الحقل الجاذبي للكوكب وهو ما يُعرف علمياً بـ«الجيويد» (Geoid)، أي الشكل الافتراضي الذي تتّخذه الأرض استناداً إلى توزيع الجاذبية لا إلى تضاريس السطح.
منذ السبعينيات، بدأ العلماء يرصدون تغيّرات في شكل الجيويد نتيجة إعادة توزيع الكتل. في الثمانينيات والتسعينيات، بدا أن الانتفاخ الاستوائي في الحقل الجاذبي يتراجع، أي أن الجيويد كان يميل نحو التكوير. لكن في أواخر التسعينيات، انعكس هذا الاتجاه فجأة: بدأ الجيويد يزداد تسطّحاً مجدّداً، ولا يزال يسير في هذا المنحى حتى اليوم.
قطبان يرتفعان، واستواءٌ يغوص
ما تُضيفه الدراسة الجديدة هو الصورة الأكثر اكتمالاً لما يجري على القشرة الصلبة نفسها، لا على الحقل الجاذبي فحسب. اعتمد الباحثون على بيانات شبكة محطات النظام العالمي للملاحة الفضائية (GNSS) الموزّعة حول العالم، وتحليل سجلّاتها الممتدة بين عامَي 1997 و2015.
النتائج صريحة: معدّل الارتفاع في المناطق القطبية تضاعف في أقلّ من عشرين عاماً، إذ انتقل من نحو 0.5 ملم في السنة خلال الفترة الممتدة بين 1997 و2000، إلى ما يقارب 1 ملم في السنة بحلول عام 2015. في الوقت ذاته، كانت المناطق الاستوائية تغوص بمعدّلاتٍ متصاعدة خلال المرحلة نفسها.
الآلية التي تقف وراء ذلك مرتبطةٌ ارتباطاً مباشراً بذوبان الجليد في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية. حين تفقد هذه المناطق كتلتها الجليدية الهائلة، تتحرّر القشرة الأرضية تحتها من الضغط وتنتعش تدريجياً وهي الظاهرة التي يُسمّيها الجيولوجيون «التعديل الإيزوستاتي الجليدي» (Glacial Isostatic Adjustment). وقد بدأت هذه العملية منذ نهاية العصر الجليدي الأخير قبل نحو 11,000 عام، لكنّ ما نشهده اليوم هو تسارعٌ في وتيرتها يعكس حجم الفقد الجليدي الراهن.
في المقابل، يتوجّه ماء الذوبان نحو خطوط العرض المنخفضة، فيُضيف كتلةً إضافية على المناطق الاستوائية، ما يُفسّر تصاعد معدّلات الهبوط هناك.
تناقضٌ ظاهري، وتوافقٌ فيزيائي
ما يجعل هذه الدراسة لافتةً من الناحية العلمية هو أنّها تكشف عن اتجاهَين متعاكسَين يسيران في آنٍ واحد: القشرة الصلبة تصير أقلّ تسطّحاً (أي أكثر كرويةً)، في حين يزداد الجيويد الحقل الجاذبي تسطّحاً. قد يبدو هذا التناقض محيّراً للوهلة الأولى، لكنّ كريستوفر كوتساكيس، الجيولوجي في جامعة Aristotle University of Thessaloniki اليونانية والباحث المشارك في الدراسة، يُقدّم تفسيراً واضحاً.
يقول كوتساكيس: "تُشير نتائجنا إلى تسارع في الارتفاع القطبي مصحوبٍ بمعدّل متصاعد من الهبوط الاستوائي. وهذا يعني أن الشكل الإجمالي للأرض الصلبة يصير أقلّ تسطّحاً بصورة طفيفة."
وحين يُواجَه بالتساؤل عن التناقض الظاهري بين اتجاه القشرة الصلبة واتجاه الجيويد، يُجيب: "قد يبدو هذا السلوك مُعاكساً للحدس حين يُقارَن بالتراجع المتزامن في تسطّح الأرض الصلبة، غير أن التأثيرَين متوافقان فيزيائياً."
والتفسير يكمن في أن الجيويد لا يعكس شكل السطح الصلب مباشرةً، بل يعكس توزيع الكتلة في الداخل والخارج معاً. فحين يذوب الجليد ويتوزّع الماء نحو الاستواء، تزداد الكتلة هناك، فيزداد الجاذبي الاستوائي قوةً، ما يُبقي الجيويد مُنتفخاً عند الاستواء رغم أن السطح الصلب يسير في الاتجاه المعاكس.
ما الذي يعنيه هذا لمنطقتنا؟
من منظور الصحة العامة والبيئة، تبقى هذه التحوّلات في شكل الأرض بعيدةً عن التأثير المباشر على حياة الناس اليومية. لكنّها تحمل دلالاتٍ عميقة لفهم منظومة المناخ وتداعياتها. فالهبوط الاستوائي المتصاعد يعني أن توزيع الكتل المائية يتغيّر، وهو ما يؤثّر على نماذج التنبّؤ بمستوى سطح البحر وهي نماذج تعتمد عليها دول ساحلية كثيرة في شمال أفريقيا، من المغرب إلى مصر، في تخطيطها للتكيّف مع التغيّر المناخي.
السؤال الذي تتركه الدراسة مفتوحاً هو: هل سيستمرّ هذا التسارع في الوتيرة؟ البيانات المتاحة تمتدّ حتى عام 2015، وما شهده العالم من ذوبانٍ جليدي منذ ذلك الحين يُرجّح أن الأرقام باتت أكبر. الدراسة كاملة متاحة للاطّلاع، فيما يُتيح المعهد الألماني لبحوث الجيوفيزياء (GFZ) شرحاً مفصّلاً لظاهرة التعديل الإيزوستاتي الجليدي لمن يرغب في التعمّق أكثر. الكوكب يتحدّث — والأدوات باتت تسمعه بدقّةٍ لم تكن متاحةً من قبل.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
