اكتشاف المدرسة التي تعلّم فيها الإسكندر الأكبر
اكتشاف أثري في شمال اليونان يكشف عن المدرسة التي درس فيها الإسكندر الأكبر على يد أرسطو. مجمع تعليمي فخم يعكس مكانة الملك الشاب ويضيء على التعليم النخبوي في مقدونيا. تفاصيل تكشف كيف تشكل تاريخ أحد أعظم القادة. وورلد برس عربي

في شمال اليونان، وعلى بُعد نحو 43 كيلومتراً (27 ميلاً) من بيلا العاصمة القديمة لمملكة مقدونيا، كشف علماء آثار عن مجمّعٍ تعليمي يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، تشير الأدلة المعمارية والمادية إلى أنه المدرسة التي درس فيها الإسكندر الأكبر على يد أرسطو. الإعلان جاء عن وزارة الثقافة اليونانية، ويستند إلى حفريات استمرت منذ عام 2024 في موقع ميزا (Mieza)، المدينة المقدونية القديمة.
القيمة العلمية للاكتشاف لا تكمن فقط في قِدمه أكثر من 2300 عام بل في التقاطع النادر بين الرواية التاريخية المكتوبة والدليل الأثري الملموس. فالمؤرخ اليوناني بلوتارخ (Plutarch)، الذي عاش تقريباً بين عامي 50 و120 للميلاد، ذكر أن الإسكندر تلقّى تعليمه في ميزا على يد أرسطو. لكن الفارق الزمني الكبير بين حياة بلوتارخ وأحداث القرن الرابع قبل الميلاد جعل الباحثين يبحثون منذ عقود عن دليلٍ مادي يُسند هذه الرواية أو يُصحّحها.
ما الذي يجعل عالمة الآثار متيقّنة من الهوية؟
تقود الحفريات أنجيليكي كوتاريدي (Angeliki Kottaridi)، عالمة الآثار ومديرة الآثار الفخرية في وزارة الثقافة اليونانية، والتي تعرّفت قبل سنوات على أطلالٍ قديمة بجوار مسرح ميزا الأثري. تقول كوتاريدي: "قبل بضع سنوات، تعرّفتُ على الأطلال القديمة المجاورة للمسرح الأثري في ميزا". وتؤكد أن المُجمّع بُني لغرضٍ محدّد: "لتعليم ابنه الإسكندر وأبناء النبلاء المقدونيين"، في إشارة إلى أن الملك فيليب الثاني هو من كلّف ببناء هذه المدرسة.
الأدلة المادية التي استندت إليها كوتاريدي متعدّدة الطبقات. المُجمّع يضمّ قاعتَي وليمة، بمنصّاتٍ مرتفعة كانت تتّسع لقرابة اثنتي عشرة أريكة، إلى جانب ساحة رياضية واستاد ورواق مسقوف وقاعة محاضرات مزوّدة بمكاتب حجرية. الأرضيات الفسيفسائية والأعمدة التي تزيّن المُجمّع تُقارَن معمارياً بالقصر الملكي المقدوني في آيغاي (Aigai)، الموقع المعروف اليوم باسم فرجينا (Vergina)، حيث عاش كلٌّ من فيليب الثاني والإسكندر. هذا التشابه المعماري بين مدرسةٍ وقصرٍ ملكي ليس أمراً عابراً؛ فهو يوحي بأن من بنى المُجمّع أراد أن يعكس المكانة الملكية للمكان ولمن يتلقّى فيه العلم.
أما القرائن الصغيرة التي عُثر عليها بين الأنقاض عملات معدنية، وقطع خزفية، وأربعة أقلام كتابة قديمة (Styluses) فهي تحمل دلالة رمزية أكثر منها حاسمة. يقول غراهام رايتسون (Graham Wrightson)، أستاذ التاريخ في جامعة South Dakota State: "أربعة أقلام كتابة تسمح لنا بأن نحلم بأن أحدها كان ملكاً للإسكندر"، مضيفاً أن هذا التخمين، رغم جاذبيته، لا يُغيّر من القيمة العلمية الأعمق للاكتشاف: "لكنه على أي حال يتيح لنا أن نضع أنفسنا في موضع الإسكندر الشاب، ونفهم أكثر كيف أصبح الملك الشهير". ويصف رايتسون تجربة التنقيب قائلاً: "درس الإسكندر هناك على يد أرسطو، لذا فمن المثير حفر غرف المدرسة ذاتها التي شكّل فيها معلّمه سنواته التكوينية".
هل يتّفق المؤرخون على الهوية، أم أن الحذر ما زال مطلوباً؟
الدعم الأكاديمي للاكتشاف لم يقتصر على فريق الحفر. جين ريمز (Jeanne Reames)، مديرة برنامج دراسات البحر الأبيض المتوسط القديم في جامعة نبراسكا في أوماها، تقول: "أتّفق على أن كل الأدلة تشير إلى أن هذه هي المدرسة التي وفّرها فيليب لأرسطو ليُعلّم فيها الإسكندر الشاب وزملاءه الطلاب". وتضيف أن الاكتشاف يمكن أن "يُلقي مزيداً من الضوء على التعليم النخبوي في مقدونيا في النصف الثاني من القرن الرابع".
من جانبها، ترى إليزابيث باينهام (Elizabeth Baynham)، المحاضرة الأولى في جامعة نيوكاسل في أستراليا، أن فخامة المُجمّع ليست مفاجئة، نظراً إلى أهمية من كان يتلقّى فيه العلم. وتشير باينهام إلى بُعد المدرسة الجغرافي عن العاصمة كعنصرٍ استراتيجي محتمل: "بعيدة بما يكفي لتمنح الإسكندر فرصة الهروب، في حال اغتيال والده". وهذا الافتراض ليس بعيداً عن سياق العالم القديم، إذ شهدت الإمبراطورية الرومانية التي قامت بعد وفاة الإسكندر اغتيال نحو 20% من أباطرتها الاثنين والثمانين أثناء توليهم الحكم وهو رقمٌ يُذكّر بأن الاغتيالات السياسية لم تكن استثناءً في ذلك العالم، بل احتمالاً وارداً حتى في العائلات الحاكمة.
وتلفت باينهام إلى ذكاء الإسكندر ومكانة معلّمه العلمية: "الإسكندر الذي كان بكل المقاييس شديد الذكاء تعلّم على يد واحدٍ من أرقى العقول في العالم القديم من حيث الاتساع والبصيرة. وكان أرسطو حينها لا يتجاوز أوائل الأربعينيات من عمره". هذا التفصيل الزمني يُعيد التذكير بأن العلاقة بين المعلّم والتلميذ لم تكن بين رجلٍ مسنّ وصبي، بل بين فيلسوفٍ في أوج نضجه الفكري وتلميذٍ استثنائي القدرات.
مع ذلك، وكما يحدث في أي اكتشافٍ أثري كبير، ثمة صوتٌ أكثر تحفّظاً. المؤرخ ميلتيادس هاتزوبولوس (Miltiades Hatzopoulos) يرى أن هناك حاجة إلى مزيدٍ من المعلومات الأثرية قبل حسم الهوية نهائياً، موضحاً أن "المُنقّبة أجرت مقابلات صحفية، لكنها لم تنشر بعد ورقة بحثية تتضمّن الشهادات ذات الصلة". هذا التحفّظ منهجي بامتياز: الفارق بين تصريحٍ صحفي وورقة علمية مُحكّمة ليس شكلياً، فالنشر الأكاديمي هو ما يتيح للمجتمع العلمي فحص الأدلة وتفنيدها أو تأكيدها بشكلٍ مستقل، بعيداً عن سردية المُكتشِف وحدها.
ماذا يبقى مفتوحاً؟
يذكّرنا هذا الاكتشاف بأن الحفريات في ميزا ليست وليدة اللحظة؛ فقد كشفت أعمال تنقيب سابقة، قبل أكثر من عشرين عاماً، عن نصبٍ تذكاري مجاور مُخصّص للحوريات، ما يعني أن الموقع بأكمله يحمل طبقاتٍ تاريخية متراكمة لم تُستنفد بعد. الخلاصة المرحلية إذن هي أن المُجمّع المكتشف يحمل مجموعة أدلةٍ معمارية ومادية قوية تدعم فرضية أنه مدرسة الإسكندر، وأن عدداً من الباحثين المستقلّين عن فريق التنقيب أبدوا اقتناعهم بهذا الترجيح. لكن الحسم العلمي الكامل، كما يُشير هاتزوبولوس، ينتظر نشر الأدلة والشهادات في ورقةٍ بحثية تخضع للمراجعة، وهو ما لم يحدث بعد. إلى أن يُنشر ذلك التقرير، يبقى موقع ميزا شاهداً محتملاً على واحدةٍ من أهم العلاقات التعليمية في التاريخ القديم، بانتظار أن يتحوّل الترجيح الأثري إلى يقينٍ موثّق.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
