عدد السكان الأصليين بأستراليا قبل الغزو الاستعماري الحتمي
دراسة جديدة تكشف أن عدد السكان الأصليين في أستراليا قبل الاستعمار كان أكثر من مليوني شخص وتوضح حجم الكارثة الديموغرافية التي حلت بهم بسبب الغزو البريطاني مع إبراز قدرتهم الاستثنائية على البقاء والتعافي وورلد برس عربي

قبل أن تصل السفن البريطانية إلى شواطئ أستراليا عام 1788، كانت القارّة تعجّ بأكثر من مليوني إنسان ينتمون إلى الشعوب الأصلية وهو رقمٌ يفوق بأضعافٍ كثيرة ما ظلّ العلم يتداوله لعقودٍ طويلة. هذا ما كشفته دراسةٌ جديدة نُشرت في مجلة Nature Human Behaviour، مُعيدةً رسم صورة ديموغرافية مغايرة تماماً لما قبل الاستعمار، ومُجلّيةً في الوقت ذاته حجم الكارثة البشرية التي أعقبت وصول الأسطول البريطاني الأول.
تقديرات جديدة تُقلب المعادلة
خلصت الدراسة إلى أن عدد السكان الأصليين قبيل الاستعمار بلغ نحو 2.22 مليون شخص، بكثافةٍ سكانية تعادل شخصاً واحداً لكل ثلاثة كيلومترات مربّعة. والرقم في حدّ ذاته صادمٌ حين يُقارَن بالتقديرات السابقة، إذ كانت بعض التقديرات الشائعة أدنى من هذا الرقم بسبع مرّات. فقد ذهب الأنثروبولوجي Alfred Radcliffe-Brown في تقديره الصادر خلال ثلاثينيات القرن الماضي إلى أن العدد لم يتجاوز 250,000 إلى 300,000 شخص، مستنداً إلى بياناتٍ جُمعت بعد أكثر من 140 عاماً على بدء الاستعمار وهي فجوةٌ زمنية كافية وحدها لتشويه أي تقدير. وقد أقرّ Radcliffe-Brown نفسه بما كان يجري، إذ كتب: «منذ أن بدأ الرجل الأبيض في احتلال القارة الأسترالية، تناقص عدد السكان الأصليين بسرعةٍ شديدة».
لاستعادة الصورة الحقيقية، اعتمد الباحثون خمس منهجيات متكاملة: نموذجَين حاسوبيَّين، وإعادتَين لبناء البيانات الجينية، فضلاً عن بيانات الكربون المشعّ الأثرية. وقد أفضى هذا التقاطع المنهجي إلى استنتاجٍ واضح، صاغه الباحثون في ورقتهم بقولهم: «تدعم مجمل الأدلة المتاحة احتمالاً راجحاً بأن يكون عدد السكان قد تجاوز المليون، وعلى الأرجح تراوح بين 2 و3 ملايين، مع احتمال أن يتخطّى 5 ملايين عند لحظة الغزو الاستعماري».
كارثةٌ ديموغرافية في أرقام
ما تكشفه الدراسة بعد ذلك لا يقلّ إيلاماً عن الرقم الأوّلي. فبحلول عام 1847، كان عدد غير الأصليين قد تجاوز عدد السكان الأصليين للمرة الأولى. وبعد أربعة عشر عاماً فحسب، أي في عام 1861، كان عدد الأصليين قد انهار إلى ما بين 177,000 و193,000 شخص أي ما يعادل 7% فقط من حجمهم قبل الاستعمار. ويُقدّر الباحثون أن الوفيات الزائدة الناجمة عن الأمراض والعنف والسياسات القسرية بلغت في وسطها الحسابي 2.06 مليون حالة وفاة، مع نطاقٍ محتمل يتراوح بين 700,000 و4.2 مليون.
وقد صاغ الباحثون هذه النتيجة بأسلوبٍ لا يحتمل التأويل: «إن مقارنة تقديراتنا المُنقَّحة لعدد السكان قبيل الغزو بتلك المُسجَّلة في الحقبة الاستعمارية يكشف حجم الكارثة التي حلّت بالسكان الأصليين». ثم يُفصّلون: «نُقدّر أن 2.06 مليون شخص إضافي ربّما لقوا حتفهم جرّاء الأمراض، وبسبب عنف الحدود مباشرةً أو بصورة غير مباشرة، أو بفعل العنف البنيوي المتمثّل في سياسات الاستيعاب القسري والإقصاء العنصري طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين».
البقاء معجزةٌ بحدّ ذاته
غير أن الدراسة لا تقف عند حدود الرثاء. فالسكان الأصليون اليوم يُمثّلون نحو 37% من الحجم المُقدَّر قبل الاستعمار، في حين يبلغ إجمالي سكان أستراليا اليوم نحو 28 مليون نسمة. وتُشير التوقّعات المبنية على معدّلات النمو الراهنة إلى أن السكان الأصليين قد يستعيدون حجمهم ما قبل الاستعماري بحلول عام 2047.
Alan Williams، المستشار الأثري في EMM Consulting وجامعة James Cook والمؤلف الأول للدراسة، يرى في هذه الأرقام وجهَين لا يمكن الفصل بينهما: «هذه النتائج المُدمِّرة تُسلّط الضوء على الأثر الجسيم للغزو الذي عاشه الأستراليون الأصليون، وتُثبت في الوقت ذاته قدرتهم الاستثنائية على البقاء والصمود والتعافي على مدى القرن الماضي».
وتُشاطره الأستاذة المتميّزة Larissa Behrendt AO، من قبيلتَي Eualayai وGamillaroi وعضو المركز الأسترالي للتميّز في تاريخ وآفاق البيئة والشعوب الأصلية (CIEHF)، هذا المنظور المزدوج: «هذه النتائج البحثية تدعونا إلى إعادة التفكير في حجم ما جرى بعد عام 1788». وتُضيف بصراحةٍ أكبر: «لا نتحدّث عن عواقب هامشية للاستعمار، بل عن كارثةٍ ديموغرافية تقع في صميم القصة الأسترالية. لكن البحث يُخبرنا أيضاً بشيءٍ استثنائي: بقاؤنا هو واحدةٌ من أكثر القصص إثارةً للدهشة في التاريخ الأسترالي».
ما تطرحه هذه الدراسة يتجاوز التصحيح الأكاديمي لرقمٍ تاريخي. إنها تُعيد تأطير السؤال الجوهري: كيف تُحاسَب الدول على ما لم تعترف بحجمه أصلاً؟ فطالما ظلّت التقديرات المُتداوَلة مُقلِّلةً من عدد السكان الأصليين قبل الاستعمار، ظلّ حجم الخسارة البشرية مُقلَّلاً بالضرورة. والرقم الجديد 2.22 مليون ليس مجرّد تصحيحٍ إحصائي، بل هو مطالبةٌ بإعادة كتابة الذاكرة الجماعية لأمّةٍ بأكملها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
