اكتشاف جديد يكشف أسرار انصهار الألماس في أعماق الكون
اكتشف كيف صحّحت دراسة جديدة خطأً علمياً في درجة انصهار الألماس وفسّرت انتقاله المباشر من صلب إلى سائل موصل للكهرباء تحت ضغط هائل، وتأثير ذلك على تجارب الاندماج النووي وفهم باطن كواكب عملاقة في وورلد برس عربي.

لم يكن الألماس يوماً مجرّد حجرٍ كريم أو رمزٍ للصلابة؛ فهو في قلب بعض أكثر التجارب العلمية تطرّفاً في العالم، من محاكاة أعماق الكواكب العملاقة إلى تصميم كبسولات الاندماج النووي. لكنّ بياناتٍ أساسية عن هذه المادة ظلّت مشوّهةً لعقود: نقطة انصهاره القياسية كانت خاطئة بأكثر من 700 درجة مئوية. اليوم، نشرت مجلة Nature Physics في 13 أغسطس 2026 دراسةً يقودها الباحث Marius Millot من مختبر Lawrence Livermore الوطني في كاليفورنيا، تُصحّح هذا الخطأ وتُغلق جدلاً علمياً طال أمده.
الخطأ الذي تراكم عليه العلم عقوداً
كانت القياسات السابقة لنقطة انصهار الألماس تُظهر فارقاً يبلغ 20% بين ما تقيسه التجارب وما تتنبّأ به النماذج النظرية وهو فارقٌ ضخم في الفيزياء عالية الضغط. الدراسة الجديدة تحسم هذه المسألة: ينصهر الألماس عند نحو 6,727 درجة مئوية (ما يعادل 12,140 درجة فهرنهايت)، وتحت ضغوط تتراوح بين 660 و1,060 غيغاباسكال. هذه القيم تتطابق مع التنبّؤات النظرية، وتُنهي الخلاف الذي كان يُقلق الباحثين منذ سنوات.
والأهم من الرقم نفسه هو ما كشفته التجربة عن طبيعة الانصهار: الألماس لا يمرّ بمرحلة صلبة وسيطة أخرى قبل أن يتحوّل إلى سائل، بل ينتقل مباشرةً من الصلب إلى السائل. وهذا الكربون السائل الناتج ليس مجرّد مادةٍ مصهورة عادية؛ إنّه موصلٌ للكهرباء وذو طابعٍ معدني، وكثافته أعلى من كثافة الألماس الصلب وهي خاصيةٌ نادرة تستحق الانتباه.
داخل التجربة: حرارةٌ تفوق سطح الشمس
لإنجاز هذه القياسات، استخدم الفريق موجات صدمة ليزرية فوق بنفسجية لضغط صفائح ألماس اصطناعية صغيرة بصورة مفاجئة وهائلة. يصف Millot ما جرى بقوله: "تمكّنّا من أخذ عيّنات ألماس صغيرة وضغطها بموجات صدمة إلى درجات حرارة أعلى من سطح الشمس وإلى ضغوطٍ تفوق ما في مركز Neptune وUranus ومع ذلك قِسنا البنية الذرية ودرجة الحرارة والكثافة والانعكاسية الضوئية."
هذه القدرة على القياس الدقيق في ظروف بالغة القسوة هي ما يجعل النتائج موثوقة. فالتجارب السابقة كانت تعاني من صعوبة ضبط المتغيّرات عند هذه المستويات الحدّية، وهو ما أدّى إلى تراكم الخطأ في البيانات المرجعية.
لماذا يهمّ هذا الاندماجَ النووي؟
الاندماج النووي هو الطاقة التي تُشغّل النجوم، وهو الهدف الذي تسعى إليه مختبرات عالمية منذ عقود بوصفه مصدراً محتملاً للطاقة النظيفة في المستقبل. في تجارب الاندماج الحالية، تُستخدم ليزرات قوية لصهر كبسولات ألماس تحتوي على الديوتيريوم والتريتيوم وسحقها، وذلك تحت ضغوط تتجاوز 30 بيتاباسكال ودرجات حرارة تفوق 100 مليون درجة مئوية.
دقّة نماذج سلوك الألماس في هذه الظروف تؤثّر مباشرةً في تصميم هذه التجارب وكفاءتها. والخطأ الذي كان قائماً في قياسات نقطة الانصهار كان يعني أنّ النماذج الحاسوبية المستخدمة لتصميم الكبسولات تعمل على بياناتٍ منقوصة. تصحيح هذا الخطأ يُتيح تحسين هذه النماذج، وهو خطوةٌ ذات قيمة عملية لا نظرية فحسب.
مطرٌ من الألماس في أعماق الكواكب العملاقة
تمتدّ تداعيات الدراسة إلى ما هو أبعد من المختبر. منذ أواخر الثمانينيات، حين أرسل المسبار Voyager 2 بياناته عن Uranus وNeptune، يُرجّح العلماء أنّ باطن هذين الكوكبَين العملاقَين الجليديَّين يحتوي على ظاهرةٍ غريبة: مطرٌ من الألماس يتساقط في محيطاتٍ من الكربون السائل. وفق هذا التصوّر، تطفو قطعٌ من الألماس الصلب فوق سطح كربون سائل معدني في أعماق عباءة الكوكبَين.
النتائج الجديدة تُعزّز هذه الصورة وتمنحها أساساً تجريبياً أمتن. فمعرفة الضغوط ودرجات الحرارة التي يتحوّل عندها الألماس إلى سائل كربوني موصل تُساعد على بناء نماذج أكثر دقّةً لبنية هذين الكوكبَين الداخلية، وهي نماذج ستكون ذات قيمةٍ بالغة حين تصل مهمات فضائية مستقبلية إلى هذه المنطقة من المجموعة الشمسية.
ما تقوله هذه الدراسة في نهاية المطاف هو أنّ المادة الأصلب على وجه الأرض تخفي في انصهارها أسراراً تمسّ فهمنا للكون من مفاعلات الاندماج التي قد تُضيء مدننا يوماً ما، إلى محيطاتٍ كربونية تتموّج في أعماق كواكبَ لم تطأها قدمٌ بشرية بعد.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
