كيف يكشف بركان قديم أسرار تكوين جبال الأنديز
ثورة بركانية ضخمة في شمال تشيلي طمرت جبال الأنديز وحفظت تاريخ تكوينها. دراسة جديدة تكشف عن ارتفاع بطيء ومتواصل للجبال وتفتح آفاقاً لفهم أعمق لتاريخ الأرض عبر قراءة الغطاء البركاني وورلد برس عربي.

- قبل 22 مليون سنة، اندفعت كتلٌ هائلة من الصخور والغازات والرماد من فوهة بركانية في شمال تشيلي، فطمرت المشهد الجبلي الأندي تحتها في لحظةٍ واحدة. ما بدا كارثةً جيولوجية صامتة، تحوّل اليوم إلى كبسولة زمنية نادرة، تكشف للعلماء كيف تشكّلت جبال الأنديز على مدى عشرات الملايين من السنين وتُرجّح كفّة نظريةٍ في نقاشٍ علمي لم يُحسم بعد.
بومبي الجبال: حين يحفظ البركان التاريخ
نشرت مجلة Science Advances في 11 سبتمبر 2026 دراسةً تُعيد قراءة مسار نشوء جبال الأنديز من زاوية غير مألوفة: ليس عبر حفر طبقات الأرض أو قياس ارتفاعاتها الراهنة، بل من خلال تحليل شكل الغطاء البركاني الذي أفرزته ثورة Lauca Caldera في شمال تشيلي قبل 22 مليون سنة.
أنتجت تلك الثورة ما يُعرف بـ«الإيغنيمبريت» (Ignimbrite)، وهو نوعٌ من الصخور يتشكّل من رواسب التدفّقات الحرارية الانفجارية (Pyroclastic Flow) خليطٌ سريع الحركة من الصخور والغازات والرماد يطمر كلّ ما يعترضه. وقد طغى هذا التدفّق على تلالٍ متموّجة وسفوحٍ لطيفة، لا على قممٍ شاهقة وعرة. هذه التفصيلة الجغرافية الدقيقة هي مفتاح الدراسة بأكملها.
يقول Byron Adams، عالم الجيومورفولوجيا في University College London: "تُظهر بومبي كيف يمكن للثورات البركانية أن تُجمّد لحظةً من تاريخ البشرية. هذه الدراسة تُظهر أن ثوراتٍ أضخم بكثير يمكنها أيضاً تجميد لحظاتٍ من تاريخ الأرض، إذ تطمر مشاهد جبلية بأكملها تحت الرواسب البركانية، وتحفظ دلائل على كيفية بناء الجبال قبل الثوران. لا يمكننا الحفر للوصول إلى المشهد المطمور، لكن يمكننا استخدام شكل الغطاء البركاني وما نعرفه عن كيفية تشكيل الأنهار للجبال، لاستنتاج ما هو مخفيٌّ تحته."
ما يقوله الميل بدرجةٍ ونصف
الرقم الأبرز في الدراسة ليس عمر الثوران، بل الزاوية: كان الميل الأصلي للتدفّق البركاني نحو 1.5 درجة فقط. هذا الرقم الصغير يحمل دلالةً كبيرة؛ فهو يعني أن المنطقة التي طمرها البركان كانت تضمّ تضاريس هادئة نسبياً، لا سلسلة جبلية مرتفعة. ومن هذه الزاوية، احتسب الباحثون أن معدّل رفع القشرة الأرضية قبل الثوران لم يتجاوز 0.16 ميل (أي ما يعادل 0.26 كيلومتر) لكل مليون سنة معدّلٌ يتسق مع فرضية الارتفاع البطيء المتواصل.
تتشكّل جبال الأنديز أساساً نتيجة غوص صفيحة Nazca المحيطية تحت القشرة القارية لأمريكا الجنوبية، في عمليةٍ يُطلق عليها الجيولوجيون «الاندساس» (Subduction). غير أن السؤال الذي يُقسّم الباحثين ليس في الآلية، بل في الإيقاع: هل نشأت هذه الجبال بصورة تدريجية على مدى 40 إلى 50 مليون سنة، أم أنها ظلّت منخفضةً لفتراتٍ طويلة ثم ارتفعت بسرعة في آخر 6 إلى 10 ملايين سنة؟
ترجيحٌ لا حسم
يُعلّق Adams على ما تُضيفه الدراسة إلى هذا النقاش: "ثمة جدلٌ حول ما إذا كانت الأنديز قد نمت ببطءٍ وثباتٍ على مدى 40 أو 50 مليون سنة، أم أنها ارتفعت ببطءٍ شديد ثم قفزت مؤخراً، في آخر ستة إلى عشرة ملايين سنة. نتائجنا، التي تغطّي جزءاً كبيراً من منتصف تلك الحقبة، تدعم فرضية الارتفاع البطيء والمتواصل."
الدراسة لا تُغلق الباب على النقاش، لكنّها تُضيف شاهداً جيولوجياً نادراً من قلب تلك الحقبة الزمنية الوسيطة التي ظلّت شحيحة الأدلة. والأهمّ أن المنهجية المستخدمة تحليل شكل الغطاء البركاني واستنتاج ما تحته من تضاريس قابلةٌ للتطبيق على سلاسل جبلية أخرى حول العالم، ما يفتح آفاقاً لإعادة قراءة تاريخ الجبال في مناطق تفتقر إلى سجلاتٍ جيولوجية مباشرة.
في عالم الجيولوجيا، نادراً ما تتحدّث الصخور بلغةٍ واضحة. لكن حين يطمر بركانٌ مشهداً بأكمله ويحفظه لعشرات الملايين من السنين، فإنه يترك وراءه ما يشبه الوثيقة وثيقةٌ كتبتها الأرض بنفسها، وبات بمقدور العلماء اليوم قراءتها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
