رصد خيوط بيته في ذرات السيزيوم فائقة البرودة
في تجربة فريدة رصد فريق علمي عناقيد ذرات السيزيوم فائقة البرودة المعروفة بخيوط بيته التي تتصرف بشكل مختلف في بعد واحد. النتائج تدعم نظرية قديمة وتفتح آفاق لفهم الأنظمة الكمومية المعقدة في وورلد برس عربي.

«أن تتطابق نظرية ما مع بياناتك لا يعني أنها برهان على وجود الشيء». بهذه العبارة الحذرة يلخّص الفيزيائي التجريبي Hanns-Christoph Nägerl من جامعة Innsbruck، وهو من معدّي الدراسة، حصيلة تجربة رصدت ما يُرجَّح أنه عناقيد من ذرات السيزيوم فائقة البرودة تُعرف بـ«خيوط بيته» (Bethe strings). ونقلت مجلة Live Science عنه هذا التحفّظ. وتدعم النتائج نموذجاً نظرياً عمره عقود لجسيمات متفاعلة، وقد تساعد العلماء على فهم سلوك الأنظمة الكمومية المعقّدة. نُشرت الدراسة في 29 أغسطس في مجلة Nature Communications.
ما «خيوط بيته» ولماذا تهمّ؟
تعود الفكرة إلى عام 1931، حين وصف الفيزيائي Hans Bethe رياضياً صفاً من اللفّات المغزلية (السبين) للإلكترونات. يمكن لكل لفّة في نموذجه أن تتجه إلى الأعلى أو إلى الأسفل. وبيّن أن اللفّات المقلوبة قد ترتبط ببعضها وتنتقل معاً على امتداد الصف. وكان عمله يعالج سؤالاً أساسياً: كيف تفسّر ميكانيكا الكم المغناطيسية في بعض المواد؟ ويمكن الاطلاع على سيرة Bethe في موقع جائزة نوبل.
لم تبقَ الطريقة حبيسة الإلكترونات. فقد وسّعها فيزيائيون لاحقاً لتشمل جسيمات أكبر، منها الذرات، تتحرك على خط واحد، وهو ما يعرضه هذا البحث في Physical Review. وتتنبأ النظرية بأن الجسيمات المتجاذبة في بُعد واحد ترتبط في عناقيد هي «خيوط بيته».
يشبّه Nägerl هذه العناقيد بالخرز على خيط. قال: «هي فعلاً أشبه قليلاً باللآلئ على خيط، كما في قلادة، فلا تستطيع أن تتجاوز بعضها». وللبُعد الواحد هنا دور حاسم. ففي ثلاثة أبعاد تميل الذرات المتجاذبة إلى التكتّل وتكوين جزيئات، وتُطلق في ذلك طاقة تقذف الذرات خارج المجموعة. يقول Nägerl: «في ثلاثة أبعاد سينهار كل شيء، لكن في بُعد واحد لا ينهار».
كيف رُصدت العناقيد دون رؤيتها مباشرة؟
بدأ الفريق بعشرات الآلاف من ذرات السيزيوم في مكثّف بوز-أينشتاين، وهو مادة تتشارك ذراتها القريبة من الصفر المطلق حالةً كمومية واحدة. ثم قسّمت حزم الليزر المكثّف إلى آلاف الأنابيب الرفيعة، يضم كل منها حتى بضع عشرات من الذرات مصطفّة على خط.
وبعد ذلك استخدم الباحثون مجالاً مغناطيسياً لخفض التنافر بين الذرات إلى الصفر، ثم لتوليد تجاذب بينها. كان الرصد غير مباشر: أُطلقت الذرات وقيس مدى سرعة انتشار السحابة. وحين سُمح للذرات بالتمدد على امتداد الأنابيب بقيت «خيوطها» سليمة، أما الإطلاق في ثلاثة أبعاد فقد فكّكها. وانتشرت السحب ثلاثية الأبعاد بطاقة تقارب ثلاثة أضعاف طاقة السحب أحادية البعد. ومن هذا الفارق قدّر الفريق قوة الارتباط، فدلّت النتائج على خيوط من ست ذرات على الأقل.
وتطابقت القياسات بدرجة وثيقة مع تنبؤات «الهيدروديناميكا المعمَّمة» (Generalized hydrodynamics) لمائع يضم أنواعاً من الجسيمات بأحجام مختلفة. وتتتبّع هذه النظرية كيف يتدفق كل نوع من الجسيمات عبر الزمن بدل تعقّب كل ذرة على حدة. وتجد أساسها النظري هنا.
ما الجديد قياساً بالتجارب السابقة؟
لم تكن هذه أول مرة تُرصد فيها خيوط بيته. فقد اكتُشفت خيوط صغيرة في بلورات مغناطيسية وفي دارات كمومية فائقة التوصيل، لكن خيطاً واحداً في كل مرة. أراد الباحثون هذه المرة إنتاج خيوط كثيرة بأحجام مختلفة في آن واحد، وقد ضمّت بعض العناقيد المرصودة أكثر من ست ذرات.
ولهذا الأمر أهمية خارج المختبر. فالمغانط ورقائق الهواتف أمثلة على أنظمة تتكوّن من جسيمات كثيرة متفاعلة، وسلوك مثل هذه الأنظمة صعب التنبؤ. وتوفّر الذرات فائقة البرودة وسيلة قابلة للضبط لدراسة هذا التعقيد، كما تتصرف الذرات المحصورة على خط بطريقة تختلف عن سلوكها في ثلاثة أبعاد.
ما حدود الاستنتاج؟
يشدّد Nägerl على الفرق بين الدليل والبرهان، فتطابق النظرية مع البيانات لا يثبت بذاته وجود الشيء. وللعناقيد نفسها عمرٌ قصير على الأرجح. يقول: «أنت تنشئ حالات خيوط بيته بصورة عابرة». ويضيف: «لكنني لا أظن أنها طويلة العمر».
والسبب أن الذرات تبقى خاضعة لتأثيرات ثلاثية الأبعاد، فيُرجَّح أن تتحلل الخيوط إلى جزيئات سيزيوم عادية. وخسر الفريق نحو 40% من ذراته في أبرد جولات التجربة.
ما الخطوة التالية؟
يقترح Nägerl طريقاً لإطالة عمر الخيوط، هو استخدام جزيئات فائقة البرودة محميّة بالموجات الميكروية. وتقنية «الحماية الميكروية» حديثة التطوير، وتمنع هذه الجزيئات من التصادم عن قرب. لكنه يقرّ بأن الفكرة لم تُختبر: «لم يراجع أحد ادعاءاتي هذه نظرياً حتى الآن، لكنني أظن بحدسي أن هذا ينبغي أن ينجح».
وثمة مسار آخر هو مجهرية الغاز الكمومي، التي تصوّر الذرات فرادى وقد تقدّم دليلاً أكثر مباشرة على وجود الخيوط.
أما الهدف بعيد المدى لدى Nägerl فهو التحكم في حركة كل جسيم وفي قلب لفّاته المغزلية، ليتمكن من تجميع مواد نموذجية «على طريقة LEGO». وقد بدأ فريقه فعلاً استخدام الليزر للتحكم في اللفّات المغزلية داخل غازه أحادي البعد، ويصف Nägerl هذه الخطوة بأنها «تحويلة صغيرة».
الدراسة بعنوان «Probing Bethe strings in an attractive one-dimensional Bose gas»، وقد نُشرت عام 2026 في Nature Communications، المجلد 17، المقال 10330. ومؤلفوها: Horvath وBastianello وDhar وKoch وGuo وCaux وLandini وNägerl. ويمكن الاطلاع على النص عبر المعرّف الرقمي للدراسة، وعلى الصفحة التعريفية بـNägerl في موقع الأكاديمية النمساوية للعلوم. والسؤال المفتوح الآن هو هل ستكفي تقنيات مثل الجزيئات المحميّة والتصوير الذري المباشر لتحويل «الدليل» إلى «برهان».
أخبار ذات صلة

إيفرست الأعلى عبر التاريخ: هل وجد جبلٌ أطول منه؟

رواد الفضاء: رؤية الأرض من المدار تغيّر الإنسان للأبد

اكتشاف الكواكب الخارجية: حين يكون الفشل نجاحاً
