اكتشاف حصن لوتيسيا الكلتي يكشف سر باريس القديمة
اكتشاف أثري مذهل يكشف الموقع الحقيقي لمدينة لوتيسيا الكلتية تحت مستشفى قديم في باريس يعزز رواية يوليوس قيصر ويعيد كتابة تاريخ المدينة عبر جدار حصن محروق وآثار نادرة محفوظة بتقنية ثلاثية الأبعاد على وورلد برس عربي.

تحت فناء أحد أقدم المستشفيات العاملة في العالم، وعلى بعد خطوات من كاتدرائية نوتردام، عثر علماء الآثار على ما ظل يُراوغ الباحثين لقرون: الموقع الفعلي لمدينة لوتيسيا (Lutetia) الكلتية التي أحرقها سكانها بأنفسهم قبل أن يستولي عليها الرومان. الاكتشاف، الذي جرى تحت فناء مستشفى Hôtel-Dieu في جزيرة إيل دو لا سيتيه (Île-de-la-Cité) وسط نهر السين، يقدّم لأول مرة دليلاً مادياً ملموساً على رواية يوليوس قيصر نفسه في كتابه عن الحروب الغالية.
ماذا وجد الفريق تحديداً؟
بدأت أعمال التنقيب في فبراير، وكشفت عن جدار حصن يمتد على طول 20 متراً (65 قدماً)، مبنيّ بمزيج من الحجر والخشب، وهي تقنية بناء نموذجية للتحصينات الكلتية. الكتل الكبيرة ونظام العوارض المتشابكة الذي يميز الجدار دفعا فريق التنقيب إلى استنتاجٍ مباشر بشأن هويته. تقول دوروتيه شاوي-درييو (Dorothée Chaoui-Derieux)، كبيرة أمناء التراث في مصلحة الآثار الجهوية لمنطقة إيل دو فرانس: «إن بنية الجدار، بكتلها الكبيرة ونظام العوارض المتشابكة، قادتنا فوراً إلى الاعتقاد بأنه جدار من التقاليد الغالية».
الدلائل لا تتوقف عند شكل البناء. فقد عثر الفريق على واجهة محترقة، وبذور محروقة، ومبنى خشبي مجاور تعرّض للحريق بشكل واضح، إلى جانب قطع أثرية تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد. أما النتائج الأولية لتأريخ الكربون المشع للعناصر الخشبية فتشير إلى نطاق زمني يمتد بين 200 و10 قبل الميلاد. وتضيف شاوي-درييو: «النتائج الأولية لتأريخ الكربون المشع للعناصر الخشبية تشير إلى نطاق زمني بين 200 و10 قبل الميلاد. علاوة على ذلك، عُثر على رأس رمح غالي عند سفح الجدار».
لغز استمر لقرون
لطالما ورد ذكر معركة لوتيسيا في كتاب قيصر «الحروب الغالية»، حيث انتصر الرومان انتصاراً حاسماً على قبيلة الباريسي (Parisii) الكلتية عام 52 قبل الميلاد، في خضم الحروب الغالية التي امتدت بين عامَي 58 و50 قبل الميلاد. وتذكر الرواية التاريخية أن الغال أحرقوا مدينتهم وقطعوا الجسور المحيطة بها لمنع قيصر من الاستيلاء عليها سليمة. غير أن الموقع الدقيق لهذه المدينة، التي كانت عاصمة قبيلة الباريسي المستقرة على ضفاف نهر السين، ظل موضع جدل أكاديمي لقرون، إذ لم يُعثر سابقاً على حصنها القديم.
هذا ما يجعل الاكتشاف الحالي مفصلياً بالنسبة للباحثين. يقول ستيفان ديشون (Stéphane Deschamps)، أمين الآثار الجهوي في مصلحة الآثار الجهوية لمنطقة إيل دو فرانس: «هذا الاكتشاف يسدّ فجوة أثرية. فلعدة قرون، ظل موقع لوتيسيا موضع نقاش». الأدلة المكتشفة من طراز البناء إلى آثار الحريق ورأس الرمح تتقاطع بشكل متسق مع رواية قيصر، وتشير إلى أن لوتيسيا كانت متمركزة فعلياً على جزيرة السين نفسها، حيث يقع اليوم قلب باريس التاريخي.
هشاشة الأثر وحلّ التوثيق الرقمي
من الناحية المنهجية، يواجه فريق التنقيب معضلة مألوفة في علم الآثار: التعرّض الشديد للحريق الذي جعل الجدار دليلاً حاسماً على الرواية التاريخية هو نفسه ما جعله هشّاً للغاية، بحيث يستحيل الحفاظ على بقاياه كاملةً في موقعها. الحل الذي اعتمده الفريق هو إنشاء نسخة طبق الأصل بتقنية التصوير الفوتوغرامتري ثلاثي الأبعاد (3D-photogrammetry)، لضمان إتاحة الاطلاع على الاكتشاف للجمهور رغم استحالة الحفاظ المادي الكامل عليه.
يبقى السؤال المفتوح الآن متعلقاً بمدى امتداد هذا الحصن تحت باقي أنحاء الجزيرة، وما إذا كانت أعمال التنقيب المستقبلية في محيط Hôتيل-ديو أو نوتردام ستكشف عن أجزاء إضافية من المدينة الكلتية التي ظلت مطمورة تحت طبقات من التاريخ الروماني والفرنسي لأكثر من ألفي عام. فما بدأ كتنقيب روتيني تحت فناء مستشفى تحوّل إلى واحدة من أهم اللحظات الأثرية التي تعيد كتابة الفصل الأول من تاريخ باريس نفسها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
