سر الحياة في كائن يعيد بناء كروموسوماته عبر الأجيال
اكتشف كيف ينجو كائن دقيق من تحطم كروموسوماته بفعل الإشعاع والجفاف وينقلها إلى أجيال لاحقة ليُصلحها تدريجياً عبر الزمن قدرة فريدة تغير فهمنا للحياة والموت الخلوي على وورلد برس عربي.

في عالم الأحياء الدقيقة، ثمّة مخلوقٌ لا يكبر عن عشر مليمترات يُعيد رسم حدود ما نعرفه عن الحياة والموت الخلوي. كائنٌ يعيش في الطحالب والأشنات، يتجمّد ويجفّ ويتعرّض لجرعات إشعاعية قاتلة، ثمّ يستيقظ كأنّ شيئاً لم يكن. لكنّ الاكتشاف الذي نشرته مجلة Science Advances مؤخّراً يتجاوز هذه المقاومة المعروفة إلى شيءٍ لم يُشاهَد من قبل في أيّ كائنٍ حيّ: القدرة على نقل كروموسومات مكسورة إلى النسل، ثمّ إصلاحها تدريجياً عبر أجيالٍ متعاقبة.
كائنٌ يُحطَّم ولا يُهزَم
الكائن المعني هو Adineta vaga، نوعٌ من الروتيفيرات البديلوئيدية (Bdelloid rotifers) التي تُعدّ من أكثر الكائنات الحيّة قدرةً على تحمّل الظروف القصوى. تستطيع هذه المخلوقات النجاة من الجفاف شبه التامّ، كما تتحمّل جرعات إشعاعية تفوق الجرعة المميتة للإنسان بمئات المرّات.
في تجاربهم، عرّض الباحثون في Université Libre de Bruxelles وUniversité Catholique de Louvain ببلجيكا أفراداً من A. vaga لجرعات إشعاع بروتوني بلغت 100 و250 و500 غراي. هذه الجرعات تسبّبت في كسور مزدوجة في خيوط الحمض النووي DNA بلغت نحو 88 و220 و440 كسراً لكلّ جينوم على التوالي. عند الجرعة القصوى البالغة 500 غراي، تحطّمت الكروموسومات إلى ما بين 30 و50 قطعة مشهدٌ يُشبه ما يُعرف في أبحاث السرطان بظاهرة التحطّم الكروموسومي (Chromothripsis).
السرّ في بنية الكروموسوم
ما الذي يجعل هذا الكائن قادراً على توارث كروموسومات مجزّأة دون أن يتوقّف عن التكاثر؟ يكمن الجواب في بنيةٍ استثنائية وصفها بيرنار هاليه، عالم الأحياء الجزيئية في Université Catholique de Louvain، بقوله: "تُشير نتائجنا إلى أنّ كروموسومات الروتيفيرات البديلوئيدية تمتلك بنيةً 'هولوسنترية' (Holocentric)، إذ تنتشر المكوّنات البنيوية الرئيسية للسنترومير على طول مناطق منفصلة من الكروموسوم وهو ما يضمن الفصل السليم لشظايا الكروموسوم التي تحتوي على هذه المكوّنات."
في الكروموسومات العادية، يتمركز السنترومير في نقطةٍ واحدة تُتيح للخلية إمساك الكروموسوم وسحبه أثناء الانقسام. أمّا في A. vaga، فإنّ هذه الوظيفة موزّعةٌ على طول الكروموسوم بأكمله، ممّا يعني أنّ أيّ شظيّة مهما صغرت تحتفظ بقدرتها على الانفصال السليم إلى الخلايا البنت.
لكنّ الأمر لا يتوقّف عند الفصل. فـA. vaga تتكاثر لاجنسياً، غير أنّها تحتفظ بآليةٍ شبيهة بالانقسام الاختزالي (Meiosis) تتقابل فيها الكروموسومات المتماثلة. هذا التقابل يُتيح لآليةٍ تُسمّى إصلاح الكسر بالامتداد التماثلي المُحرَّض (Break-Induced Homologous Extension Repair— BIHER) أن تستخدم الكروموسوم السليم المقابل كقالبٍ لإعادة بناء الأجزاء المفقودة. والأهمّ من ذلك أنّ هذا الإصلاح لا يشترط اكتماله في الجيل الواحد بل يمتدّ عبر أجيالٍ متعاقبة.
عبر الأجيال: ما لم يُشاهَد من قبل
حين جمع الباحثون بيض الروتيفيرات المُشعَّة وأسّسوا منها مجموعاتٍ مستنسخة، وجدوا أنّ الحذوفات الكبيرة في الكروموسومات تتفاوت بين الأفراد المستنسخين دليلٌ واضح على أنّ الإصلاح لا يزال جارياً بعد التكاثر. وحين تابعوا هذه المجموعات على مدى أشهر، رصدوا شظايا الكروموسومات المكسورة تنتقل من جيلٍ إلى آخر مع استمرار عملية الرتق.
يقول هاليه: "تُظهر نتائجنا فعلاً أنّ الإصلاح التكراري بآلية BIHER يمكنه استعادة البنية الأصلية للكروموسوم المكسور، مع اختفاء بعض الحذوفات كلياً بعد عددٍ من الأجيال." ويُضيف: "بعبارةٍ أخرى، إذا توفّر الوقت الكافي، يمكن استعادة التسلسل المفقود تدريجياً."
كارين فان دونينك، عالمة الأحياء التطوّرية في Université Libre de Bruxelles، تصف ما يجعل هذا الاكتشاف استثنائياً: "ما هو استثنائيٌّ حقاً في هذا الاكتشاف هو أنّهم يُثبّتون بطريقةٍ ما نهايات الكروموسوم؛ يُثبّتون هذه القطع من الحمض النووي، ثمّ ينقلونها إلى الجيل التالي ليستمرّ الإصلاح." وتُؤكّد: "هذا لم يُثبَت قطّ أن يجري الإصلاح عبر الأجيال."
وحين واجه الفريق البيانات الأولى، كاد لا يُصدّق ما يراه. تقول فان دونينك: "أشارت البيانات إلى إصلاحٍ تدريجي، وكنّا نظنّ أنّ هذا مستحيل." أمّا هاليه فيصف اللحظة بقوله: "كان ذلك غير متوقّعٍ تماماً، واستغرقنا وقتاً لنفهم ما يجري، وكنّا نقرص أنفسنا لنُصدّق." ويُضيف في مكانٍ آخر: "إنّ مفهوم النقل عبر الأجيال وإصلاح الكروموسومات المكسورة كان غير متوقّعٍ كلياً. أعتبره أحد أجمل اكتشافات مسيرتي."
من الجفاف إلى الإشعاع: مسارٌ تطوّري غير مقصود
لا يمكن فهم هذه القدرة الاستثنائية دون العودة إلى البيئة التي نشأت فيها. الروتيفيرات البديلوئيدية تعيش في بيئاتٍ تتعرّض للجفاف المتكرّر، والجفافُ الشديد يُسبّب للحمض النووي ضرراً مماثلاً لما يُسبّبه الإشعاع المُؤيِّن، بما في ذلك الكسور المزدوجة في خيوط DNA. تقول فان دونينك: "الضرر الجسدي الناجم عن الجفاف هو بالصدفة نفس الضرر الناجم عن الإشعاع، ولهذا أصبحت هذه الكائنات مقاومةً للإشعاع." أي أنّ مقاومة الإشعاع ليست صفةً تطوّرت لذاتها، بل هي أثرٌ جانبي لتكيّفٍ مع الجفاف.
وتذهب فان دونينك إلى أبعد من ذلك في تشبيهٍ لافت يربط هذا الكائن بأبحاث السرطان: "أقول أحياناً إنّ الروتيفير يشبه سرطاناً حيّاً، وهو لهذا نموذجٌ بحثيٌّ بالغ الأهمية."
الإشارة إلى السرطان ليست مجازاً بلاغياً فحسب؛ فظاهرة التحطّم الكروموسومي (Chromothripsis) التي تتشابه مع ما يحدث في كروموسومات A. vaga بعد الإشعاع الشديد، هي ظاهرةٌ موثّقة في خلايا الأورام الخبيثة. فهم كيف تُثبّت هذه الروتيفيرات شظاياها الكروموسومية وتنقلها وتُصلحها قد يفتح نافذةً جديدة على آليات إصلاح DNA في السياق السرطاني وفي سياقات الضرر الإشعاعي عموماً.
يبقى السؤال الأوسع مفتوحاً: هل ثمّة كائناتٌ أخرى تمتلك آلياتٍ مشابهة لم نكتشفها بعد؟ وهل يمكن يوماً ما الاستفادة من مبدأ BIHER في تصميم علاجاتٍ تُعزّز قدرة خلايا الإنسان على إصلاح ضرر الحمض النووي؟ ما نعرفه اليوم هو أنّ كائناً لا يُرى بالعين المجرّدة، يعيش في طحالب الحدائق والغابات، يحمل في كروموسوماته المكسورة إجاباتٍ لم نطرح أسئلتها بعد.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
