عطارد يكشف أسراره بمهمة فضائية غير مسبوقة
مهمة BepiColombo تفتح نافذة جديدة على أسرار كوكب عطارد الغامض بتقنيات متطورة لرصد سطحه ومجاله المغناطيسي. اكتشف كيف ستجيب هذه الرحلة المشتركة على أسئلة عالقة وتعيد رسم فهمنا لأصغر كواكب النظام الشمسي في وورلد برس عربي.

-عطارد، أصغر كواكب المجموعة الشمسية الداخلية وأكثرها إهمالاً في تاريخ الاستكشاف الفضائي، يقترب موعده مع مرحلة علمية غير مسبوقة. بعد رحلة امتدّت لسنوات عبر الفضاء السحيق، تستعدّ مهمة BepiColombo المشتركة بين وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية (JAXA) للانتقال من طور العبور إلى طور الرصد الفعلي وما تحمله من أسئلة معلّقة منذ عقود قد تجد أخيراً إجاباتٍ دقيقة.
قالت راشيل كليما، عالمة الجيولوجيا الكوكبية في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة Johns Hopkins، معبّرةً عن حجم الترقّب العلمي: "أعتقد أن القدرة على رؤية بيانات جديدة عن عطارد ستكون رائعة للغاية." وأضافت واصفةً الكوكب بعبارةٍ تختصر سحره الغريب: "غريبٌ جداً وجميل ومثير للاهتمام."
كوكبٌ زار قبل مرّتين فقط
لفهم ما تعنيه مهمة BepiColombo، لا بدّ من استيعاب حجم الفجوة في معرفتنا بعطارد. فعلى خلاف المريخ والزهرة اللذين استقطبا عشرات المركبات الفضائية، لم يزر عطارد سوى مهمّتين في تاريخ الاستكشاف البشري.
الأولى كانت مركبة Mariner 10 التابعة لوكالة NASA، التي أجرت ثلاث تحليقات قريبة بين عامَي 1974 و1975، وكشفت للمرة الأولى عن ملامح سطح الكوكب وغلافه الجوّي الخفيف ومجاله المغناطيسي. أمّا الثانية، فكانت مركبة MESSENGER التي دخلت مداره عام 2011 وأمضت أربع سنوات ترصده، مقتربةً في أحيانٍ كثيرة حتى 24.9 كيلومتراً فوق سطحه. كشفت MESSENGER عن ظاهرة "الحفر الغائرة" (hollows) وهي حُفَر مضيئة شديدة الانحدار وأثبتت وجود عناصر متطايرة بنسبٍ أعلى مما هو موجود على الأرض، وكشفت أن مركز المجال المغناطيسي لعطارد منزاحٌ عن مركز نواته.
غير أن MESSENGER تركت فجواتٍ حقيقية. يقول شون سولومون، عالم الكواكب في جامعة Columbia والمحقّق الرئيسي لمهمة MESSENGER: "لقد منحتنا أوّل صورة مقرّبة لعطارد." ثم يُضيف بوضوح: "لكنّها تركت الكثير من الصفحات فارغة." فمدار المركبة حدّ من قدرتها على التصوير الحاد للنصف الجنوبي من الكوكب، وهو ما يُشكّل أحد الأهداف الرئيسية لمهمة BepiColombo.
مهمّتان في جسدٍ واحد
أُطلقت BepiColombo في أكتوبر 2018، وأجرت خلال رحلتها ستة تحليقات قريبة من عطارد جمعت خلالها بيانات أوّلية. في 3 سبتمبر 2024، كانت المهمة تستعدّ للخطوة التالية: فصل الوحدات العلمية عن وحدة النقل، تمهيداً للفصل الكامل بين المركبتين المتوقَّع في ديسمبر 2024، ثم انطلاق الرصد العلمي المنسّق بينهما في أبريل 2027.
تتكوّن BepiColombo من مركبتين متكاملتين: Mercury Planetary Orbiter (MPO) الأوروبية، وتحمل 11 جهازاً علمياً لرسم خرائط التضاريس والمعادن والجاذبية والحفر الغائرة والرواسب البركانية وتأثيرات الجسيمات الشمسية؛ والمركبة اليابانية Mercury Magnetospheric Orbiter (Mio)، المخصّصة لدراسة الغلاف المغناطيسي والغلاف الجوّي والبيئة الغبارية للكوكب. وما يميّز هذه المهمة تقنياً هو امتلاك كلتا المركبتين أجهزة لقياس المجال المغناطيسي في آنٍ واحد من مواقع مختلفة، ما يتيح قياساتٍ متزامنة لم تكن ممكنة من قبل.
تتمتّع MPO بميزةٍ إضافية تجعلها متفوّقة على MESSENGER في جانبٍ محدّد: تقنية رسم الخرائط المعدنية فيها قادرة على تحليل الصخور الخالية من الحديد، وهو ما كانت أجهزة MESSENGER عاجزةً عنه. هذا التطوّر التقني قد يُلقي ضوءاً جديداً على التركيب الكيميائي لسطح عطارد ويُعيد رسم خريطة فهمنا لتشكّله.
أسئلةٌ معلّقة منذ عقود
يبلغ نصف قطر عطارد 2,440 كيلومتراً، أي ما يعادل ثلث عرض الأرض تقريباً. هذا الكوكب الصغير يُخفي في باطنه وعلى سطحه أسراراً لم تُحلّ بعد: كيف تشكّل؟ ولماذا يمتلك مجالاً مغناطيسياً على الرغم من صغر حجمه؟ وهل تختبئ رواسب جليد الماء في الحفر العميقة المظلمة عند قطبَيه؟
يُجيب سولومون بصراحةٍ علمية عن سؤال التشكّل: "أعتقد أن الهيئة المحلّفين لم تُصدر حكمها بعد حول الكيفية الدقيقة التي تجمّع بها عطارد." وفي إشارةٍ إلى ما تراكم من بيانات خلال مرحلة التحليق، يقول: "ثمة أدبيات علمية متنامية من نتائج جديدة جاءت من تحليقات BepiColombo، لكنّي أتوقع أن تنفجر هذه النتائج حين تدخل المركبتان المدار."
وتُضيف كليما بُعداً آخر يعكس إشكاليةً أعمق في أولويات الاستكشاف الفضائي: "بالتأكيد لا يحظى عطارد بالاهتمام والمحبة التي تحظى بها المريخ والزهرة وسائر الأماكن."
مع اقتراب أبريل 2027، موعد انطلاق الرصد العلمي المنسّق، يجد المجتمع العلمي نفسه أمام فرصةٍ نادرة لإعادة كتابة ما تركته MESSENGER من صفحاتٍ فارغة. الأسئلة المطروحة عن الجليد والمغناطيسية والتشكّل الكوكبي ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي مفاتيح لفهم كيف نشأت الكواكب الصخرية في منظومتنا الشمسية، بما فيها الأرض ذاتها.
أخبار ذات صلة

الرياضيون يؤكدون: نرد بـ 60 وجه هو الأعدل عالمياً.. استغرق تصميمه 15 سنة

مركبة فضائية بتمويل ناسا لرسم خريطة المعادن على كواكب وأقمار النظام الشمسي

الكشف عن إشارات الهيدروجين الكوني: خطوة نحو رسم خريطة الكون
