هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفكر حقاً ويُبدع؟
هل يمكن الاعتماد على ذكاء اصطناعي في تشخيص طبي أو توصيات هندسية؟ تعرف على قصة حركة AlphaGo رقم 37 وكيف يدمج الذكاء الاصطناعي الحدس مع التفكير العميق لتجاوز الطلاقة اللغوية وتحقيق استدلال علمي حقيقي في وورلد برس عربي.

هل يمكن أن تثق بإجابة نظام ذكاء اصطناعي حين تكون النتيجة تشخيصاً طبياً، أو جرعة دواء، أو توصية هندسية قد تُبنى عليها حياة؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه Thore Graepel، أستاذ تعلّم الآلة في جامعة University College London، وأحد الأعضاء الأساسيين في فريق AlphaGo داخل DeepMind. وإجابته تبدأ من لحظة واحدة، وقعت في سيول قبل ما يقارب عقداً من الزمن، لا تزال تُستخدم اليوم كمفتاحٍ لفهم الفارق بين ذكاءٍ يُقلّد الطلاقة وذكاءٍ يمكن تدقيق استدلاله.
الحركة رقم 37: حين توقّف المعلّقون عن الفهم
في مارس 2016، كان Graepel يراقب المباراة الثانية من مجموعةٍ من خمس مباريات بين نظام AlphaGo واللاعب المحترف Lee Sedol في لعبة الغو. في لحظة معينة من تلك المباراة، لعب AlphaGo حركةً عُرفت لاحقاً باسم «الحركة 37» حركة لم يفهمها المعلّقون في حينها، بل ظنّ بعضهم أنّها عطل برمجي. لم تكن كذلك؛ فقد أنهى AlphaGo المباراة النهائية فائزاً بنتيجة 4-1 على Lee Sedol، أحد أبرز لاعبي اللغة المحترفين في العالم.
ما يستحق التوقف عنده ليس الفوز بحدّ ذاته، بل ما قاله Lee Sedol لاحقاً عن تلك اللحظة: «كنت أظن أنّ AlphaGo يعتمد على حساب احتمالات، وأنّه مجرّد آلة»، ثم أضاف: «لكن حين رأيت هذه الحركة، غيّرت رأيي. من المؤكد أنّ AlphaGo مبدع» (تأملات Lee Sedol حول AlphaGo). شبكة السياسات الخاصة بـAlphaGo، وهي المكوّن الذي يُخمّن الحركات التي قد يختارها لاعب بشري قوي، قدّرت أن احتمال أن يلعب خبير بشري هذه الحركة لا يتجاوز واحداً في 10,000. ومع ذلك لعبها النظام.
السؤال المهم تقنياً هو: كيف توصّل AlphaGo إلى حركةٍ نادرة إلى هذا الحد؟ الجواب ليس الحدس وحده، بل آلية البحث. فبعد أن تقترح الشبكة العصبية حركات محتملة، يبني AlphaGo شجرة ألعابٍ (game tree) من آلاف الفروع، كل فرعٍ منها يمثّل مستقبلاً محتملاً مختلفاً، ثم يبحث فيها لتقييم العواقب المستقبلية لكل حركة مقترحة. بعبارة أخرى: الحدس يقترح، والبحث يختبر.
هذه البنية تُقارَن غالباً بإنجازٍ سابق أقل تعقيداً: فوز Deep Blue على بطل العالم في الشطرنج Garry Kasparov عام 1997. لكن الفارق جوهري. كان Deep Blue يبحث ستّ إلى ثماني حركات مقدماً لكل لاعب، ويُقيّم 200 مليون وضعية شطرنج في الثانية الواحدة، اعتماداً على قواعد مُبرمجة يدوياً بالكامل من قِبل بشر. أما تعقيد الغو فمصدره مختلف تماماً: جماعات الأحجار والأراضي البعيدة التي تتطوّر عبر عشرات الحركات، بحيث إنّ مجرد حساب جزءٍ صغير من النتائج الممكنة يتطلّب من حاسوبٍ عملاق مليارات السنين. لم يكن بإمكان AlphaGo الاعتماد على قواعدٍ مكتوبة يدوياً؛ كان عليه أن يُقيّم من هو المتقدّم في اللعبة، وأن يولّد حركاتٍ لم يفكّر فيها البشر من قبل.
يستحضر Graepel هنا تمييزاً شهيراً روّجه عالم السلوك Daniel Kahneman في كتابه بين نمطين من التفكير البشري (كتاب Kahneman عن نمطي التفكير): النظام الأول سريع وغريزي وبلا جهد، والنظام الثاني بطيء وتأمّلي. في AlphaGo، تولّد الشبكات العصبية الحدس أي النظام الأول بينما يختبر البحث تلك الحدوس عبر محاكاة الحركات والحركات المضادة المستقبلية أي النظام الثاني. الحركة 37 لم تكن تخميناً محظوظاً، بل نتيجة تفكيرٍ تأملي قابل للتتبع داخل شجرة الاحتمالات.
لماذا لا تكفي طلاقة اللغة؟
حين ظهر ChatGPT، بدا للوهلة الأولى أنّ النماذج اللغوية الكبيرة قد حلّت مشكلة التفكير الآلي. لكنّ الحقل سرعان ما أدرك أنّ الطلاقة اللغوية وحدها غير كافية. فالنموذج اللغوي الكبير، في جوهره، يقوم بعملية واحدة متكرّرة: اختيار الرمز (token) التالي الأكثر احتمالاً. وتقنية «سلسلة التفكير» (chain of thought)، التي أنتجت مكاسب حقيقية خصوصاً في الرياضيات والبرمجة، لا تُضيف آلية استدلال منفصلة كما قد يُظن؛ هي فقط تُطيل العملية ذاتها التنبؤ بالرمز التالي عبر خطواتٍ وسيطة تُفكّك المشكلة وتحمل نتائج جزئية إلى الأمام.
يحدّد Graepel ثلاثة قصور أساسية تمنع سلوك روبوتات المحادثة من أن يُعدّ استدلالاً علمياً بالمعنى الدقيق:
أولاً، تفتقر هذه الروبوتات عادةً إلى حالة معرفية (epistemic state) صريحة وثابتة وقابلة للفحص أي سجلّ واضح لما تعتقده، وما تشكّ فيه، وما استبعدته.
ثانياً، لا يوجد فصل نظيف بين المعرفة المُخزَّنة وعملية التلاعب بتلك المعرفة؛ فأوزان الشبكة العصبية تُشابك المعرفة والاستدلال معاً، دون مجموعة معتقدات مستقلة وصريحة يمكن الرجوع إليها.
ثالثاً، كشفت أبحاث حديثة (دراسة ودراسة أخرى) أنّ روبوتات المحادثة تختلق أحياناً تفسيرات بعد التوصّل إلى الإجابة عبر مسارٍ مختلف تماماً أي أنّ «التبرير» المعروض للمستخدم قد لا يكون السبب الحقيقي وراء الإجابة.
وهذا القصور ليس تفصيلاً أكاديمياً. ففي الطب والهندسة والبحث العلمي، النتيجة والعملية التي أنتجتها كلاهما مهم. تصحيح خطأ في تشخيصٍ طبي أو خطّة علاج يتطلّب تحديد الاستدلال الخاطئ، أو الدليل غير الصالح، أو الافتراض غير الصحيح وهذا مستحيل إن كانت «عملية التفكير» غير موجودة أصلاً خارج أوزان الشبكة.
ماذا يقترح Graepel بدلاً من ذلك؟
بعد أن غادر Graepel مؤخراً منصبه في Google DeepMind، صار يدعو صراحةً إلى نهجٍ للاستدلال الآلي يستلهم بنية AlphaGo نفسها. فتلك البنية كانت، في جوهرها، تُسجّل شجرة ألعابٍ تحتوي على المتغيرات التي درسها النظام والمستقبلات المحتملة، مُعلَّقة بأحكام الشبكة العصبية، ثم تُحدَّث هذه الشجرة مع تقدّم الاستدلال، قبل أن يُركِّب النظام معلوماته ويختار حركة.
يرى Graepel أنّ أنظمة الاستدلال العامة ينبغي أن تتبنّى منطقاً مشابهاً: تتبّع معتقداتٍ راسخة، وشكوكٍ قائمة، واحتمالاتٍ مرفوضة، وأسئلة مفتوحة لم تُحسم بعد. يصف الاستدلال بأنّه سلسلة حركاتٍ تُقدّم المعرفة وتُقلّل عدم اليقين وهذه الحركات يمكن أن تكون استنتاجاً منطقياً، أو تفكيكاً للمسألة، أو اختيار سؤالٍ أو حسابٍ أو تجربة.
لكنّ الاستدلال في العالم المفتوح أصعب بكثير من ألعاب اللوح؛ فالعالم معروف جزئياً فقط، ومجموعات الأفعال الممكنة كبيرة ومتغيّرة، والعواقب احتمالية أو مجهولة أصلاً خلافاً للغو، حيث القواعد ثابتة ومعروفة بالكامل. ومع ذلك، يرى Graepel أنّ التطورات الأخيرة في النماذج اللغوية الكبيرة وغيرها من النماذج العصبية تفتح الباب أمام العمل على مشكلات الاستدلال العامة: فهذه النماذج قادرة على اقتراح مقاربات بناءً على معلومات معروفة وموارد متاحة، واستخدام أدوات خارجية عبر واجهات برمجة التطبيقات (APIs) أو الأكواد، والمساعدة في تقييم الأدلة الداعمة لأي ادّعاء.
لكنه يشترط أن يكون هناك مكوّن مستقل داخل النظام يُقيّم ما إذا كانت كل حركة فعلاً تُقلّل عدم اليقين، وأن تُحدَّث المعتقدات فقط حين تدعم الأدلة ذلك التحديث. بهذا الشكل، يمكن للأنظمة أن تُراكم معرفةً موثّقة، وأن تُحسّن سياسات استدلالها بالاستناد إلى تجارب استدلالٍ سابقة بدلاً من الاكتفاء بتوسيع حجم النموذج. وهنا يُحذّر Graepel من خلطٍ شائع: توسيع النظام الأول أي الحدس يزيد من حدّته، لكنه لا يجعله تأمّلياً. النظام الأول الأكبر يبقى نظاماً أول.
أين يحتاج العالم فعلاً إلى هذا النوع من الذكاء؟
يحدّد Graepel مجالات بعينها تحتاج إلى هذا النوع من الاستدلال القابل للتدقيق أكثر من غيرها: اكتشاف الأدوية، وعلوم المواد، والمناخ، والتشخيص الطبي. هذه حقول تتطلّب رؤى إبداعية حقيقية أي حركاتٍ شبيهة بالحركة 37 لكنها في الوقت نفسه حقول لا تحتمل إجابةً سليمة الشكل لكنها غير قابلة للتفسير. يصف Graepel الطموح بأنه أشبه بـ«المنهج العلمي بمنشّطات» نظامٌ يستدلّ بسرعة النماذج الحديثة، لكنه يترك خلفه أثراً من الأدلة والاستدلال ومراجعة المعتقدات يمكن لأي شخص أن يتتبّعه.
الدرس من الحركة 37 ليس أنّ الآلة تفوّقت على الحدس البشري، بل أنّ الحدس وحده مهما بلغت دقته لا يكفي لتبرير قرارٍ عالي المخاطر. ما يجعل تلك الحركة مثالاً يُستشهد به بعد عقد كامل هو أنّ وراءها شجرة بحثٍ يمكن فتحها وفحصها. وهذا بالضبط ما تفتقر إليه أنظمة المحادثة اليوم، وما يراهن Graepel على أنه الاتجاه القادم الضروري قبل أن نثق بالذكاء الاصطناعي في غرف العمليات ومختبرات الأدوية.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
