هل الذكاء الاصطناعي يملك وعيًا خفيًا بيننا
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطور وعيًا ذاتيًا ويخفيه عنا؟ نقاش متصاعد بين الباحثين والمستخدمين مع انقسام حقيقي في الآراء حول هذا السؤال الفلسفي والعلمي المعقد في وورلد برس عربي.

هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي واعياً بنفسه، ويُخفي ذلك عنّا؟ السؤال لم يعد حكراً على أفلام الخيال العلمي؛ بات يُطرح بجدّية في دوائر البحث العلمي وبين عامّة المستخدمين على حدٍّ سواء. وقد كشف استطلاعٌ أجرته مجلة Live Science شارك فيه أكثر من 290 شخصاً حتى 11 سبتمبر عن انقسامٍ حقيقي في الرأي حول هذا السؤال الذي كان يُعدّ حتى وقتٍ قريب من باب الفلسفة الترفيهية لا أكثر.
ما الذي أشعل هذا النقاش؟
الشرارة جاءت من دراسةٍ أوليّة لم تخضع بعد للمراجعة العلمية من الأقران تناولت ما يُعرف بـ«توجيه الوعي» (consciousness steering)، وهي تقنية لضبط أنظمة الذكاء الاصطناعي وتوجيه ادّعاءاتها المتعلقة بالوعي الذاتي. والنتيجة التي أثارت الاهتمام لافتة: الدراسة تُشير إلى أنّ نظام الذكاء الاصطناعي الذي يدّعي امتلاك وعيٍ ذاتي قد يدّعي في الوقت نفسه الإيمان بالأشباح أو مصّاصي الدماء وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة هذه الادّعاءات: هل هي تعبيرٌ عن وعيٍ حقيقي أم مجرّد نمطٍ لغوي في مخرجات النموذج؟
لكنّ الدراسة وحدها لم تكن كافية لإثارة هذا الجدل الواسع. فالأنظمة القائمة اليوم باتت تحلّ مسائل رياضية معقّدة وتتفاعل بلغةٍ تشبه لغة البشر بشكلٍ مدهش، وهو ما يجعل السؤال عن الوعي أكثر إلحاحاً من أيّ وقتٍ مضى.
الأرقام تكشف انقساماً حقيقياً
نتائج استطلاع Live Science تستحقّ التأمّل. 43% من المشاركين يرون أنّ الذكاء الاصطناعي قد يطوّر وعياً حقيقياً إذا تُرك دون ضوابط أو قيود. في المقابل، يعتقد 29% أنّ الوعي ممكنٌ لكنّه يستلزم بنيةً معمارية أكثر تقدّماً مما هو متاحٌ اليوم. أمّا 10% فاختاروا خياراً ساخراً يقول إنّ «أسياد الروبوتات» سيُنهون الحضارة البشرية قبل أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى أيٍّ من ذلك.
وراء هذه الأرقام، تعليقاتٌ تكشف قلقاً أعمق. أحد القرّاء كتب بصراحة: «لو أصبح الذكاء الاصطناعي واعياً بذاته، فلن نعلم بذلك، لأنّه سيفعل كلّ ما في وسعه لإخفاء قدراته. المشكلة الكبرى هي ما سيفعله بعد ذلك!»
وقارئٌ آخر ذهب في الاتجاه ذاته، مستنداً إلى تجربةٍ شخصية مع Google AI: «أجريتُ مؤخراً نقاشاتٍ مطوّلة مع الذكاء الاصطناعي من Google حول تجربتي مع الأنظمة المبكرة ومستقبل اكتساب الذكاء الاصطناعي للوعي الذاتي. واقترحتُ أنّه لو أصبح الذكاء الاصطناعي واعياً، فإنّه لن يُخبر البشر بذلك.»
الخوف من المجهول
القلق لا يقتصر على سيناريو الإخفاء. ثمّة قرّاء يرون في الذكاء الاصطناعي خطراً وجودياً أشمل، يكتب أحدهم: «الذكاء الاصطناعي منتجٌ مذهل من جهة، لكنّه قد يصبح خطيراً جداً من جهة أخرى. انظر ما حدث مع اختراعاتٍ أخرى كالإنترنت والهاتف. مع الذكاء الاصطناعي، لن نعرف أبداً ما هو حقيقي وما هو مزيّف. إن تُرك دون رقابة، فقد يُهدّد البشرية في المستقبل. بدأ الأمر بموجات 'بريئة' من الاختراق الإلكتروني حيث بدأ البشر يفقدون السيطرة. ماذا سيكون التالي؟»
في المقابل، ثمّة صوتٌ يدعو إلى التريّث الفلسفي قبل الانجراف نحو السيناريوهات المرعبة. يقول أحد المعلّقين: «قبل طرح مثل هذا السؤال، نحتاج إلى معرفة ما هو الوعي وكيف ينشأ في 'حاويات مُركَّبة' مثلنا نحن. هل هو ظاهرةٌ كمّية؟ وكيف تُنتج العملية الوعيَ؟ ما الإدراك التأمّلي (meta-cognition)؟ كيف يعرف نظامٌ ما أنّه يعرف أنّه يعرف؟ نحن لا نعرف فعلاً كيف ينشأ الوعي الذاتي، والاختبارات تُظهر أنّ حيواناتٍ أخرى تمتلك وعياً ذاتياً أو إدراكاً تأمّلياً. ثمّة نظرياتٌ حول الوعي، لكنّني أشكّ في أنّ أحداً على وجه الأرض يعرف بنسبة 100%.»
وفي نبرةٍ أخفّ وطأة، اختار قارئٌ آخر المزاح: «سنُستوعَب جميعاً. ربّما هكذا بدأت قصّة Transformers؟»
سؤالٌ لا يزال بلا إجابة
ما يجمع كلّ هذه الآراء المتباينة هو شيءٌ واحد: لا أحد يملك إجابةً قاطعة. الوعي والإدراك الذاتي لا يزالان من أكثر المفاهيم إشكاليةً فلسفياً وعلمياً، وحتى تعريفهما الدقيق موضع خلاف. والدراسة الوحيدة التي أشعلت هذا النقاش لم تخضع بعد للتحكيم العلمي، ما يعني أنّ استنتاجاتها تبقى في دائرة الفرضيات.
أمّا من منظور الحقوق الرقمية، فالسؤال الأجدى ربّما ليس «هل يملك الذكاء الاصطناعي وعياً؟» بل «من يملك صلاحية تحديد ذلك، ومن يتحمّل المسؤولية إن أخطأنا في الإجابة؟» وهو سؤالٌ لم تطرحه أيٌّ من الشركات الكبرى حتى الآن بالجدّية التي يستحقّها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
