انفصال قشرة الأرض تحت جبال الأبنين يكشف أسرار جديدة
اكتشف علماء الأرض ظاهرة نادرة تحت جبال الأبنين في إيطاليا حيث تنفتح قشرة الأرض كالسحّاب وسط تمدد وضغط متزامنين. دراسة توثق هذه العملية الجيولوجية الحية وتغير فهمنا للنشاط الزلزالي في المنطقة وورلد برس عربي.

قشرة الأرض تحت إيطاليا "تنفتح كسحّاب": ماذا اكتشف الجيولوجيون؟
يبدو المشهد التكتوني تحت جبال الأبنين الإيطالية متناقضاً للوهلة الأولى: زلازل تُشير إلى أن القشرة الأرضية تتمدّد في مكانٍ ما، بينما تُسجّل زلازل أخرى على الجانب الآخر من نفس السلسلة الجبلية ضغطاً وانضغاطاً. كيف يمكن لمنطقةٍ واحدة أن تتمدّد وتنضغط في آنٍ معاً؟ هذا هو السؤال الذي حاول فريقٌ من الجيولوجيين بقيادة Stefano Tavani من جامعة Florence الإجابة عنه، وقد نشروا نتائجهم عام 2024 في مجلة Communications Earth & Environment.
ما الذي يجري تحت الأبنين؟
تمتدّ جبال الأبنين على طول شبه الجزيرة الإيطالية بنحو 1,200 كيلومتر (ما يعادل 745 ميلاً)، وقد نشأت أصلاً من تصادم الصفائح التكتونية التي سمّكت القشرة الأرضية على مدى ملايين السنين. غير أن ما يجري اليوم في أعماق هذه السلسلة يتجاوز ما تُفسّره النماذج التكتونية الكلاسيكية.
الظاهرة التي رصدها الباحثون تُعرف بـ"التقشّر" أو الانفصال الطبقي (Delamination)، وهي عملية تنفصل فيها الطبقات السفلية الكثيفة من القشرة الأرضية والغلاف الصخري (Lithosphere) وتغوص ببطء نحو الوشاح (Mantle) الأعمق. تخيّل قطعة خبزٍ تنفصل طبقاتها من الأسفل وتهوي إلى الأعماق هكذا تقريباً تسير العملية. ويتحرّك ما يُسمّى "محور التقشّر" أو الحافة الفاصلة لهذه العملية باتجاه منطقة الأدرياتيك الأمامية (Adriatic foreland)، مُخلّفاً وراءه قشرةً ترتفع للأعلى بعد أن تحلّ محلّ المادة الكثيفة الغائرة مادةٌ خفيفة من الوشاح.
الأرقام التي تروي القصة
لا تبقى هذه العملية في عالم النظرية؛ فقياسات GPS تُوثّق تمدّداً بمعدّل نحو 4 ملّيمترات في السنة عبر الحزام الجبلي، في حين يُسجَّل انضغاطٌ بمعدّل نحو 2 ملّيمتر في السنة عند الحافة الخارجية للسلسلة. وقد وصف الباحثون هذا التشوّه بأنه يشبه حركة "الأكورديون": تمدّدٌ داخلي مقترنٌ بتقصيرٍ عند الجبهة الأمامية.
وتكشف البيانات الجيولوجية أن الصورة لم تكن دائماً هكذا. بين 10 ملايين و2 مليون سنة مضت، كان ثمّة توازنٌ نسبي: تقصيرٌ في القشرة بمقدار نحو 100 كيلومتر رافقه تمدّدٌ مماثل خلف الجبال. ثم، قبل نحو مليوني سنة، توقّف التمدّد الذي كان يُوسّع بحر التيراني (Tyrrhenian Sea) خلف الأبنين، وتباطأ التقصير على طول الجبهة الأمامية للسلسلة. وهنا بدأ النمط الحالي الأكثر تعقيداً.
أحد الأدلة الجيوفيزيائية الأكثر إثارةً في الدراسة هو اكتشاف منطقة بطول 500 كيلومتر، تتداخل فيها حدود موهوروفيتشيتش (Moho) وهي الحدّ الفاصل بين القشرة والوشاح من الجانب التيراني مع نظيرتها من الجانب الأدرياتيكي. هذا التداخل هو البصمة الهيكلية لعملية التقشّر وهي تسير.
لماذا لم تكفِ النظريات السابقة؟
لفهم أهمية هذا الاكتشاف، لا بدّ من الإشارة إلى أن التفسير السائد سابقاً لهذه الظاهرة كان يعتمد على ما يُعرف بـ"انسحاب الصفيحة الغائرة" (Slab rollback)، أي تراجع الصفيحة التكتونية الغائرة إلى الخلف. وقد أجاب هذا النموذج عن كثيرٍ من الأسئلة المتعلقة بالنشاط التكتوني السابق في المنطقة، لكنّه عجز عن تفسير النمط الراهن من التشوّه المتزامن.
وليس هذا التناقض وليد اليوم؛ إذ أشارت دراسة نُشرت في مجلة Annals of Geophysics عام 2006 إلى أن "مفارقة كيفية حدوث الانضغاط الأفقي والتمدّد في آنٍ واحد في سلاسل جبلية تقاربية تظلّ مشكلةً أساسية وغير محسومة إلى حدٍّ بعيد في ديناميكيات القارّات". ما يقدّمه Tavani وزملاؤه الآن هو إجابةٌ مدعومة بالبيانات.
توثيقٌ حيّ لعملية جيولوجية نادرة
ما يُميّز هذه الدراسة ليس فقط التفسير النظري، بل الطابع التوثيقي الفريد لها. يصف الباحثون عملهم بأنه "توثيقٌ تجريبي مقيَّد جيوديسياً لحافة تقشّرٍ تتنقّل جانبياً، تتتبّع في الزمن الحقيقي عملية انسلاخ الغلاف الصخري الوشاحي". بمعنى آخر، نحن لا نستنتج ما جرى في الماضي السحيق فحسب، بل نرصد عمليةً جيولوجية بالغة التعقيد وهي تحدث الآن، تحت أقدامنا.
هذا الاكتشاف يطرح تساؤلات مفتوحة حول مدى انتشار ظاهرة التقشّر في سلاسل جبلية أخرى حول العالم، وما إذا كانت النماذج الجيوفيزيائية المعتمدة حالياً لفهم النشاط الزلزالي في مناطق التقارب التكتوني ومنها مناطق في حوض البحر المتوسط — بحاجةٍ إلى مراجعة على ضوء هذه النتائج.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
