وورلد برس عربي logo

الغارات الإسرائيلية في سوريا تثير توترات إقليمية جديدة

في غارات إسرائيلية على قاعدة أبو الظهور بسوريا توقيت غامض يعكس تحولات جيوسياسية بعد اتفاقية مكّة الدفاعية بين تركيا والسعودية وباكستان أنقرة ترد بتقليل الحدث لكنها تدرك الرسالة وورلد برس عربي يكشف التفاصيل والتوترات خلف الكواليس.

مقاتلان سوريان مسلحان على طائرة عسكرية قديمة في قاعدة أبو الظهور الجوية شمال سوريا، في سياق الغارات الإسرائيلية الأخيرة.
مقاتلون معارضون للحكومة يفحصون طائرة حربية تابعة للجيش السوري بعد سيطرتهم على قاعدة جوية عسكرية قرب مدينة حماة وسط البلاد، في 6 ديسمبر 2024 (عمر حاج قدور/وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الساعات الأولى من صباح يومٍ لم يكن مُدرَجاً في أي جدول أعمال دبلوماسي، ضربت الطائرات الإسرائيلية قاعدة أبو الظهور العسكرية في شمال سوريا على بُعد نحو 70 كيلومتراً من الحدود التركية. ثمانية غاراتٍ على مدرج قاعدةٍ متوقّفة عن العمل، في توقيتٍ لافت: مباشرةً بعد توقيع اتفاقية مكّة الدفاعية بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان.

الإشارة الأضعف هنا ليست الغارات في حدّ ذاتها فهي متسقّة تماماً مع نمطٍ ممتدّ منذ سقوط حكومة الديكتاتور بشار الأسد . ما يستحقّ التأمّل هو التوقيت والهدف المُختار، وما يقوله ذلك عن المعادلة الجيوسياسية الجديدة في سوريا.

تركيا تُصغّر الحدث... لكنّها تُسجّل الرسالة

سارعت أنقرة إلى تصوير الضربات باعتبارها مناورةً انتخابية من رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، الذي أدرج الرئيس التركي Recep Tayyip Erdogan وعمدة نيويورك Zohran Mamdani ضمن مواد حملته الانتخابية بوصفهما «أعداءً لإسرائيل». ردّ مكتب الرئاسة التركية للتواصل بأن Netanyahu يسعى إلى مواصلة سياساته التوسّعية والمزعزِعة للاستقرار الإقليمي «قُبيل الانتخابات الإسرائيلية».

غير أن التصغير التركي لا يُخفي حقيقةً أعمق: أنقرة سجّلت الرسالة، وتعرف أن المسألة أكبر من دعاية انتخابية.

الحكومة السورية أدانت الهجوم بدورها. وفي البداية، قدّم مسؤولون إسرائيليون مجهولو الهوية تفسيراتٍ متضاربة، اتّهموا فيها الرئيس السوري Ahmed al-Sharaa بدعم قوّاتٍ بالوكالة، قبل أن تتحوّل الرواية الرسمية. وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيانٍ رسمي أن إسرائيل وسوريا كانتا قد اتّفقتا على الحفاظ على الوضع الأمني القائم، «الذي كانت سوريا على وشك انتهاكه بالسماح لقوّاتٍ تركية بالانتشار في قاعدةٍ جوية قرب حلب».

ما جرى فعلاً على الأرض

تتباين الروايات حول ما كان يجري في القاعدة لحظة الضربة. أشارت تقارير إلى أن الغارات نُفِّذت فيما كانت تركيا تستعدّ للسيطرة على القاعدة، وأنها جاءت بُعيد مغادرة وفدٍ تركي رسمي للموقع. في المقابل، أكّد مسؤولون سوريون أن فريقاً تقنياً تركياً كان مكلَّفاً بإصلاح المدرج وبرج المراقبة، دون أي وجودٍ عسكري في القاعدة.

قال أحد المسؤولين: «آخر فريقٍ كُلِّف بإعادة تأهيل القاعدة كان هناك قبل يومَين من الضربة».

وأضاف المسؤولون أن تركيا كانت تساعد الجيش السوري في بناء قواعد في أرجاء البلاد، دون توجيهٍ محدّد ضدّ إسرائيل، وأن أنقرة تسعى إلى إعادة بناء جيشٍ سوري قادرٍ على الدفاع عن البلاد. «تركيا لا تستولي على كل قاعدة»، قال أحدهم.

والجدير بالذكر أن أنقرة أغلقت فعلاً عدداً من المواقع العسكرية الصغيرة في شمال سوريا، وتُشغّل بالفعل قواعد راسخة في المنطقة. فضلاً عن ذلك، فإن وجوداً تركياً محتملاً في أبو الظهور لن يُغيّر موازين القوى الجوية كما يدّعي بعض المسؤولين الإسرائيليين لأن القاعدة أصلاً قريبةٌ جداً من الحدود التركية.

الخطّ الساخن الذي لم يُستخدَم

ما قد لا يظهر في العناوين هو التفصيل التشغيلي الأكثر دلالةً: إسرائيل لم تستخدم الخطّ الساخن العسكري المُنشأ بين البلدَين العام الماضي لمنع الحوادث العسكرية. هذا القرار أو هذا الإغفال المتعمَّد رفع من مستوى خطر التصعيد بصورةٍ ملموسة.

Thomas Barrack، المبعوث الأمريكي إلى تركيا وسوريا، صرّح لوسيلة إعلام إسرائيلية بأن الضربات «حملت خطراً حقيقياً بالتصعيد السريع نحو مواجهةٍ عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا وسوريا». وأضاف: «القوات التركية لم تكن على علمٍ بأن الطائرات الإسرائيلية كانت في طريقها إلى تلك القاعدة السورية بالتحديد، ولا بغرضها، وبالتالي كان بإمكانها أن تُقدِم على إطلاق طائراتها الخاصة اعتقاداً بأنها هي نفسها تتعرّض لهجوم».

مسؤولٌ تركي رفض الكشف عن هويّته وصف الأمر بصراحة: «من الواضح أنهم أرادوا تخويف أنقرة. إنهم يلعبون بالنار».

ومصدرٌ تركي مطّلع على الجاهزية التشغيلية للقوات المسلّحة التركية أكّد أن أنقرة تمتلك قدراتٍ رادارية تُمكّنها من رصد النشاط الجوي الإسرائيلي حتى مناطق بعيدة كالأردن، وأنها لم تُؤخذ على حين غرّة. وتكهّن المصدر بأن مسؤولين أمريكيين ربّما أبلغوا تركيا مسبقاً بالهجوم الوشيك.

رسالةٌ إلى Erdogan

مصدران من داخل أنقرة، على صلةٍ بالحكومة التركية وتحدّثا بشرط عدم الكشف عن هويّتَيهما، يريان أن الضربات لم تكن مجرّد مناورةٍ انتخابية، بل كانت تهدف أيضاً إلى النيل من مصداقية الدعم التركي لسوريا.

قال أحدهما: «اتفاقيات مكّة مع باكستان والمملكة العربية السعودية، التي قدّمتها إسرائيل باعتبارها محوراً سنياً جديداً، أوجدت لـ Netanyahu ضغطاً داخلياً حقيقياً». وأضاف: «إسرائيل تقول في الجوهر: لا نكترث بالبنية الأمنية الجديدة التي تبنيها تركيا، وسنواصل الضرب حيثما وأيّاً كان».

وأشار المصدر ذاته إلى أن إسرائيل كانت تختبر أيضاً إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump، التي أبدت دعمها لحكومة Sharaa، وكان Trump قد رحّب باتفاقيات مكّة في وقتٍ سابق من الأسبوع.

أمّا المصدر الثاني، فقد أكّد أن إسرائيل باتت تُقرّ رسمياً بأنها تعدّ الوجود التركي في سوريا تهديداً. وحذّر: «إسرائيل لديها انتخابات، لكن تركيا أيضاً لديها انتخاباتٌ في 2028. هذه التوتّرات قد تتعمّق وتُفضي إلى تكرارٍ لحادثة 2015، حين أسقطت أنقرة طائرةً حربية روسية».

وأضاف أن الهجوم ربّما كان أيضاً محاولةً لإيصال رسالةٍ مباشرة إلى Erdogan، الذي كشف في عطلة نهاية الأسبوع عن نيّته زيارة دمشق لاحقاً هذا العام في أول زيارةٍ له منذ سقوط الأسد. «إنها طريقةٌ لإخبار Erdogan بأنهم لن يدعوه يشعر بالارتياح في سوريا».

البيانات في السياق

ما قد لا يظهر في العنوان هو أن هذه الضربة ليست استثناءً، بل هي نقطةٌ في سلسلة طويلة. بيانات الحوادث المُجمَّعة من تقارير Telegram والأحداث المُرمَّزة بصورةٍ مستقلّة من مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلّحة وأحداثها (ACLED) تتضمّن 1,722 سجلاً مُتحقَّقاً منه وغير مُكرَّر بين يناير 2025 و18 أغسطس 2026، وهو ما يُظهر أن الحملة الإسرائيلية لم تتوقّف منذ سقوط حكومة الأسد.

Thomas Barrack دعا في مقابلتَين منفصلتَين إلى تفعيل آليةٍ جديدة لتفادي الاشتباك تضمّ سوريا وإسرائيل وتركيا. لكن إخفاق إسرائيل في استخدام الخطّ الساخن العسكري القائم يُشير إلى أن الهدف كان استفزاز أنقرة، لا التحرّك بحذر.

ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة

الأرجح: تبقى التوترات في مستوياتٍ مرتفعة دون تصعيدٍ مباشر. تواصل تركيا وجودها في سوريا بصيغٍ تقنية ومدنية تُقلّل من الذرائع الإسرائيلية، فيما تظلّ الضربات الإسرائيلية ضمن الحملة الممتدّة دون استهداف مواقع فيها وجودٌ تركي مُعلَن.

المحتمل: تُفضي الضغوط الانتخابية الإسرائيلية والتركية معاً إلى مزيدٍ من الاستعراضات العسكرية، مع احتمال تفعيل آلية تفادي الاشتباك الأمريكية-التركية-السورية التي طرحها Barrack، ممّا يُقيّد هامش المناورة الإسرائيلي نسبياً.

الأقلّ احتمالاً: تصعيدٌ حادّ يُفضي إلى مواجهةٍ مباشرة على غرار حادثة 2015 لكنّ الفارق الجوهري هو أن الطرفَين يمتلكان اليوم قنواتٍ أمريكية للتهدئة لم تكن متاحةً في تلك المرحلة.

المتغيّر الذي لم يُحسَب بعد: كيف ستُترجم إدارة Trump ترحيبها باتفاقيات مكّة إلى موقفٍ عملي إذا تصاعد التوتّر بين حليفَين من حلفائها في المنطقة.

أخبار ذات صلة

Loading...
طابور من الهايتيين ينتظرون تسجيل الناخبين في بورت أو برنس ضمن جهود دعم الانتخابات وتمويل بطاقة الهوية.

هايتي تتلقّى 3 ملايين دولار من اليابان ومنظمة الدول الأمريكية لتنظيم الانتخابات

تواجه هايتي تحديات كبيرة في تسجيل الناخبين بسبب العنف ونزوح الملايين، لكن منحة اليابان ومنظمة الدول الأمريكية تدعم تحديث القوائم وتوفير بطاقات الهوية. اكتشف كيف تؤثر هذه الخطوة على الانتخابات القادمة.
سياسة
Loading...
جنود أمريكيون في تدريب ميداني صحراوي يعكس إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في قواعد الخليج وسط تهديدات إيرانية متصاعدة.

تقرير: واشنطن تدرس تقليص وجودها العسكري في الخليج بسبب الحرب على إيران

تشهد الولايات المتحدة مراجعة استراتيجية لقواعدها في الخليج بعد الضربات الإيرانية المتكررة، مع احتمال نقل القوات غرباً للحفاظ على أمنها. اكتشف المزيد حول التحولات الجيوسياسية وتأثيرها على المنطقة الآن.
سياسة
Loading...
حريق كبير في مستودع بمنطقة صناعية في روسيا إثر هجوم أوكراني بالطائرات المسيّرة ضمن تصعيد الحرب بين البلدين.

هجوم بالطائرات المسيّرة على منطقة موسكو وقصف روسي يودي بـ 10 أرواح في قرية أوكرانية

تتصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة بين أوكرانيا وروسيا، مع هجوم أوكراني ضخم يهدف للضغط على بوتين لوقف الحرب. اكتشف تفاصيل المواجهة وكن على اطلاع دائم الآن!
سياسة
Loading...
خريطة تفاعلية لحركة الملاحة في مضيق هرمز مع تراجع عبور السفن وسط التوترات بين إيران والولايات المتحدة.

مضيق هرمز «أراضٍ أمريكية».. ترامب وإيران تتبادلان الاتهامات حول المفاوضات

تصاعد التوتر في مضيق هرمز مع إعلان ترامب السيادة الأمريكية وسط شروط إيرانية صارمة وتراجع الملاحة البحرية. اكتشف تفاصيل الأزمة وتأثيرها الاقتصادي وكن على اطلاع دائم. اقرأ المزيد الآن!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية