وورلد برس عربي logo

عدد السكان الأصليين بأستراليا قبل الغزو الاستعماري الحتمي

دراسة جديدة تكشف أن عدد السكان الأصليين في أستراليا قبل الاستعمار كان أكثر من مليوني شخص وتوضح حجم الكارثة الديموغرافية التي حلت بهم بسبب الغزو البريطاني مع إبراز قدرتهم الاستثنائية على البقاء والتعافي وورلد برس عربي

خريطة توزيع الكثافة السكانية للسكان الأصليين في أستراليا قبل الاستعمار مع نقاط حمراء توضح التجمعات السكانية الرئيسية.
توزيع نقاط الكثافة للسكان الأصليين في أستراليا عبر القارة قبل الاستعمار البريطاني. (ويليامز وآخرون، سلوك الإنسان في الطبيعة، 2026)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قبل أن تصل السفن البريطانية إلى شواطئ أستراليا عام 1788، كانت القارّة تعجّ بأكثر من مليوني إنسان ينتمون إلى الشعوب الأصلية وهو رقمٌ يفوق بأضعافٍ كثيرة ما ظلّ العلم يتداوله لعقودٍ طويلة. هذا ما كشفته دراسةٌ جديدة نُشرت في مجلة Nature Human Behaviour، مُعيدةً رسم صورة ديموغرافية مغايرة تماماً لما قبل الاستعمار، ومُجلّيةً في الوقت ذاته حجم الكارثة البشرية التي أعقبت وصول الأسطول البريطاني الأول.

تقديرات جديدة تُقلب المعادلة

خلصت الدراسة إلى أن عدد السكان الأصليين قبيل الاستعمار بلغ نحو 2.22 مليون شخص، بكثافةٍ سكانية تعادل شخصاً واحداً لكل ثلاثة كيلومترات مربّعة. والرقم في حدّ ذاته صادمٌ حين يُقارَن بالتقديرات السابقة، إذ كانت بعض التقديرات الشائعة أدنى من هذا الرقم بسبع مرّات. فقد ذهب الأنثروبولوجي Alfred Radcliffe-Brown في تقديره الصادر خلال ثلاثينيات القرن الماضي إلى أن العدد لم يتجاوز 250,000 إلى 300,000 شخص، مستنداً إلى بياناتٍ جُمعت بعد أكثر من 140 عاماً على بدء الاستعمار وهي فجوةٌ زمنية كافية وحدها لتشويه أي تقدير. وقد أقرّ Radcliffe-Brown نفسه بما كان يجري، إذ كتب: «منذ أن بدأ الرجل الأبيض في احتلال القارة الأسترالية، تناقص عدد السكان الأصليين بسرعةٍ شديدة».

لاستعادة الصورة الحقيقية، اعتمد الباحثون خمس منهجيات متكاملة: نموذجَين حاسوبيَّين، وإعادتَين لبناء البيانات الجينية، فضلاً عن بيانات الكربون المشعّ الأثرية. وقد أفضى هذا التقاطع المنهجي إلى استنتاجٍ واضح، صاغه الباحثون في ورقتهم بقولهم: «تدعم مجمل الأدلة المتاحة احتمالاً راجحاً بأن يكون عدد السكان قد تجاوز المليون، وعلى الأرجح تراوح بين 2 و3 ملايين، مع احتمال أن يتخطّى 5 ملايين عند لحظة الغزو الاستعماري».

مجموعة من السكان الأصليين الأستراليين في صورة تاريخية تعكس الحياة قبل وبعد الاستعمار البريطاني وتأثيره الديموغرافي الكبير.
Loading image...
مزارعون من السكان الأصليين في محمية باركر، جبل فرانكلين، حوالي عام 1858. (أنطوان فوشيري وريتشارد داينتري/مكتبة ولاية فيكتوريا)

كارثةٌ ديموغرافية في أرقام

ما تكشفه الدراسة بعد ذلك لا يقلّ إيلاماً عن الرقم الأوّلي. فبحلول عام 1847، كان عدد غير الأصليين قد تجاوز عدد السكان الأصليين للمرة الأولى. وبعد أربعة عشر عاماً فحسب، أي في عام 1861، كان عدد الأصليين قد انهار إلى ما بين 177,000 و193,000 شخص أي ما يعادل 7% فقط من حجمهم قبل الاستعمار. ويُقدّر الباحثون أن الوفيات الزائدة الناجمة عن الأمراض والعنف والسياسات القسرية بلغت في وسطها الحسابي 2.06 مليون حالة وفاة، مع نطاقٍ محتمل يتراوح بين 700,000 و4.2 مليون.

وقد صاغ الباحثون هذه النتيجة بأسلوبٍ لا يحتمل التأويل: «إن مقارنة تقديراتنا المُنقَّحة لعدد السكان قبيل الغزو بتلك المُسجَّلة في الحقبة الاستعمارية يكشف حجم الكارثة التي حلّت بالسكان الأصليين». ثم يُفصّلون: «نُقدّر أن 2.06 مليون شخص إضافي ربّما لقوا حتفهم جرّاء الأمراض، وبسبب عنف الحدود مباشرةً أو بصورة غير مباشرة، أو بفعل العنف البنيوي المتمثّل في سياسات الاستيعاب القسري والإقصاء العنصري طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين».

البقاء معجزةٌ بحدّ ذاته

غير أن الدراسة لا تقف عند حدود الرثاء. فالسكان الأصليون اليوم يُمثّلون نحو 37% من الحجم المُقدَّر قبل الاستعمار، في حين يبلغ إجمالي سكان أستراليا اليوم نحو 28 مليون نسمة. وتُشير التوقّعات المبنية على معدّلات النمو الراهنة إلى أن السكان الأصليين قد يستعيدون حجمهم ما قبل الاستعماري بحلول عام 2047.

شبان من السكان الأصليين في أستراليا بجلود تحمل علامات الطقوس التقليدية، تعبيراً عن الهوية الثقافية في سياق دراسة جديدة تكشف أعدادهم الحقيقية قبل الاستعمار البريطاني.
Loading image...
(عين الحرباء/آي ستوك إديتوريال/غيتي إيماجز بلس)

Alan Williams، المستشار الأثري في EMM Consulting وجامعة James Cook والمؤلف الأول للدراسة، يرى في هذه الأرقام وجهَين لا يمكن الفصل بينهما: «هذه النتائج المُدمِّرة تُسلّط الضوء على الأثر الجسيم للغزو الذي عاشه الأستراليون الأصليون، وتُثبت في الوقت ذاته قدرتهم الاستثنائية على البقاء والصمود والتعافي على مدى القرن الماضي».

وتُشاطره الأستاذة المتميّزة Larissa Behrendt AO، من قبيلتَي Eualayai وGamillaroi وعضو المركز الأسترالي للتميّز في تاريخ وآفاق البيئة والشعوب الأصلية (CIEHF)، هذا المنظور المزدوج: «هذه النتائج البحثية تدعونا إلى إعادة التفكير في حجم ما جرى بعد عام 1788». وتُضيف بصراحةٍ أكبر: «لا نتحدّث عن عواقب هامشية للاستعمار، بل عن كارثةٍ ديموغرافية تقع في صميم القصة الأسترالية. لكن البحث يُخبرنا أيضاً بشيءٍ استثنائي: بقاؤنا هو واحدةٌ من أكثر القصص إثارةً للدهشة في التاريخ الأسترالي».

ما تطرحه هذه الدراسة يتجاوز التصحيح الأكاديمي لرقمٍ تاريخي. إنها تُعيد تأطير السؤال الجوهري: كيف تُحاسَب الدول على ما لم تعترف بحجمه أصلاً؟ فطالما ظلّت التقديرات المُتداوَلة مُقلِّلةً من عدد السكان الأصليين قبل الاستعمار، ظلّ حجم الخسارة البشرية مُقلَّلاً بالضرورة. والرقم الجديد 2.22 مليون ليس مجرّد تصحيحٍ إحصائي، بل هو مطالبةٌ بإعادة كتابة الذاكرة الجماعية لأمّةٍ بأكملها.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية