وورلد برس عربي logo

الاتفاق النووي السعودي الأمريكي بين التطبيع والشكوك

اتفاقية نووية بين أمريكا والسعودية تثير غضب إسرائيل وسط شكوك حول تطبيع الرياض مع تل أبيب وشروط تخصيب اليورانيوم. هل تغير هذه الصفقة موازين القوى في الشرق الأوسط؟ تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان يجلسان أمام علمي البلدين في لقاء رسمي يعكس العلاقات الأمريكية-السعودية.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يلتقي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة بتاريخ 18 نوفمبر 2025 (وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

أثار الإعلان عن اتفاقية نووية مدنية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية موجةً من الغضب في إسرائيل يوم الأربعاء، إذ سارع قادة سياسيون إسرائيليون إلى منصات التواصل الاجتماعي معربين عن مخاوفهم من أن تُمهّد هذه الاتفاقية الطريق أمام الرياض للحصول على سلاح نووي في وقت قياسي.

غير أن تغريدةً نشرها الرئيس الأمريكي Donald Trump صباح الخميس على منصة Truth Social ربما خفّفت بعض هذه المخاوف الإسرائيلية، إذ أكد فيها أن الاتفاقية النووية ستحظر تخصيب اليورانيوم وتُلزم المملكة العربية السعودية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

وعلى إثر ذلك، احتفل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu بهذا الإعلان باعتباره انتصاراً لاتفاقيات أبراهام، تلك الاتفاقيات التي رعاها Trump عام 2020 وأفضت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

بصرف النظر عمّا إذا كانت رواية Trump للاتفاقية ستثبت صحّتها في نهاية المطاف، فإن منشوره يكتسب أهمية بالغة لأنه يُضيء على جملة من الأسئلة الجوهرية التي ستحكم الأهمية الاستراتيجية بعيدة المدى لهذه الاتفاقية:

هل تُجيز الاتفاقية تخصيب اليورانيوم محلياً؟ وإلى أيّ حدٍّ ستُشارك الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في عمليات الرقابة؟ وهل يُشكّل التطبيع السعودي مع إسرائيل شرطاً من شروط الصفقة؟ وماذا تكشف هذه الاتفاقية عن التحوّلات في موازين القوى الاستراتيجية بالشرق الأوسط؟

شكوك حول التطبيع

جاء منشور Trump على الأرجح استجابةً للضغط الإسرائيلي، لكن صحّة ما أعلنه بشأن التخصيب والتطبيع تبقى موضع شكّ.

يُمكن القول إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ربما وافق فعلاً على تطبيع العلاقات مع إسرائيل كجزء من الاتفاقية، كما يوحي منشور Trump. بيد أن الأرجح أن هذا المنشور لم يكن سوى محاولة لإعادة صياغة بنود صفقة أبرمتها الإدارة الأمريكية مسبقاً، في محاولة لإرغام ولي العهد على قبول التطبيع مع إسرائيل بأثرٍ رجعي.

والأهم من ذلك أن الحكومة السعودية لم تُعلّق حتى الآن على منشور Trump، وأفاد مسؤولون أمريكيون بأن الاعتراف السعودي بإسرائيل لم يُطرح قطّ خلال أشهر من المفاوضات النووية. والأكثر دلالةً أن البيانات الرسمية التي أصدرتها وزارة الطاقة الأمريكية ووكالة الأنباء السعودية يوم الأربعاء لم تتضمّن أيّ إشارة إلى التطبيع مع إسرائيل.

والواقع السياسي يُشير إلى أن قبول الرياض لأيّ اتفاقية تشترط التطبيع مع إسرائيل يبدو بعيد الاحتمال إلى حدٍّ بعيد. ففي سبتمبر 2023، أبدى محمد بن سلمان انفتاحاً حذراً على فكرة التطبيع، لكن ذلك كان قبل أن تشنّ إسرائيل حربها الإبادية على غزة وقبل التسارع الدراماتيكي في برنامج الاستيطان غير القانوني في الضفة الغربية المحتلة.

وفي الأشهر الأخيرة، أدان القادة السعوديون مراراً العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، وأوضحوا أن التطبيع مع إسرائيل لم يعد مطروحاً على الطاولة. وفي غياب تقدّم ملموس على المسار الفلسطيني، ولا سيما في ما يخصّ إقامة الدولة الفلسطينية، يبدو التطبيع السعودي الإسرائيلي ضرباً من المستحيل.

وتفيد تقارير بأن ولي العهد أبلغ مشرّعين أمريكيين بأن أيّ اتفاقية تطبيع مع إسرائيل ستكون بالغة الإثارة للسخط الشعبي في المملكة لدرجة قد تُعرّضه للاغتيال.

وإن كانت الرياض فعلاً ترفض التطبيع، فإن محمد بن سلمان على الأرجح قرأ منشور Trump بعين ناقدة، وهو ما قد يُعقّد وحده إتمام الصفقة. غير أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في هذه المرحلة هو المضيّ في الاتفاقية الموقّعة كما جرى التفاوض عليها، دون أن يكون التطبيع السعودي مع إسرائيل شرطاً من شروطها.

المصالح الاستراتيجية

في نهاية المطاف، وبصرف النظر عن الاعتراضات الإسرائيلية، تمتلك كلٌّ من واشنطن والرياض دوافع راسخة للمضيّ قُدُماً في هذه الاتفاقية النووية.

فبالنسبة للولايات المتحدة، المنطق الاستراتيجي واضح: خشيت واشنطن على مدار سنوات، في عهد الرئيس السابق Joe Biden وكذلك في عهد Trump، من أن رفض التعاون مع الطموحات النووية المدنية السعودية قد يدفع الرياض نحو الصين أو روسيا. فإن لم تبنِ الولايات المتحدة البرنامج النووي السعودي، فستفعل ذلك بكين أو موسكو على الأرجح. ومن خلال إبرام هذه الاتفاقية، لا تحرص واشنطن فحسب على إبقاء المملكة العربية السعودية في الفلك الاستراتيجي الأمريكي، بل تضمن أيضاً فرص عمل مجزية للشركات الأمريكية.

أما المملكة العربية السعودية، فترى في هذه الاتفاقية دعماً لمساعيها بعيدة المدى نحو تنويع اقتصادها خارج نطاق النفط، وتوليد الكهرباء عبر الطاقة النووية المدنية لتلبية الطلب المتنامي على الطاقة.

بيد أن الاتفاقية ستُوفّر للرياض أيضاً موطئ قدم أقوى نحو امتلاك رادع نووي. وقد صرّح محمد بن سلمان بأن المملكة ستسعى بسرعة إلى امتلاك سلاح نووي إذا ما حصلت إيران على واحد.

وقد تكون الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة ضد إيران قد عمّقت المخاوف السعودية من النفوذ الإقليمي الإيراني وطموحاته النووية بعيدة المدى. فالإيرانيون ربما باتوا في موقع استراتيجي أقوى مما كانوا عليه قبل اندلاع الحرب، كما أن طهران ربما خلصت إلى أن السلاح النووي هو أفضل ضمانة لها في مواجهة أيّ عدوان إسرائيلي أو أمريكي محتمل في المستقبل.

في الوقت ذاته، يبدو أن القادة الإيرانيين ينظرون إلى أنفسهم اليوم على أنهم يتفاوضون من موقع ثقة استراتيجية أكبر مما كانوا عليه قبل الحرب. وقد يدفع احتمال إبرام صفقة نووية سعودية، مقروناً بالموقف التفاوضي الإيراني المعزّز، طهرانَ إلى المطالبة بشروط أكثر مرونة في ما يخصّ التخصيب والرقابة في أيّ مفاوضات نووية مستقبلية مع إدارة Trump.

ما غاب عن الاتفاقية

في هذا السياق بالذات يكتسب ما غاب عن الاتفاقية الأمريكية السعودية أهمية استثنائية.

فوفق ما تناقلته التقارير، قد تُتيح الاتفاقية للمملكة العربية السعودية في مرحلة لاحقة السعيَ نحو تخصيب اليورانيوم محلياً. فضلاً عن ذلك، لا تبدو الاتفاقية متضمّنةً لأيّ اشتراط لدور رقابي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وغياب دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في المراقبة، مقروناً باحتمالية تخصيب اليورانيوم محلياً مستقبلاً، سيُثير حتماً مخاوف جدية من الانتشار النووي، لا في تل أبيب وحدها، بل في طهران أيضاً.

وهذه التفاصيل بالذات هي التي قد ترسم ملامح أيّ اتفاقية نووية أمريكية إيرانية مستقبلية. فإذا كانت واشنطن مستعدة لمنح الرياض هامشاً أوسع من المرونة في التخصيب والرقابة، فإن الفريق التفاوضي الإيراني سيُصرّ بالتأكيد على معاملة مماثلة.

وقد يكون هذا في نهاية المطاف أبعد ما في هذه القضية برمّتها من أثر استراتيجي.

فالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قد تُذكر في التاريخ باعتبارها المحرّك الرئيسي لمسار التسلّح النووي في الشرق الأوسط، حيث يُنتج التنافس النووي السعودي الإيراني المستمر تأثيراً تتالياً يمتد عبر المنطقة. فإذا امتلكت طهران والرياض في نهاية المطاف أسلحة نووية، فإن مصر وتركيا وربما دولاً أخرى ستجد نفسها تحت ضغط متزايد للسير في الاتجاه ذاته.

وبدلاً من أن تُثبّط الانتشار النووي، قد تكون الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب الردّ العسكري الإيراني العنيف عبر الخليج، قد أقنعت حكومات المنطقة بأن الحماية الوحيدة الموثوقة من العدوان العسكري تكمن في امتلاك رادع نووي موثوق. فبالنسبة للمملكة العربية السعودية، قد يُنظر إلى هذا الرادع أساساً على أنه حماية من إيران. أما كثير من الفاعلين الإقليميين الآخرين، فمن المرجّح أنهم يرون في الردع النووي الضمانة القصوى في مواجهة إسرائيل ومشروعها التوسّعي المعروف بـ«إسرائيل الكبرى».

وهكذا، سواء أكان ذلك مقصوداً أم لا، فإن واشنطن وتل أبيب قد تكونان قد سرّعتا بالضبط مسار الانتشار النووي الإقليمي الذي تُعلنان صراحةً أنهما تعملان على منعه.

وبهذا المعنى، قد تغدو الاتفاقية النووية الأمريكية السعودية في نهاية المطاف رمزاً لا لنجاح الدبلوماسية الأمريكية، بل لبداية حقبة استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط، حقبة باتت فيها القدرة النووية تُعدّ الضمانة القصوى للبقاء الوطني.

أخبار ذات صلة

Loading...
امرأة فلسطينية ترتدي الحجاب تعبر عن حزن عميق وسط حشد من الناس في قطاع غزة، تعكس معاناة النساء الحوامل في ظل ارتفاع معدلات الإجهاض بسبب الحرب والأوضاع الإنسانية الصعبة.

الإجهاض في غزة يتصاعد وسط القصف والحصار

في ظل الحرب في غزة ترتفع معدلات الإجهاض بشكل كارثي بسبب نقص الرعاية الصحية وسوء التغذية. اكتشف التفاصيل المؤثرة وكيف يؤثر النزاع على حياة النساء الحوامل، وكن جزءاً من الوعي والدعم الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
جنود ومسعفون يتفقدون مبنى منهارًا في العراق بعد الضربات الأمريكية السعودية ضد الفصائل الموالية لإيران.

اجتماع أمني عاجل في بغداد بعد غارات أمريكية وسعودية

تصاعد التوتر في العراق بعد ضربات أمريكية سعودية استهدفت فصائل موالية لإيران، مع خسائر في صفوف الحشد الشعبي. تعرف على تفاصيل التحالفات والتأثيرات على صادرات الطاقة السعودية وادخل في عمق الأزمة الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يتحدث في مقابلة تلفزيونية مؤكدًا دعم الجزائر لتونس ضد التهديدات الأمنية.

الرئيس تبون: الجزائر تقف مع تونس ضد أي تهديد

في ظل أزمة الكهرباء الحادة وتصريحات تبون الحازمة بدعم تونس ضد التهديدات، تتعمق العلاقات الجزائرية-التونسية وسط جدل سياسي وأمني. اكتشف تفاصيل التحالف وتأثيره على المنطقة الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرئيس الأمريكي ترامب يجريان اجتماعاً مغلقاً في البيت الأبيض وسط وفد رسمي لمناقشة العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية والملف النووي الإيراني.

نتنياهو في واشنطن: ترامب يُعيد رسم علاقته بإسرائيل

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يسعى نتنياهو لتعزيز تحالفه مع ترامب وسط توتر العلاقات الإقليمية والملف النووي الإيراني. اكتشف تفاصيل اللقاءات السياسية وتأثيرها على مستقبل المنطقة. تابع المزيد الآن!
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية