وورلد برس عربي logo

كرة القدم بين جمال اللعبة وظلال الصراعات السياسية

بينما يتألق كأس العالم تظل الأزمات السياسية والإنسانية في فلسطين ولبنان قائمة. كيف أثرت السياسة على كرة القدم وجماهيرها وكيف حافظت اللعبة على بريقها وسط عالم قاسٍ؟ اكتشف المزيد مع وورلد برس عربي.

مشجعون يحملون علم فلسطين وإيران، مع وجوه مرسومة بألوان العلمين، يعبرون عن التضامن خلال كأس العالم 2026.
مشجع إيراني يلوح بعلم فلسطين قبل مباراة إيران ضد نيوزيلندا في إنغلوود، كاليفورنيا، في 15 يونيو 2026 (فريدريك ج. براون/وكالة فرانس برس)
التصنيف:رياضة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الوقت الذي كان فيه كأس العالم يتكشّف أمام العالم، كانت إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان، فيما انجرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الانخراط في حربٍ على إيران. غير أنّ الحرب لم تُلهِ الصهاينة كليّاً عن متابعة البطولة؛ إذ أفلحوا في تلطيخ سمعة الأرجنتين، بطلة العالم السابقة، وتشويه صورتها أمام الجماهير العالمية.

قبل عشرين عاماً، قال أحد مشجعين ومحبين كرة القدم كنت في لبنان حين كان كأس العالم 2006 يُقام في ألمانيا. بعد أيامٍ قليلة من مغادرتنا بيروت، اجتاح الإسرائيليون لبنان من جديد. كنّا قد شاهدنا بعض مباريات البطولة رفقة أصدقاء فلسطينيين ولبنانيين في مخيمات اللاجئين. غادرنا بيروت في 2 يوليو، وانتهى كأس العالم في 9 يوليو، وبحلول 12 يوليو كانت القنابل الإسرائيلية تتساقط على لبنان. قصف المدنيين العُزَّل هو رياضتهم الوطنية الحقيقية.

في ظروفٍ بالغة الشبه بتلك الأيام، ومع انتهاء كأس العالم 2026، يبدو من المناسب التأمّل في هذه اللعبة الجميلة التي طالها كثيرٌ من الظلم والتشويه، والتي لا تزال تُضيء عالماً غارقاً في أزماته.

أعتقد أنّ جاذبية كرة القدم لكثيرٍ من المفكّرين المعاصرين تكمن في كونها تُجسّد مبدأ تكافؤ الفرص، في عالمٍ يهيمن عليه امتياز الدول القوية وجبروتها. وقد خلّف Eduardo Galeano في كتابه Soccer in Sun and Shadow مقولةً شهيرة تلخّص هذه المفارقة: "تاريخ كرة القدم رحلةٌ حزينة من الجمال إلى الواجب. حين صارت رياضةً صناعية، اقتُلعت الجمالية التي تتفتّح من فرحة اللعب من جذورها."

اللعبة الجميلة في عالمٍ قبيح

ومع ذلك، لا تزال ومضات اللعبة الجميلة تتجلّى في هذا العالم القبيح الذي تُقام فيه حيث يقف أحد أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ، قائد الأرجنتين Lionel Messi، متّهماً بالإسهام في الدعاية الإسرائيلية.

لقد عكس السلوك العنصري الفجّ لبعض مشجّعي الأرجنتين، داخل الملاعب وخارجها، العنصرية المؤسسية الإسرائيلية ذاتها. بيد أنّ الأمّة الجنوب أمريكية التي أهدت العالم لاعبين استثنائيين كـ Diego Maradona وAlfredo Di Stefano، وفلاسفة بارزين كـ Enrique Dussel وWalter Mignolo، لا يجوز أن تُختزل في عار رئيسها الصهيوني المهرّج Javier Milei.

ومن أغرب التحوّلات في مشاعر الجماهير العالمية خلال هذا كأس العالم، أنّ الإنترنت انقلبت ضدّ الأرجنتين لصالح إنجلترا. وعقب الجدل الذي أعقب خروج مصر أمام الأرجنتين، وما أثاره من اتّهاماتٍ بالتحيّز لمؤسسة FIFA بأكملها، برز التناقض الصارخ بين Messi والقائد المصري محمد صلاح، ليُجسّد كيف ترفع القضية الفلسطينية شأن من يتبنّاها، وتُسقط من يتخلّى عنها.

وقد أبدى المشجّعون المصريون والمغاربة والفلسطينيون وسائر الجماهير العربية نموذجاً رفيعاً في الكرامة والرقيّ خلال تلك الأيام العصيبة على الفريق المصري.

كما لمعت ومضاتٌ من الإنسانية الأصيلة لدى المشجّعين المكسيكيين الذين تجمّعوا أمام مقرّ إقامة المنتخب الإيراني وهم يُردّدون: "Iran, hermano, ya eres Mexicano" (إيران يا أخي، أنت مكسيكي الآن).

وقال أحد المشجّعين: "وماذا نفعل الآن؟" سألتني ابنتي الصغرى بنبرةٍ فيها شيءٌ من الاستسلام، بعد خروج المنتخب الإيراني في الدور الأوّل.

كافح المنتخب الإيراني بشجاعةٍ أمام منتخباتٍ ذات ثقلٍ حقيقي، من بينها مصر وبلجيكا، لكنّه سقط في النهاية أمام سوء الحظّ وقسوة الظروف.

"لا شيء يا بابا"، أجبتُها. "نتابع فقط، وندعم بقية مظلومي الأرض. لا تزال منتخباتٌ أفريقية ولاتينية أمريكية كثيرة في البطولة."

سيكولوجية "الاستحواذ" على الكرة

لقد طغت اقتصاديات اللعبة وفساد FIFA، الهيئة الحاكمة لكرة القدم، على السياسات الساذجة التي كانت تُحرّك المشاعر تجاه المنتخبات الوطنية. وقد غيّرت موجات الهجرة الكبرى من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا تركيبةَ هذه المنتخبات تغييراً جوهرياً؛ فالمهاجم الفرنسي المحبوب Kylian Mbappe وُلد في فرنسا لأبٍ كاميروني وأمٍّ جزائرية مهاجرَين. وقد استقطبت الأندية والدوريات الأوروبية عدداً كبيراً من لاعبي أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا؛ فصلاح، النجم المصري، أمضى تسع سنوات في صفوف Liverpool FC.

بين فرنسا وإسبانيا، كان دعمنا لإسبانيا لا لبس فيه، لموقفها الأكثر مبدئيةً من الإبادة في غزة، ولبهجة مشاهدة المراهق الموهوب Lamine Yamal يُسحر الملاعب بفنّه.

ثمّ يأتي المنتخب الأمريكي، وحقيقةٌ واضحة: "كرة القدم" ليست لعبةً أمريكية، ولن تكون على الأرجح. يبدأ تفسير ذلك من تعبيرٍ اصطلاحي شائع: "soccer mom". فمن هي؟ إنّها الأمّ الثرية في الضواحي، تقود سيارتها الضخمة محمّلةً بأحد عشر طفلاً وخمسة أضعافهم من الكرات، نحو ملعبٍ مخضرٍّ في حيّها الراقي.

قارن ذلك بطفولتي في لعب كرة القدم كما فعل الملايين من الأطفال حول العالم حين كنّا نجمع القروش القليلة لنشتري كرةً بلاستيكية صغيرة. كنّا نشعر بانتماءٍ حقيقي لتلك الكرة حين تكون في حوزتنا، ولا نتخلّى عنها إلّا لنمرّرها لرفيقٍ في الفريق.

وهنا تكمن سيكولوجية "الاستحواذ" على الكرة في قوّتها الخاصة؛ ففي كرة القدم لا يمكنك لمس الكرة بيدك، فضلاً عن إمساكها (باستثناء حارس المرمى)، بل تمتلكها بقدمَيك، تراوغ بها لحظةً ثم تُمرّرها. هذا يفرض موقفاً اشتراكياً من الكرة؛ هي في حوزتك مؤقّتاً قبل أن تُشاركها صديقك فالمشاركة تعبيرٌ عن الاهتمام قبل أن يخطفها منك خصمك. كرة القدم لعبةٌ اشتراكية بامتياز، وهذا سببٌ آخر لعدم تفوّق الأمريكيين فيها. أمّا "كرة القدم الأمريكية" فتُلعب بالأيدي أساساً، والكرة مُصمَّمة بشكلٍ يُشجّع على هذا الاحتواء ويُرحّب به.

تحوّلٌ مجيد

قد تبدو هذه التأمّلات ترفاً فكرياً في ضوء كون لاعبين كـ Messi وMbappe من أصحاب الملايين. لكنّ علاقتهم بالقوّة الرمزية للكرة تشكّلت قبل أن ينضمّا إلى أيّ نادٍ أوروبي بسنواتٍ طويلة.

تحوّلت نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وإسبانيا إلى مواجهةٍ بين Yamal الفخور الذي رفع العلم الفلسطيني في احتفالات النصر، وبين Messi المُثقَل بوصمة ارتباطه بإسرائيل والصهيونية.

وتبدو مطالبات الأرجنتين بجزر الفوكلاند/Islas Malvinas فارغةً ومتناقضة، حين يقف نظامها الحاكم إلى جانب آخر بقايا الاستعمار البريطاني الدموي المرتكب للإبادة في فلسطين.

حملت إسبانيا مصداقية كونها من أكثر الدول الأوروبية تضامناً مع القضية الفلسطينية بعد إيرلاندا، وهي البلد الذي أنجب الممثل الإسباني الشهير Javier Bardem، المدافع الشرس عن القضية الفلسطينية. في المقابل، انكشف الإرث العنصري للنظام الأرجنتيني المنبوذ أمام العالم بأسره.

مع ختام كأس العالم 2026، أسلم الأسد الشائخ الراية للشبل الصغير الذي كان يوماً ما يحتضنه. كان انتصار إسبانيا في الملعب انتصاراً لكلّ طفلٍ فلسطيني ولبناني اغتالته إسرائيل، ولم تُتَح له فرصة مشاهدة هذا التحوّل المجيد في اللعبة الجميلة.

أخبار ذات صلة

Loading...
لاعب كرة القدم Folarin Balogun يرتدي زي منتخب الولايات المتحدة، في لحظة تأمل بعد مباراة كأس العالم المثيرة للجدل بسبب تدخل سياسي في إيقافه.

ترامب وقرار البطاقة الحمراء: النرويج تهدّد برفع شكوى أخلاقية لـ FIFA ضد تدخّله في قضية بالوغون

أثارت تدخلات ترامب في قرارات FIFA جدلاً واسعاً وهددت نزاهة كأس العالم، ما دفع النرويج لتقديم شكوى رسمية ضد الانتهاكات. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على مستقبل الكرة العالمية الآن.
رياضة
Loading...
ليونيل ميسي يرتدي قميص الأرجنتين ويحمل ميدالية الوصيف بعد نهائي كأس العالم 2025 في الولايات المتحدة.

مشاهدة نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين على Fox و Telemundo تجاوزت 60 مليون متابع

شهد كأس العالم 2025 أرقاماً قياسية في المشاهدة مع أكثر من 60 مليون متابع في الولايات المتحدة وحدها، وحضور جماهيري تجاوز 7 ملايين. اكتشف كيف حققت البطولة نجاحاً لافتاً رغم التحديات، وكن جزءاً من الحكاية.
رياضة
Loading...
لاعبان كرة قدم يتنافسان على الكرة في ملعب أخضر، تعبير عن روح التنافس في كرة القدم الإنجليزية.

كيفن كيغان.. أسطورة الكرة الإنجليزية يودّع الملاعب

ودّع العالم أسطورة كرة القدم كيفن كيغان بعد مسيرة حافلة بين اللعب والتدريب، حاملاً جائزة الكرة الذهبية مرتين. اكتشف تفاصيل حياته وإنجازاته التي لا تُنسى الآن.
رياضة
Loading...
لاعب منتخب إسبانيا يحمل أمتعته أثناء وصول الفريق إلى مدريد بعد الفوز بكأس العالم لكرة القدم.

إسبانيا تستقبل أبطالها العائدين بموكب ملكي عبر مدريد

احتفلت مدريد بعودة منتخب إسبانيا بطلاً لكأس العالم للمرة الثانية، وسط حشود غفيرة وأجواء احتفالية لا تُنسى. اكتشف تفاصيل هذا الإنجاز التاريخي وفرحة الجماهير التي اجتاحت الشوارع الآن!
رياضة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية