وورلد برس عربي logo

اكتشاف المدرسة التي تعلّم فيها الإسكندر الأكبر

اكتشاف أثري في شمال اليونان يكشف عن المدرسة التي درس فيها الإسكندر الأكبر على يد أرسطو. مجمع تعليمي فخم يعكس مكانة الملك الشاب ويضيء على التعليم النخبوي في مقدونيا. تفاصيل تكشف كيف تشكل تاريخ أحد أعظم القادة. وورلد برس عربي

عالمة آثار تكشف فسيفساء أثرية خلال حفريات في موقع ميزا شمال اليونان، المرتبط بمدرسة الإسكندر الأكبر وأرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد.
يقوم باحث بتنظيف جزء من فسيفساء أثرية. كانت المدرسة فاخرة للغاية، إذ تم تمويلها من قبل فيليب الثاني لتعليم الإسكندر ونبلاء مقدونيا الآخرين.
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في شمال اليونان، وعلى بُعد نحو 43 كيلومتراً (27 ميلاً) من بيلا العاصمة القديمة لمملكة مقدونيا، كشف علماء آثار عن مجمّعٍ تعليمي يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، تشير الأدلة المعمارية والمادية إلى أنه المدرسة التي درس فيها الإسكندر الأكبر على يد أرسطو. الإعلان جاء عن وزارة الثقافة اليونانية، ويستند إلى حفريات استمرت منذ عام 2024 في موقع ميزا (Mieza)، المدينة المقدونية القديمة.

القيمة العلمية للاكتشاف لا تكمن فقط في قِدمه أكثر من 2300 عام بل في التقاطع النادر بين الرواية التاريخية المكتوبة والدليل الأثري الملموس. فالمؤرخ اليوناني بلوتارخ (Plutarch)، الذي عاش تقريباً بين عامي 50 و120 للميلاد، ذكر أن الإسكندر تلقّى تعليمه في ميزا على يد أرسطو. لكن الفارق الزمني الكبير بين حياة بلوتارخ وأحداث القرن الرابع قبل الميلاد جعل الباحثين يبحثون منذ عقود عن دليلٍ مادي يُسند هذه الرواية أو يُصحّحها.

ما الذي يجعل عالمة الآثار متيقّنة من الهوية؟

تقود الحفريات أنجيليكي كوتاريدي (Angeliki Kottaridi)، عالمة الآثار ومديرة الآثار الفخرية في وزارة الثقافة اليونانية، والتي تعرّفت قبل سنوات على أطلالٍ قديمة بجوار مسرح ميزا الأثري. تقول كوتاريدي: "قبل بضع سنوات، تعرّفتُ على الأطلال القديمة المجاورة للمسرح الأثري في ميزا". وتؤكد أن المُجمّع بُني لغرضٍ محدّد: "لتعليم ابنه الإسكندر وأبناء النبلاء المقدونيين"، في إشارة إلى أن الملك فيليب الثاني هو من كلّف ببناء هذه المدرسة.

موقع الحفريات الأثرية في ميزا شمال اليونان، يكشف عن أطلال مجمع تعليمي يعود للقرن الرابع قبل الميلاد مرتبط بتعليم الإسكندر الأكبر على يد أرسطو.
Loading image...
صورة جوية أخرى تُظهر المزيد من المدرسة التي درّس فيها أرسطو الإسكندر.

الأدلة المادية التي استندت إليها كوتاريدي متعدّدة الطبقات. المُجمّع يضمّ قاعتَي وليمة، بمنصّاتٍ مرتفعة كانت تتّسع لقرابة اثنتي عشرة أريكة، إلى جانب ساحة رياضية واستاد ورواق مسقوف وقاعة محاضرات مزوّدة بمكاتب حجرية. الأرضيات الفسيفسائية والأعمدة التي تزيّن المُجمّع تُقارَن معمارياً بالقصر الملكي المقدوني في آيغاي (Aigai)، الموقع المعروف اليوم باسم فرجينا (Vergina)، حيث عاش كلٌّ من فيليب الثاني والإسكندر. هذا التشابه المعماري بين مدرسةٍ وقصرٍ ملكي ليس أمراً عابراً؛ فهو يوحي بأن من بنى المُجمّع أراد أن يعكس المكانة الملكية للمكان ولمن يتلقّى فيه العلم.

أما القرائن الصغيرة التي عُثر عليها بين الأنقاض عملات معدنية، وقطع خزفية، وأربعة أقلام كتابة قديمة (Styluses) فهي تحمل دلالة رمزية أكثر منها حاسمة. يقول غراهام رايتسون (Graham Wrightson)، أستاذ التاريخ في جامعة South Dakota State: "أربعة أقلام كتابة تسمح لنا بأن نحلم بأن أحدها كان ملكاً للإسكندر"، مضيفاً أن هذا التخمين، رغم جاذبيته، لا يُغيّر من القيمة العلمية الأعمق للاكتشاف: "لكنه على أي حال يتيح لنا أن نضع أنفسنا في موضع الإسكندر الشاب، ونفهم أكثر كيف أصبح الملك الشهير". ويصف رايتسون تجربة التنقيب قائلاً: "درس الإسكندر هناك على يد أرسطو، لذا فمن المثير حفر غرف المدرسة ذاتها التي شكّل فيها معلّمه سنواته التكوينية".

هل يتّفق المؤرخون على الهوية، أم أن الحذر ما زال مطلوباً؟

الدعم الأكاديمي للاكتشاف لم يقتصر على فريق الحفر. جين ريمز (Jeanne Reames)، مديرة برنامج دراسات البحر الأبيض المتوسط القديم في جامعة نبراسكا في أوماها، تقول: "أتّفق على أن كل الأدلة تشير إلى أن هذه هي المدرسة التي وفّرها فيليب لأرسطو ليُعلّم فيها الإسكندر الشاب وزملاءه الطلاب". وتضيف أن الاكتشاف يمكن أن "يُلقي مزيداً من الضوء على التعليم النخبوي في مقدونيا في النصف الثاني من القرن الرابع".

موقع الحفريات الأثرية في ميزا شمال اليونان، يكشف عن مجمع تعليمي يعود للقرن الرابع قبل الميلاد يُعتقد أنه مدرسة الإسكندر الأكبر وأرسطو.
Loading image...
تُظهر هذه الصورة الجوية جزءًا من المدرسة القديمة التي تلقى فيها الإسكندر تعليمه. (حقوق الصورة: وزارة الثقافة اليونانية)

من جانبها، ترى إليزابيث باينهام (Elizabeth Baynham)، المحاضرة الأولى في جامعة نيوكاسل في أستراليا، أن فخامة المُجمّع ليست مفاجئة، نظراً إلى أهمية من كان يتلقّى فيه العلم. وتشير باينهام إلى بُعد المدرسة الجغرافي عن العاصمة كعنصرٍ استراتيجي محتمل: "بعيدة بما يكفي لتمنح الإسكندر فرصة الهروب، في حال اغتيال والده". وهذا الافتراض ليس بعيداً عن سياق العالم القديم، إذ شهدت الإمبراطورية الرومانية التي قامت بعد وفاة الإسكندر اغتيال نحو 20% من أباطرتها الاثنين والثمانين أثناء توليهم الحكم وهو رقمٌ يُذكّر بأن الاغتيالات السياسية لم تكن استثناءً في ذلك العالم، بل احتمالاً وارداً حتى في العائلات الحاكمة.

وتلفت باينهام إلى ذكاء الإسكندر ومكانة معلّمه العلمية: "الإسكندر الذي كان بكل المقاييس شديد الذكاء تعلّم على يد واحدٍ من أرقى العقول في العالم القديم من حيث الاتساع والبصيرة. وكان أرسطو حينها لا يتجاوز أوائل الأربعينيات من عمره". هذا التفصيل الزمني يُعيد التذكير بأن العلاقة بين المعلّم والتلميذ لم تكن بين رجلٍ مسنّ وصبي، بل بين فيلسوفٍ في أوج نضجه الفكري وتلميذٍ استثنائي القدرات.

مع ذلك، وكما يحدث في أي اكتشافٍ أثري كبير، ثمة صوتٌ أكثر تحفّظاً. المؤرخ ميلتيادس هاتزوبولوس (Miltiades Hatzopoulos) يرى أن هناك حاجة إلى مزيدٍ من المعلومات الأثرية قبل حسم الهوية نهائياً، موضحاً أن "المُنقّبة أجرت مقابلات صحفية، لكنها لم تنشر بعد ورقة بحثية تتضمّن الشهادات ذات الصلة". هذا التحفّظ منهجي بامتياز: الفارق بين تصريحٍ صحفي وورقة علمية مُحكّمة ليس شكلياً، فالنشر الأكاديمي هو ما يتيح للمجتمع العلمي فحص الأدلة وتفنيدها أو تأكيدها بشكلٍ مستقل، بعيداً عن سردية المُكتشِف وحدها.

ماذا يبقى مفتوحاً؟

يذكّرنا هذا الاكتشاف بأن الحفريات في ميزا ليست وليدة اللحظة؛ فقد كشفت أعمال تنقيب سابقة، قبل أكثر من عشرين عاماً، عن نصبٍ تذكاري مجاور مُخصّص للحوريات، ما يعني أن الموقع بأكمله يحمل طبقاتٍ تاريخية متراكمة لم تُستنفد بعد. الخلاصة المرحلية إذن هي أن المُجمّع المكتشف يحمل مجموعة أدلةٍ معمارية ومادية قوية تدعم فرضية أنه مدرسة الإسكندر، وأن عدداً من الباحثين المستقلّين عن فريق التنقيب أبدوا اقتناعهم بهذا الترجيح. لكن الحسم العلمي الكامل، كما يُشير هاتزوبولوس، ينتظر نشر الأدلة والشهادات في ورقةٍ بحثية تخضع للمراجعة، وهو ما لم يحدث بعد. إلى أن يُنشر ذلك التقرير، يبقى موقع ميزا شاهداً محتملاً على واحدةٍ من أهم العلاقات التعليمية في التاريخ القديم، بانتظار أن يتحوّل الترجيح الأثري إلى يقينٍ موثّق.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية