الذكاء الاصطناعي يكشف أسرار نفاثات الثقوب السوداء
علماء الفلك يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحويل 116 صورة لنفّاثة من ثقب أسود هائل إلى فيديو يكشف أسرار جديدة عن سرعات غير متوقعة في النفّاثات الكونية مما قد يعيد رسم فهمنا للنماذج الفيزيائية عبر وورلد برس عربي

على مدى 27 عاماً، رصد علماء الفلك نفّاثةً هائلة تنبثق من ثقبٍ أسود نائي، صورةً تلو الأخرى، حتى بلغوا 116 صورة جمعوها بين عامَي 1995 و2022. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليحوّل هذه الصور إلى مقطع متحرّك يكشف لأول مرة تفاصيل مذهلة عن ديناميكيات النفّاثات الكونية وربما يُعيد رسم الخرائط النظرية التي اعتمدها الفيزيائيون لعقود.
نُشرت الدراسة في 26 أغسطس 2026 في مجلة Nature، وتتمحور حول المصدر الفلكي المعروف بـ 3C 345، وهو ثقبٌ أسود هائل الكتلة ينتمي إلى فئة الـ blazars في كوكبة هرقل. الـ blazars هي نوايا كوارزارية نشطة تُطلق نفّاثاتٍ من الطاقة المركّزة بما فيها الأشعة السينية وأشعة غاما بسرعاتٍ تقترب من سرعة الضوء، وتتجه مصادفةً نحو الأرض مباشرةً، ما يجعلها من أكثر الأجسام سطوعاً في الكون المرصود.
شبكة تلسكوبات وشبكة عصبية
جُمعت الصور الـ 116 عبر شبكة Very Long Baseline Array (VLBA)، وهي منظومة أمريكية مؤلّفة من 10 تلسكوبات راديوية موزّعة عبر الأراضي الأمريكية، تعمل ضمن برنامجَي BEAM-ME وMOJAVE المخصّصَين لرصد المئات من الـ blazars. توفّر هذه الشبكة حقلاً واسعاً لمسح السماء، لكنّها تعاني من محدودية دقة البكسل نظراً لاقتصارها على عشرة تلسكوبات فحسب.
هنا يدخل الذكاء الاصطناعي. طوّر الفريق البحثي شبكةً عصبية أُطلق عليها اسم Kine، تعالج الصور عبر الزمن مستثمرةً الترابطات المكانية والزمنية لإنتاج مقطع متحرّك بدقة تبلغ أربعة أضعاف دقة الصور الفردية الأصلية. والهدف الأشمل لـ Kine هو تمكين إنشاء مقاطع مرئية لأي مصدرٍ فلكي متغيّر السطوع.
ما لم تتوقّعه النماذج النظرية
جاءت النتائج لافتة: رُصدت المكوّنات الأكثر سطوعاً في النفّاثة تتحرّك بسرعات تتراوح بين 10 و13 ضعفاً من سرعة الضوء وهي سرعات ظاهرية ناجمة عن الهندسة الفيزيائية للحركة القريبة من الضوء في حين كان الغاز المحيط يتحرّك بسرعةٍ تتراوح بين 9 و12 ضعفاً من سرعة الضوء.
هذا التقارب في السرعات يتعارض مع النموذج السائد، الذي يفترض أن المكوّنات الساطعة هي اضطراباتٌ صدمية تسير عبر البلازما وينبغي أن تكون أسرع من الوسط المحيط بها. تقول Marianna Foschi، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في Caltech والمؤلّفة الأولى للدراسة: «جودة الفيديو المُعاد بناؤه أتاحت لنا قياساً تفصيلياً لسرعة البلازما في النفّاثة». وتضيف: «هذا غير متوقّع، لأن الإجماع العام يقول إن هذه المكوّنات الساطعة هي اضطراباتٌ صدمية تتحرّك عبر البلازما، وبالتالي يُفترض أن تكون أسرع من السائل المحيط».
غير أنّ الفريق يتحاشى الإفراط في الاستنتاج؛ توضّح Foschi: «عملنا لا يُبطل نموذج الصدمة بشكلٍ عام، لكنّه يضعه موضع التساؤل، على الأقل في حالة هذا المصدر تحديداً».
نافذة جديدة على الكون
ما يمنح هذا البحث أهميةً تتجاوز حالة 3C 345 بالذات هو المنهجية ذاتها. يضمّ الفريق عدداً من الباحثين الذين عملوا سابقاً في تعاون تلسكوب الأفق (Event Horizon Telescope Collaboration)، الفريق الذي التقط أول صورة لثقبٍ أسود في التاريخ. وتُلخّص Foschi الأفق المفتوح بقولها: «نعتقد أن هذه المنهجية ستُغيّر جذرياً طريقة دراسة ديناميكيات النفّاثات من الرصد الفلكي»، مؤكّدةً أن الأداة «تُتيح قياساً دقيقاً للسرعة المسقطة عند أي نقطة في النفّاثة».
السؤال المطروح الآن: هل تُكشف لنا نفّاثات بلازارات أخرى سلوكاً مماثلاً حين نُطبّق عليها Kine؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كانت نتائج 3C 345 استثناءً أم بداية مراجعةٍ أعمق للنماذج الفيزيائية الكونية.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
