انجراف جبال أنتاركتيكا ودوره في نشأة الحياة الحيوانية
اكتشف كيف ساهم انجراف جبال غندوانا تحت جليد أنتاركتيكا في تغيير كيمياء المحيطات وزيادة الأوكسجين مما مهد لظهور الحياة الحيوانية المعقدة فتحقيق فهم جديد لأصل التنوع البيولوجي عبر وورلد برس عربي.

قد تبدو القصة في ظاهرها جيولوجية بحتة: سلاسل جبال اختفت منذ مئات ملايين السنين تحت طبقة جليدية تُغطّي اليوم أكثر من 99.5% من قارة أنتاركتيكا. لكنّ دراسة جديدة نُشرت في مجلة Earth and Planetary Science Letters تطرح فرضيةً أبعد من الجيولوجيا: أنّ انجراف تلك الجبال قد يكون هيّأ الكيمياء المحيطية لظهور الحياة الحيوانية المعقّدة على الأرض. وهذا ما يجعل الخبر يتجاوز اهتمام المتخصّصين في علوم الأرض إلى كلّ من يتساءل: من أين أتى الأوكسجين الذي سمح للحيوانات بالتنوّع؟
كيف تحدّثت حبيبات الزركون عن جبالٍ لم يرها أحد؟
اعتمد الباحثان، وهما جيولوجيان من الجامعة الوطنية الأسترالية (Australian National University)، على تحليل معدن الزركون المستخرج من رواسب محيطية، إذ إنّ أكثر من 99.5% من سطح أنتاركتيكا مطمورٌ تحت الجليد ولا يسمح بالوصول المباشر إلى الصخور القديمة. حلّل الباحثان 1,712 حبيبة زركون جديدة، وأضافوهما إلى آلاف الحبيبات المدروسة سابقاً من المنطقة نفسها.
يتميّز الزركون بمقاومته العالية للتغيّر، ما يجعله سجلّاً موثوقاً لتوقيت وموقع تكوّن الصخور الأصلية عبر كيمياءه وأعمار اليورانيوم-الرصاص التي يحملها. وأظهرت النتائج توقيعاً عمرياً قوياً يتراوح بين 650 و450 مليون سنة، وهي الفترة نفسها التي تشكّلت فيها القارة العظمى «غندوانا» (Gondwana). وعند وزن البيانات على المستوى العالمي، تبيّن أنّ هذا التوقيع الغندواني يمثّل أكبر إشارة بناء جبلي مرتبطة بأي قارة عظمى في السجل الجيولوجي.
اللافت أنّ بعض حبيبات الزركون تحمل دلائل كيميائية على ضغوطٍ هائلة تتكوّن فقط تحت جبالٍ شاهقة الارتفاع، بينما تحتوي الرواسب الغندوانية على حبيبات زركون غنية بشكلٍ غير معتاد بتوقيعات كيميائية تشير إلى جذور عميقة. هذه المعطيات تدعم فرضيةً سبق أن طرحها بحثٌ سابق في عام 2022، مفادها أنّ جبال غندوانا تكوّنت خلال الفترة ذاتها (650-450 مليون سنة) نتيجة تصادماتٍ شملت أنتاركتيكا والهند وأستراليا ومنطقة الكالاهاري، وبلغت في ارتفاعها مقياس جبال الهيمالايا الحالية.
من انجراف الجبال إلى كيمياء المحيطات
يقول الباحثون إن انجراف هذه الجبال العملاقة نقل كمياتٍ هائلة من الرواسب إلى المحيطات المحيطة، وربما شكّل ما وصفوه بأنه «أكبر نظام مروحة تعكّرية (turbidite) في السجل الجيولوجي». وقد يكون جزءٌ من هذه المروحة الرسوبية مطموراً حالياً تحت جليد أنتاركتيكا، في انتظار من يكشفه يوماً.
الأهم من حجم الرواسب هو محتواها الكيميائي: فقد حرّر انجراف الجبال كميات من الفوسفور والحديد إلى المحيطات، وهما عنصران قادران على تحفيز الإنتاج الأساسي للطحالب والبكتيريا الزرقاء التي تنتج الأوكسجين عبر التركيب الضوئي. لكنّ تراكم الأوكسجين في الغلاف الجوي لا يحدث بمجرد الإنتاج؛ فهو يحتاج إلى دفن الكربون العضوي والمواد المختزلة كي لا يُستهلك الأوكسجين مجدداً. وتشير الدراسة إلى أنّ انجراف الجبال الغندوانية أدّى إلى دفنٍ سريع لصخور طينية غنية بالكربون العضوي والبيريت، وهو ما قد يكون منع استهلاك جزءٍ من الأوكسجين المتولّد.
بهذه الآلية، توفّرت بحسب الفرضية ثلاثة عناصر مجتمعة: الأوكسجين، والغذاء عبر قاعدة الشبكة الغذائية البحرية، ولبنات بناء الهياكل المعدنية الحيوية التي تحتاجها الحيوانات لتشكيل أجسامها الصلبة.
فرضية مساعدة، وليست تفسيراً حاسماً
هنا يتوقّف الباحثون عند حدٍّ منهجي مهم، وهو تمييزٌ يستحقّ التوقّف عنده: الجبال، بحسب تصريحهم، «سهّلت» تنوّع الحيوانات، ولم «تُسبّب» بشكلٍ مباشر ما يُعرف بالانفجار الكامبري (Cambrian explosion)، وهي فترة التنوّع الحيوي في أوائل العصر الباليوزوي التي نشأت خلالها تقريباً كل أشكال الحياة الحيوانية المعروفة اليوم.
يعترف الباحثون أنفسهم بأنّ توقيت ومقدار الأوكسجين الجوي في تلك الحقبة لا يزالان غير محدّدين بدقة كافية، وأنّ حساباتهم لا تُثبت الفرضية بشكل قاطع. والأهمّ أنّ هناك تغيّرات كيميائية مرتبطة بالأوكسجين تعود إلى نحو 800 مليون سنة، أي قبل ذروة بناء الجبال الغندوانية، وهذا النموذج لا يفسّرها بالكامل ثغرة يذكرها الباحثون بوضوح دون محاولة التستّر عليها.
هذا النوع من التحفّظ ضروري عند قراءة أي فرضية تربط ظاهرة جيولوجية بظاهرة بيولوجية بعيدة زمنياً؛ فوجود توافقٍ زمني بين بناء الجبال وتوسّع التنوّع الحيواني لا يعني بالضرورة علاقة سببية مباشرة، بل يفتح مساراً بحثياً يحتاج إلى مزيدٍ من الأدلة المستقلة.
يبقى السؤال الأكبر معلّقاً تحت الجليد نفسه: فبقايا جذور تلك الجبال القديمة قد تكون لا تزال موجودة تحت الغطاء الجليدي لأنتاركتيكا، وربما يحمل الوصول إليها مستقبلاً إن تحقّق ذلك تقنياً — إجاباتٍ أكثر حسماً حول واحدة من أكثر الفترات تحوّلاً في تاريخ الحياة على الأرض.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
