وورلد برس عربي logo

انفصال قشرة الأرض تحت جبال الأبنين يكشف أسرار جديدة

اكتشف علماء الأرض ظاهرة نادرة تحت جبال الأبنين في إيطاليا حيث تنفتح قشرة الأرض كالسحّاب وسط تمدد وضغط متزامنين. دراسة توثق هذه العملية الجيولوجية الحية وتغير فهمنا للنشاط الزلزالي في المنطقة وورلد برس عربي.

مخططات جيولوجية توضح عملية تقشّر قشرة الأرض تحت جبال الأبنين الإيطالية وتأثيرها على الزلازل والتمدّد والانضغاط في القشرة الأرضية.
تُظهر المقاطع العرضية عبر الأبينين الشمالية والوسطى والجنوبية تداخل طبقة الموهو التيرينية والأدرياتية وانفصال القشرة السفلية تحت سلسلة الجبال. (تافاني وآخرون، الاتصالات في الأرض والبيئة 2026)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قشرة الأرض تحت إيطاليا "تنفتح كسحّاب": ماذا اكتشف الجيولوجيون؟

يبدو المشهد التكتوني تحت جبال الأبنين الإيطالية متناقضاً للوهلة الأولى: زلازل تُشير إلى أن القشرة الأرضية تتمدّد في مكانٍ ما، بينما تُسجّل زلازل أخرى على الجانب الآخر من نفس السلسلة الجبلية ضغطاً وانضغاطاً. كيف يمكن لمنطقةٍ واحدة أن تتمدّد وتنضغط في آنٍ معاً؟ هذا هو السؤال الذي حاول فريقٌ من الجيولوجيين بقيادة Stefano Tavani من جامعة Florence الإجابة عنه، وقد نشروا نتائجهم عام 2024 في مجلة Communications Earth & Environment.

جبال الأبنين الإيطالية عند غروب الشمس تظهر تضاريسها الصخرية مع تدرجات ألوان دافئة، مشهد يعكس التغيرات الجيولوجية والتكتونية في المنطقة.
Loading image...
لقد حيرت الجيولوجيا المتناقضة لسلسلة جبال الأبينين العلماء لفترة طويلة. (باولو كورسيتّي/مومنت/غيتي إيمجز)

ما الذي يجري تحت الأبنين؟

تمتدّ جبال الأبنين على طول شبه الجزيرة الإيطالية بنحو 1,200 كيلومتر (ما يعادل 745 ميلاً)، وقد نشأت أصلاً من تصادم الصفائح التكتونية التي سمّكت القشرة الأرضية على مدى ملايين السنين. غير أن ما يجري اليوم في أعماق هذه السلسلة يتجاوز ما تُفسّره النماذج التكتونية الكلاسيكية.

الظاهرة التي رصدها الباحثون تُعرف بـ"التقشّر" أو الانفصال الطبقي (Delamination)، وهي عملية تنفصل فيها الطبقات السفلية الكثيفة من القشرة الأرضية والغلاف الصخري (Lithosphere) وتغوص ببطء نحو الوشاح (Mantle) الأعمق. تخيّل قطعة خبزٍ تنفصل طبقاتها من الأسفل وتهوي إلى الأعماق هكذا تقريباً تسير العملية. ويتحرّك ما يُسمّى "محور التقشّر" أو الحافة الفاصلة لهذه العملية باتجاه منطقة الأدرياتيك الأمامية (Adriatic foreland)، مُخلّفاً وراءه قشرةً ترتفع للأعلى بعد أن تحلّ محلّ المادة الكثيفة الغائرة مادةٌ خفيفة من الوشاح.

الأرقام التي تروي القصة

لا تبقى هذه العملية في عالم النظرية؛ فقياسات GPS تُوثّق تمدّداً بمعدّل نحو 4 ملّيمترات في السنة عبر الحزام الجبلي، في حين يُسجَّل انضغاطٌ بمعدّل نحو 2 ملّيمتر في السنة عند الحافة الخارجية للسلسلة. وقد وصف الباحثون هذا التشوّه بأنه يشبه حركة "الأكورديون": تمدّدٌ داخلي مقترنٌ بتقصيرٍ عند الجبهة الأمامية.

وتكشف البيانات الجيولوجية أن الصورة لم تكن دائماً هكذا. بين 10 ملايين و2 مليون سنة مضت، كان ثمّة توازنٌ نسبي: تقصيرٌ في القشرة بمقدار نحو 100 كيلومتر رافقه تمدّدٌ مماثل خلف الجبال. ثم، قبل نحو مليوني سنة، توقّف التمدّد الذي كان يُوسّع بحر التيراني (Tyrrhenian Sea) خلف الأبنين، وتباطأ التقصير على طول الجبهة الأمامية للسلسلة. وهنا بدأ النمط الحالي الأكثر تعقيداً.

أحد الأدلة الجيوفيزيائية الأكثر إثارةً في الدراسة هو اكتشاف منطقة بطول 500 كيلومتر، تتداخل فيها حدود موهوروفيتشيتش (Moho) وهي الحدّ الفاصل بين القشرة والوشاح من الجانب التيراني مع نظيرتها من الجانب الأدرياتيكي. هذا التداخل هو البصمة الهيكلية لعملية التقشّر وهي تسير.

لماذا لم تكفِ النظريات السابقة؟

لفهم أهمية هذا الاكتشاف، لا بدّ من الإشارة إلى أن التفسير السائد سابقاً لهذه الظاهرة كان يعتمد على ما يُعرف بـ"انسحاب الصفيحة الغائرة" (Slab rollback)، أي تراجع الصفيحة التكتونية الغائرة إلى الخلف. وقد أجاب هذا النموذج عن كثيرٍ من الأسئلة المتعلقة بالنشاط التكتوني السابق في المنطقة، لكنّه عجز عن تفسير النمط الراهن من التشوّه المتزامن.

وليس هذا التناقض وليد اليوم؛ إذ أشارت دراسة نُشرت في مجلة Annals of Geophysics عام 2006 إلى أن "مفارقة كيفية حدوث الانضغاط الأفقي والتمدّد في آنٍ واحد في سلاسل جبلية تقاربية تظلّ مشكلةً أساسية وغير محسومة إلى حدٍّ بعيد في ديناميكيات القارّات". ما يقدّمه Tavani وزملاؤه الآن هو إجابةٌ مدعومة بالبيانات.

توثيقٌ حيّ لعملية جيولوجية نادرة

ما يُميّز هذه الدراسة ليس فقط التفسير النظري، بل الطابع التوثيقي الفريد لها. يصف الباحثون عملهم بأنه "توثيقٌ تجريبي مقيَّد جيوديسياً لحافة تقشّرٍ تتنقّل جانبياً، تتتبّع في الزمن الحقيقي عملية انسلاخ الغلاف الصخري الوشاحي". بمعنى آخر، نحن لا نستنتج ما جرى في الماضي السحيق فحسب، بل نرصد عمليةً جيولوجية بالغة التعقيد وهي تحدث الآن، تحت أقدامنا.

هذا الاكتشاف يطرح تساؤلات مفتوحة حول مدى انتشار ظاهرة التقشّر في سلاسل جبلية أخرى حول العالم، وما إذا كانت النماذج الجيوفيزيائية المعتمدة حالياً لفهم النشاط الزلزالي في مناطق التقارب التكتوني ومنها مناطق في حوض البحر المتوسط — بحاجةٍ إلى مراجعة على ضوء هذه النتائج.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية