تعويضات الكوبيين الأمريكيين أمل جديد في الأفق
تسعى كوبا إلى تغيير حقيقي بعد عقود من الحكم الشيوعي، مع تصاعد المطالبات القانونية للمنفيين بشأن التعويضات. هل سيكون عام التغيير قريبًا؟ اكتشف كيف تتداخل المصالح القانونية مع آمال الكوبيين الأمريكيين في إعادة بناء وطنهم. وورلد برس عربي.





في نوفمبر 1960، وقف عميلٌ من عملاء ثورة فيدل كاسترو أمام بنك بيدروسو (Pedroso Bank) في هافانا، حاملاً رشّاشاً، وأمر أصحابه بالمغادرة فوراً. كان البنك ملكاً لعائلة راؤول فالدس-فاولي (Raul Valdes-Fauli)، التي وصلت إلى كوبا من إسبانيا في القرن السادس عشر. وصف العميل الأب والعمّ بـ"غوسانوس" (gusanos) أي الديدان وهو مصطلح ابتكره كاسترو لتحقير من يفرّون من الجزيرة، ثم صادر البنك في لحظةٍ واحدة.
يقول فالدس-فاولي، المحامي والعمدة السابق لضاحية Coral Gables في ميامي: "أخبروهم بأن هذا أصبح بنك الشعب. لم يُسمح لهم حتى بأخذ الصور العائلية من جدران مكاتبهم."
بعد سبعة عقود، تعود هذه القصص إلى الواجهة بإلحاح. فتهديدات الرئيس Donald Trump بالتدخّل العسكري، المدعومة بحصارٍ بحري على شحنات الوقود أنهك اقتصاداً كان أصلاً على حافة الانهيار، أفضت إلى مفاوضاتٍ بين واشنطن وهافانا. ويرى كثير من الكوبيين الأمريكيين أن عام 2026 قد يكون أخيراً عام التغيير في الجزيرة التي يحكمها النظام الشيوعي منذ عقود.
غير أن هذا التفاؤل الحذر يُخفّفه قلقٌ عميق من أن يُستثنى المنفيّون من أي تسوية. والسيناريو الأكثر إرعاباً في أذهانهم هو تكرار ما جرى في فنزويلا، حيث أسقط Trump نيكولاس مادورو، ثم انتهى به المطاف إلى الشراكة مع حلفاء مادورو السابقين في صفقاتٍ تُقدَّم فيها مصالح صناعة النفط على حساب مطالب الديمقراطية.
يقول فالدس-فاولي، الذي تزوّج من فنزويلية: "آمل ألّا يفعل ما فعله في فنزويلا، وهو إبقاء اللصوص في السلطة."
ومن أكثر الملفّات حساسيةً في هذه المفاوضات، وأعسرها حلّاً، ملفّ المطالبات القانونية المحتملة لمئات الآلاف من الكوبيين الأمريكيين الذين صُودرت منازلهم وأعمالهم وأراضيهم بعد وصول كاسترو إلى السلطة عام 1959.
أملٌ جديد في الحصول على تعويض
بيت نيك غوتيريز (Nick Gutiérrez) مليءٌ بصكوك ملكيةٍ متهالكة، وصورٍ بالأبيض والأسود، وكتبٍ نادرة من بينها مجلّدٌ ممزّق بعنوان "أصحاب كوبا عام 1958" يصف أكبر 550 ثروةً انتزعتها الثورة من أصحابها.
بوصفه رئيساً للرابطة الوطنية لملّاك الأراضي الكوبيين في المنفى، يُقدّم غوتيريز المشورة لعائلات المنفيّين حول كيفية المطالبة بالتعويض عن مصادرات التأميم القسري. ولعقودٍ طويلة، كانت هذه مهمّةً منعزلة مُقصاةً إلى هوامش القانون، إذ لم يكن ثمّة أيّ أمل في انتزاع تعويضٍ من هافانا.
يقول غوتيريز: "كانت هذه المطالبات تقع في الغالب على آذانٍ صمّاء."
لكن مع تصاعد التكهّنات بشأن تغييرٍ محتمل في النظام، انفجر الاهتمام الحقيقي بهذه القضية فجأةً، سواءٌ من جانب من كانوا يرون في التقاضي المُكلف ضرباً من العبث، أو من جانب رجال أعمالٍ كوبيين أمريكيين من الجيل الجديد، يتوقون إلى المساهمة في إعادة بناء بلدٍ يكادون لا يعرفونه، لكنّهم يحملون إرثه بفخر.
يقول غوتيريز، الذي فرّ والداه من الجزيرة قبل عامَين من ولادته: "نحن الآن نتحدّث عن المسألة الوجودية: هل ستصمد الديكتاتورية الكوبية حتى الشهر القادم؟"
تسوية المطالبات
يُشبّه (Robert Muse)، المحامي الواشنطني المتخصّص في القوانين الأمريكية المتعلّقة بكوبا، الاشتباكَ مع مطالبات الملكية في كوبا بمواجهة "هيدرا متعدّدة الرؤوس".
في سلّم الأولويات القانونية، تحتلّ المرتبة الأولى الـ5,913 مطالبةً التي وثّقتها وزارة العدل الأمريكية عام 1972 بقيمةٍ إجمالية تبلغ 1.9 مليار دولار. وتشمل هذه المطالبات شركاتٍ كبرى كـExxonMobil وMarriott International، صودرت أصولها في إطار حملة التأميم الشاملة التي طالت كلّ شيء، من مصافي النفط وشبكة الهاتف إلى صالونات الحلاقة ومحطّات تلميع الأحذية.
وبموجب القانون الأمريكي، يتعيّن تسوية هذه المطالبات التي تبلغ قيمتها اليوم 10 مليارات دولار شرطاً لأيّ استعادةٍ كاملة للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية. غير أن السلطة التنفيذية مخوَّلةٌ قانوناً بتولّي الخسائر الخاصة مقابل دفعةٍ إجمالية، وإدراج النزاع ضمن أيّ تسويةٍ تُعقد مع هافانا.
وفي منعطفٍ لافت، أبدت كوبا استعداداً للتفاوض حول هذه المطالبات، لكن في سياق مطالبتها بتعويضاتٍ عن الأضرار التي ألحقها الحصار التجاري الأمريكي المفروض منذ عام 1962.
أما الملفّ الأكثر تعقيداً، فهو الفصل الثالث (Title III) من قانون هيلمز-بيرتون (Helms-Burton Act) الصادر عام 1996، الذي يُجيز للمنفيّين مقاضاة أيّ شركةٍ تُعدّ "متاجِرةً" (trafficking) في ممتلكاتٍ صادرتها كوبا.
علّق جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين تطبيق هذا الفصل، استجابةً لاعتراضات الحلفاء الذين يتعاملون تجارياً مع هافانا. وبالمثل، رأى كثيرٌ من المنفيّين في هذا القانون تهديداً فارغاً، نظراً لشبه استحالة تحصيل أيّ مبالغ من حكومةٍ مُعسِرة.
لكن Trump رفع هذا التعليق عام 2019، وأُقيمت منذ ذلك الحين نحو 50 دعوى قضائية. وقد يُفتح باب الدعاوى على مصراعَيه قريباً، رهناً بنتيجة قضيّتَين نُوقشتا أمام المحكمة العليا الأمريكية هذا العام.
إحدى القضيّتَين رفعتها ExxonMobil، وتطالب بمليار دولار من كياناتٍ كوبية مملوكة للدولة. والأخرى رفعتها شركة Havana Docks ومقرّها ولاية Delaware، في مواجهة أربع سفن سياحية دفعت للحكومة الكوبية مقابل إنزال قرابة مليون سائح في ميناءٍ كانت تديره الشركة، وذلك في عهد الرئيس Barack Obama حين أعاد تطبيع العلاقات الدبلوماسية.
هل سيُبرم Trump صفقة؟
شبّه ميوز المخاطر القانونية للتعامل التجاري مع كوبا بـ"صواعد الكهوف" (stalactite) التي تشكّلت على مدى عقود، رادعةً الاستثمار والتسوية السياسية.
قال ميوز: "لا يمكن أن يكون هناك سبيلٌ للتعويض المادي لمئات الآلاف من المطالِبين. هذا أمرٌ غير قابل للتطبيق."
بيد أن غوتيريز يرى أن هافانا، إن كانت جادّةً في هدفها المُعلَن لاستقطاب رأس المال الأجنبي، فأمامها حوافز حقيقية لإبرام اتفاقياتٍ مع الكوبيين الأمريكيين الراغبين في الاستثمار في بلدهم الأصلي. ويُمكن الاستناد في ذلك إلى نموذج الدول الشيوعية السابقة في أوروبا الشرقية، التي عوّضت عن مصادرات الملكية في نهاية الحرب الباردة، فأسهمت في دفع اقتصاداتها نحو الأمام.
ويرى ميوز أن Trump يمتلك ربّما المزيج الملائم من الحسّ التجاري، والنفور من الأعراف التقليدية، والحرية السياسية التي يمنحها إياه كونه رئيساً في ولايته الثانية، لمعالجة هذا الملفّ المتشعّب. ويُضيف أن ما يُشير إلى أنه لن يتورّط في مساجلاتٍ قانونية مطوّلة، هو استقباله مديري شركات النفط في البيت الأبيض عقب إسقاط مادورو، وإبلاغهم بأنهم سيضطرّون إلى شطب أيّ مطالباتٍ غير مسدّدة ناجمة عن مصادرات الأصول في فنزويلا.
ويخشى غوتيريز أن يتغلّب على Trump شغفه بتحقيق إنجازٍ أفلت من بين يدَي 12 رئيساً جمهورياً وديمقراطياً. لكنّه يجد بعض الطمأنينة في صداقة الرئيس القديمة مع الكوبيين الأمريكيين، الذين يُعدّون من أشدّ مؤيّديه.
يختم غوتيريز: "Trump لا تُقلقه الاعتبارات الأخلاقية حين يتعلّق الأمر بالتعامل مع أشخاصٍ سيّئين. لكنّه يعلم مدى أهمية هذه القضية بالنسبة لنا، وهذا ما يمنحنا بعض الاطمئنان بأنه لن يتخلّى عنّا."
أخبار ذات صلة

زهران ممداني يندّد بفعالية عقارية إسرائيلية في نيويورك: "محاولة لتهجير الفلسطينيين"

المكسيك: اتهامات أمريكية لـ 10 مسؤولين حاليين وسابقين بتسهيل الاتجار بالمخدرات

كريم خان يكشف عن تهديدات من كاميرون وليندسي غراهام
