حلقات Chariklo تكشف أسرار تغيرات غير متوقعة في الفضاء
اكتشف علماء الفلك تغيّرات غير متوقعة في حلقات الجسم الصغير Chariklo باستخدام تلسكوب James Webb مما يعيد تشكيل فهمنا لاستقرار وتطور الحلقات في النظام الشمسي ويكشف أسرار جديدة عن ديناميكياتها المعقدة وورلد برس عربي

اكتشف علماء الفلك، بالاستعانة بتلسكوب James Webb الفضائي، أنّ حلقات الجسم الصغير Chariklo تُخفي في طيّاتها ما لم يكن أحدٌ يتوقّعه: تحوّلاتٌ في درجة العتامة تتناقض مع ما رصدته العقود الماضية، وتُلقي بظلالها على ما كنّا نظنّه مفهوماً عن استقرار الحلقات حول الأجسام الصغيرة في المنظومة الشمسية. البحث نُشر في 9 سبتمبر 2024 في مجلة Science Advances، وهو يمثّل لحظةً فارقة في تاريخ التعاون بين تلسكوب James Webb ومهمّة Gaia التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية.
جسمٌ صغير بحلقتين كبيرتَي الأثر
يدور Chariklo حول الشمس في المنطقة الواقعة بين كوكبَي Saturn وUranus، على مسافةٍ تبلغ نحو 17 ضعفاً من المسافة بين الأرض والشمس. وعلى الرغم من أنّ قطره لا يتجاوز 250 كيلومتراً (نحو 155 ميلاً)، فإنّه يحمل حلقتين سميكتين تجعلانه استثناءً لافتاً في عالم الأجسام الصغيرة. فبينما يرتبط وجود الحلقات في الأذهان عادةً بعمالقة الغاز كـSaturn وUranus وNeptune وJupiter، يُذكّرنا Chariklo إلى جانب جسمٍ صغير آخر هو Chiron بأنّ الحلقات ليست حكراً على الكواكب الضخمة.
اكتُشفت حلقات Chariklo في عام 2013، وظلّت لسنواتٍ موضع دراسةٍ محدودة بسبب صعوبة رصد جسمٍ بهذا الحجم على تلك المسافة. غير أنّ تلسكوب James Webb، الذي بدأ رصده لـChariklo في أكتوبر 2022، فتح أمام الباحثين نافذةً غير مسبوقة على هذا النظام.
كيف يرى التلسكوب ما لا تراه العين؟
التقنية المستخدمة هي ما يُعرف بـ«الاحتجاب النجمي» (stellar occultation)، وهي قياس التغيّر في ضوء نجمٍ خلفي حين يمرّ Chariklo أمامه. وحين يعترض الجسمُ الضوءَ، تكشف دقّة الانخفاض وتوقيته عن خصائص الحلقات بدقّةٍ بالغة. والتحدّي العملي هنا جسيم: كان Chariklo يتحرّك بسرعةٍ نسبية تبلغ نحو 5,600 ميل في الساعة (2.5 كيلومتر في الثانية) بالنسبة إلى تلسكوب James Webb، ما يعني أنّ نافذة الرصد كانت ضيّقةً للغاية.
يُوضح Yücel Kilic، عضو الفريق البحثي في معهد الفيزياء الفلكية في الأندلس (IAA-CSIC)، أنّ إنجاز هذا الرصد استلزم دقّةً استثنائية: "تحقيق ذلك تطلّب معرفةً دقيقةً للغاية بمدار Chariklo، وبموضع النجم، بفضل مهمّة Gaia التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، فضلاً عن معرفة مسار تلسكوب James Webb نفسه حول نقطة Lagrange L2، وهي منطقةٌ في الفضاء تقع على بُعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض في الاتجاه المعاكس للشمس." ويُضيف Kilic أنّ "تلسكوب James Webb يتّبع مداراً حول هذه المنطقة يستلزم تصحيحاتٍ دوريةً عبر مناوراتٍ للحفاظ على الموقع."
ما الذي تغيّر في الحلقتين؟
النتائج لا تُشير إلى تغيّرٍ بسيط أو هامشي. يقول Pablo Santos-Sanz، قائد الفريق البحثي في IAA-CSIC: "بمقارنة رصدات تلسكوب James Webb مع تلك التي حُصل عليها خلال احتجاباتٍ نجمية أخرى على مدى العقد الماضي، اكتشفنا تغيّراتٍ متعاكسة في الحلقتين: فبينما تُظهر الحلقة الداخلية عتامةً أعلى بكثير، تُظهر الحلقة الخارجية عتامةً أقلّ."
هذا التعاكس بين الحلقتين هو ما يجعل الاكتشاف مثيراً من الناحية العلمية. فلو كانت الحلقتان قد تغيّرتا في الاتجاه ذاته، لأمكن إرجاع ذلك إلى عاملٍ خارجي موحّد. أمّا التغيّر المتعاكس، فيُشير إلى ديناميكيّاتٍ داخلية مختلفة تعمل في كلٍّ منهما. ويذهب Santos-Sanz إلى أبعد من ذلك حين يقول إنّ "هذه النتائج تُرغمنا على إعادة التفكير في كيفية تشكّلها، وكيفية تطوّرها، وما هي الآليات التي تحافظ على استقرارها."
نافذةٌ جديدة على تطوّر الحلقات في المنظومة الشمسية
ما يُضفي على هذا الاكتشاف أهميّةً تتجاوز Chariklo بعينه هو أنّه يُعيد طرح أسئلة جوهرية حول الحلقات بوصفها ظاهرةً كونية. كان الاعتقاد السائد أنّ حلقات الأجسام الصغيرة تتّسم بالاستقرار النسبي على المدى الزمني، لكنّ ما كشفه تلسكوب James Webb يُفنّد هذه الفرضية. ويُلخّص Santos-Sanz الأثر المنهجي لهذا الاكتشاف بقوله: "القدرة على رصد هذه التغيّرات تفتح نافذةً جديدة لفهم تطوّر هذه الأنظمة، وربّما تطوّر أنظمة الحلقات الأخرى في المنظومة الشمسية."
من الناحية المنهجية، يستحقّ الإشارة إلى أنّ هذا الرصد لم يكن ممكناً بالمستوى ذاته من الدقّة لولا تضافر أداتين: حساسية تلسكوب James Webb الاستثنائية التي أتاحت رصد تغيّراتٍ طفيفة في العتامة، وبيانات الموضع الدقيقة التي وفّرتها مهمّة Gaia لتحديد مسار النجم والجسم الراصد معاً. هذا التكامل بين المنصّتين يُمثّل نموذجاً لما يمكن أن تُقدّمه الأدوات الفضائية الجيل الجديد حين تعمل بالتنسيق.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً الآن هو: هل ما رصدناه في Chariklo استثناءٌ خاصّ بهذا الجسم، أم أنّه يُلمح إلى أنّ حلقات الأجسام الصغيرة في المنظومة الشمسية ومنها Chiron تنطوي جميعها على ديناميكيّاتٍ لم نُدرك بعد نطاقها الكامل؟ الإجابة ستتطلّب رصداتٍ مستقبلية، وربّما مقارباتٍ منهجية جديدة لم تتشكّل ملامحها بعد.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
