نفايات بلاستيكية تغزو أعماق المحيط الأطلسي
في أعماق المحيط الأطلسي اكتشف العلماء نفايات بلاستيكية وأغراض بشرية رغم الظلام التام، مما يطرح تساؤلات حول تأثير الإنسان على بيئات بحرية نائية ويكشف كيف تتحول النفايات إلى مواطن لكائنات بحرية وورلد برس عربي.

على عمق يزيد على 3,800 متر تحت سطح المحيط الأطلسي، حيث لا يصل ضوء الشمس ولا يبلغه إنسان، وجد العلماء ما لم يكونوا يتوقّعون أن يجدوه: كيساً بلاستيكياً، وحذاءً مطّاطياً، وعلبةً مرمية، وحتى عبوةَ شعرية فورية من ماركة Mi Goreng على عمق 1,920 متراً. هذه المشهد ليس من قصّة خيال علمي، بل هو ما وثّقه باحثون أرجنتينيون في أعماق خندق Mar del Plata البحري خلال صيف 2025، في نتائج نشرتها مجلة PLOS One وتُعيد طرح سؤال مقلق: هل لا تزال هناك بيئاتٌ بحرية بعيدة عن أثر الإنسان؟
رحلة إلى آخر حدود المجهول
في الفترة الممتدة بين يوليو وأغسطس 2025، أجرى فريق من مجموعة دراسات أعماق البحار الأرجنتينية (GEMPA) سبعةَ عشر غطسةً في خندق Mar del Plata البحري قبالة السواحل الأرجنتينية، باستخدام المركبة الغاطسة المُتحكَّم بها عن بُعد SuBastian، التابعة لمعهد Schmidt Ocean Institute والمُحمَلة على متن سفينة البحث Falkor(too). تراوحت أعماق هذه الغطسات بين 1,120 و3,820 متراً أي ما يعادل بين 3,675 و12,533 قدماً في منطقة تلتقي فيها التيارات المحيطية الدافئة (تيار البرازيل) والباردة (تيار Malvinas)، مما يجعلها ممرّاً طبيعياً لنقل المياه والرواسب والمواد العضوية إلى أعماق المحيط.
يقول عالم الأحياء البحرية ديغو أورتياغا من GEMPA إنّ الهدف الأصلي للبعثة لم يكن التحقيق في التلوّث: "كان الهدف الرئيسي للبعثة دراسة التنوّع البيولوجي في قاع البحار العميقة". غير أنّ الواقع فرض نفسه: "إلا أنّ وجود القمامة البحرية كان واضحاً لدرجة أنّنا شعرنا بأهمية توثيقها ومشاركة ملاحظاتنا مع المجتمع العلمي".
29 قطعة مهملات في قاع الأطلسي
رصد الباحثون 29 قطعةً من النفايات البشرية خلال 10 من أصل 17 غطسة، تمركزت على طول جدران الخندق وعموده الفقري. 27 من هذه القطع كانت بلاستيكية. وتضمّنت القائمة: كيساً بلاستيكياً، وعبوة شعرية فورية من نوع Mi Goreng على عمق 1,920 متراً، وحبلاً نايلونياً بخطّاف على عمق 1,949 متراً، وكوباً مرمياً، وحذاءً مطّاطياً، وحبلاً متشابكاً.
ما يلفت الانتباه في هذه النتائج ليس فقط وجود النفايات، بل طبيعتها. يوضّح أورتياغا: "خصائص القمامة التي وجدناها تتوافق أكثر مع النفايات الناتجة عن السفن التي تعمل في عرض البحر، ولا سيّما سفن الصيد، أكثر من توافقها مع المصادر الحضرية". ويستنتج: "هذا يشير إلى أنّ الأنشطة البشرية في البحر قد تكون مساهماً رئيسياً في وصول القمامة إلى خندق Mar del Plata البحري". وهو استنتاجٌ منطقي، إذ يقع الخندق على بُعد مئات الكيلومترات من الشاطئ، بعيداً عن الرفّ القاري، مما يُقلّل من احتمالية وصول النفايات الساحلية الحضرية إليه.
كثافة أقلّ، لكن الخطر قائم
جاءت الكثافة المرصودة أقلّ مما توقّعه الباحثون. يقول زميل أورتياغا، عالم الأحياء البحرية دانيال لاوريتا: "ما فاجأني أكثر شيء هو الكمية المنخفضة نسبياً من القمامة — لحسن الحظ". ويضيف: "قبل أن نبدأ الغطسات بالمركبة المتحكّم بها عن بُعد، كنت أتوقّع منطقةً أكثر تلوّثاً بكثير".
سجّلت إحدى الغطسات كثافةً تقلّ عن 3 قطع لكل كيلومتر، وهو رقمٌ يبدو متواضعاً مقارنةً بما رصدته دراسات أخرى في خنادق بحرية مرتبطة بالبرّ، حيث تصل الكثافة إلى 50-80 قطعة لكل كيلومتر. بيد أنّ الباحثين يُنبّهون إلى أنّ كاميرات SuBastian ربما أغفلت قطعاً أصغر حجماً أو مطمورةً تحت الرواسب، مما يعني أنّ الأرقام الفعلية قد تكون أعلى.
حين تتحوّل البلاستيك إلى موطن
الأمر الذي يُقلق العلماء لا يقتصر على وجود النفايات في حدّ ذاته، بل يمتدّ إلى التفاعل البيولوجي الذي يحدث حولها. وثّق الفريق حيواناتٍ بحرية من بينها مفصليات الأرجل ونجوم البحر وديدان المحيط متعددة الأشواك (polychaete worms) وهي تستوطن بعض هذه النفايات. يُفسّر أورتياغا الدلالة العلمية لهذه الظاهرة: "استيطان النفايات من قِبَل الكائنات الجالسة يمكن أن يحوّل الحطام البشري إلى ركيزة اصطناعية في أعماق البحار، مما قد يُغيّر المجتمعات المحلية". ويذهب أبعد من ذلك: "قد يوفّر أيضاً وسيلةً لنقل الكائنات إلى ما هو أبعد من نطاقها الطبيعي، وإن كانت التداعيات البيئية لهذه العملية لا تزال غير مفهومة بشكل جيّد".
هذه الديناميكية تطرح إشكاليةً لا تقتصر على التلوّث، بل تمسّ بنية النظام البيئي برمّته في بيئة تكاد تكون بكراً. يقول أورتياغا بصراحة: "ربما نكون نُغيّر بالفعل مجتمعاتٍ في أعماق البحار بالكاد بدأنا نفهمها".
ما وراء الأرقام: سؤال الوعي
يحمل أورتياغا شغفاً شخصياً بهذه البيئة يتجاوز البُعد العلمي: "إمكانية مراقبة الحياة في مياهٍ عميقة لدرجة أنّ ضوء الشمس مجهولٌ تماماً هي حدودٌ معرفية كنت دائماً أحلم باستكشافها". ويصف المحيط العميق بأنّه "يشمل معظم كوكبنا، ومع ذلك يظلّ مجهولاً إلى حدٍّ بعيد، مما يجعله أحد آخر الحدود العظيمة للاستكشاف والاكتشاف".
لكنّ هذا المجهول لم يعد بمنأى عن الأثر البشري. ويختم أورتياغا بعبارة تحمل قدراً من الحسرة العلمية: "آمل أن تُسهم نتائجنا في رفع مستوى الوعي بالأثر الذي نتركه على بيئةٍ بعيدة عنّا وغير معروفة إلى حدٍّ بعيد".
نُشرت هذه النتائج كاملةً في مجلة PLOS One. والخطوة التالية للفريق هي توسيع نطاق المسوحات لتشمل خنادق بحرية أرجنتينية أخرى وهو مسعىً قد يكشف ما إذا كانت حالة خندق Mar del Plata استثناءً أم نمطاً يتكرّر على امتداد الهامش القاري الأرجنتيني. في عالمٍ لم نستكشف بعد إلا جزءاً يسيراً من أعماقه، فإنّ كلّ غطسة جديدة تحمل احتمالَين متساويَين: اكتشافُ حياةٍ لم نعرفها، أو توثيقُ أثرٍ تركناه قبل أن نعرف أنّنا تركناه.
أخبار ذات صلة

مسبار ناسا يكتشف حفرة عملاقة على القمر: لماذا يُعتبر هذا اكتشافاً نادراً؟

رواد فضاء Crew-12 يستعدّون للعودة إلى الأرض: "أتطلّع لرؤية الطبيعة مجدّداً"

المستوطنون على المريخ قد يسكنون منازل من الخميرة والجيلاتين
