تصاعد التوترات بين أمريكا وإيران يهدد استقرار الخليج
تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة يهدد استقرار مضيق هرمز وأسواق النفط مع توسع المواجهة إلى صراعات إقليمية وحملات عسكرية واقتصادية معقدة تؤثر على مستقبل المنطقة والاقتصاد العالمي تابع التفاصيل عبر وورلد برس عربي

مثّل مذكرة التفاهم المؤلّفة من 14 بنداً، التي وقّعتها إيران والولايات المتحدة في يونيو الماضي، أبرز انفتاحٍ دبلوماسي بين البلدين منذ عام 1979. غير أنّ الرياح العسكرية أطاحت بهذا الانفتاح قبل أن تترسّخ أيّ تدابير لبناء الثقة، وانهار اتفاق Trump مع إيران، تاركاً واشنطن أمام خياراتٍ شحيحة.
على مدار الأسبوعين الماضيين، أربكت الاشتباكات الأمريكية-الإيرانية حركةَ الملاحة في مضيق هرمز، الذي يستوعب عادةً أكثر من 20 بالمئة من شحنات النفط والغاز العالمية، ممّا أشعل من جديد فتيلَ التقلّب في أسواق الطاقة. وقفزت أسعار النفط يوم الجمعة، إذ تجاوز خام Brent حاجز 88 دولاراً للبرميل، مسجّلاً ارتفاعاً يزيد على 16 بالمئة ليبلغ أعلى مستوياته منذ أكثر من شهر.
توسّع نطاق المواجهة أيضاً ليتجاوز الاشتباك الأمريكي-الإيراني المباشر، كاشفاً عن خطر متصاعد لصراعٍ إقليمي أوسع. ويُشير التحوّل الظاهر في الاستراتيجية الأمريكية إلى انتقالٍ من السعي نحو انتصارٍ عسكري سريع، إلى خوض حملة استنزاف مطوّلة تستهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية ومنظومتها اللوجستية وصمودها الاقتصادي وتماسكها الداخلي على المدى البعيد.
وكانت الولايات المتحدة قد أعادت فرض حصارها على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز، في خطوةٍ تستهدف تفكيك الاقتصاد الإيراني. ومع تحوّل الثقل الاستراتيجي نحو الخليج العربي وخليج عُمان، تبدو واشنطن مُصرّةً على الجمع بين الضغط العسكري المستمر، وتعطيل الملاحة البحرية، وتعزيز حماية قواتها في المنطقة، مع منح إسرائيل الوقت الكافي لإعادة بناء قدراتها العسكرية.
حملة في طور التشكّل
تُلمح تصريحات Trump الأخيرة بشأن احتمال «الاستيلاء» على جزيرة خارك، إلى جانب التقارير التي تحدّثت عن تداول المخططين الأمريكيين والإسرائيليين لفكرة دعم عمليات عبر الحدود لفصائل كردية مسلّحة، إلى أنّ الاستراتيجية المقبلة قد تجمع بين الضغط العسكري التقليدي وتعطيل البنية التحتية الطاقوية الإيرانية الحيوية، مع استغلال الثغرات الأمنية على الحدود الغربية والجنوبية الشرقية لإيران.
في المقابل، تبدو إيران ماضيةً في استراتيجية أشمل تقوم على تعبئة الجبهة الداخلية ورفع الكُلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية لأيّ مواجهة مطوّلة. ففي مارس الماضي، أعلنت طهران تعبئة مليون مقاتل لصدّ ما وصفته بحربٍ برية «انتحارية» على أراضيها، مع تركيزٍ خاص على الدفاع عن جزيرة خارك الاستراتيجية التي تستوعب نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية.
على الصعيد الإقليمي، قد تسعى إيران إلى توسيع الضغط عبر حلفائها، ولا سيّما الحوثيين الذين بات تهديدهم للملاحة في مضيق باب المندب، مضافاً إلى المخاطر القائمة في مضيق هرمز، كفيلاً برفع الكُلفة الاقتصادية للصراع. وقد أعلن الحوثيون يوم الاثنين حصاراً بحرياً على المملكة العربية السعودية.
وفي خضمّ التصعيد، أعلنت إيران استهداف قواعد أمريكية وطائرات وأنظمة رادار في الكويت وعُمان وسوريا والأردن والبحرين وقطر. وبعد أن كشف Trump في يونيو عن تواصله مع الرئيس السوري Ahmed al-Sharaa بشأن إمكانية تولّي سوريا مواجهة حزب الله المدعوم إيرانياً في لبنان، أعلنت إيران الأسبوع الماضي استهدافها مركزاً للقيادة الأمريكية في منطقة التنف السورية، رداً على الضربات الأمريكية.
يقوم جوهر المقاربة الإيرانية على تأقيم الحرب وتدويل تكاليفها. تسعى طهران إلى إيصال رسالةٍ مفادها أنّ الدول التي تُتيح قواعدها وبنيتها التحتية ودعمها العملياتي للعمليات العسكرية الأمريكية لن تبقى بمنأى عن تداعيات الصراع. وقد حذّر متحدّث عسكري إيراني مؤخراً من أنّه إذا استمرّت الضربات الأمريكية، فإنّ «الحرب ستُجرّ إلى ساحاتٍ جديدة».
حرب استنزاف
رغم أنّ جذور المواجهة الأشمل تمتد إلى الصراع المتواصل بين إسرائيل وإيران، فإنّ المرحلة الراهنة تحوّلت في جوهرها إلى اشتباكٍ عسكري مباشر بين إيران والولايات المتحدة. وباتت التكاليف الاستراتيجية والاقتصادية الكبرى تتوزّع على إيران والولايات المتحدة والدول العربية في المنطقة والاقتصاد الدولي، عبر ارتفاع أسعار الطاقة وزعزعة استقرار الملاحة البحرية.
ثلاث جولات متعاقبة من الحرب في غضون أكثر من عامٍ بقليل خلّفت خسائر بشرية ومادية فادحة، دون أن تُفضي إلى انتصارٍ حاسم لأيّ طرف. يُرسّخ ذلك القناعة بأنّ الصراع تحوّل إلى حرب استنزاف كلاسيكية.
في هذا السياق، تستحقّ تصريحات نائب الرئيس الأمريكي JD Vance في مقابلةٍ أجراها مع المدوّن الصوتي Joe Rogan ونُشرت الأسبوع الماضي، وقفةً تأمّلية جادّة. فقد أكّد Vance أنّ الولايات المتحدة لا مصلحة استراتيجية لها في حربٍ لا نهاية لها مع إيران، وأنّ الدبلوماسية تبقى الحلّ الوحيد المستدام.
ولعلّ أبرز ما جاء في المقابلة هو تأكيد Vance أنّ عناصر داخل الحكومة الإسرائيلية سعت إلى تعطيل المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، مُفضّلةً إطالة أمد الحملة العسكرية «إلى أجلٍ غير مسمّى»، عبر دعم حملة تأثيرٍ ممنهجة ومموّلة تستهدف إضعاف الرأي العام الداعم للمفاوضات. وشدّد Vance على أنّ صانعي القرار الأمريكيين مُلزمون في نهاية المطاف بالانطلاق من المصلحة الوطنية الأمريكية لا من الضغوط السياسية الخارجية، مشيراً إلى أنّ ثمّة محورين أساسيين لتحقيق سلامٍ دائم: إعادة فتح مضيق هرمز ضماناً لحرية الملاحة، وإبرام اتفاقٍ تفاوضي يحول دون امتلاك إيران السلاح النووي.
إنّ دفاع Vance العلني عن الدبلوماسية، وانتقاده لمساعي تعطيل المفاوضات، وتحذيره من الانزلاق نحو حربٍ شرق أوسطية مطوّلة جديدة، كلّها مؤشّرات تُلحّ على ضرورة إطلاق مبادرةٍ دبلوماسية فورية تتمحور حول هذه الأولويات.
الخيار الحقيقي
أوّلاً، ينبغي أن يُرسي أيّ إطارٍ بحري إقليمي جديد حقيقةً قانونية راسخة، وهي أنّ مضيق هرمز يقع ضمن المياه الإقليمية لإيران وعُمان. يقتضي ذلك أن تتحمّل الدولتان المسؤولية الأولى عن سلامة الملاحة وفق القانون الدولي، في حين تضمن اتفاقيةٌ أشمل بين دول الخليج العربي والولايات المتحدة وإيران حرية المرور. ويمكن أن تحصل إيران وعُمان على رسوم خدماتٍ معقولة مقابل الدعم الملاحي وخدمات السلامة البحرية، دون أن تكون هذه الخدمات إلزامية. ولضمان متانة هذا الإطار وشرعيته الدولية وقابليته للتطبيق القانوني، ينبغي أن يحظى بمصادقة مجلس الأمن الدولي.
ثانياً، على واشنطن وطهران التفاوض على اتفاقيةٍ نووية ثنائية دائمة تستند إلى معاهدة عدم الانتشار النووي. وبموجب هذه الاتفاقية، تتخلّى إيران نهائياً عن السلاح النووي في ظلّ رقابةٍ شاملة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، فيما ترفع الولايات المتحدة نهائياً العقوبات المرتبطة بالملف النووي وتعترف بحقّ إيران في التكنولوجيا النووية السلمية.
وعلى خلاف خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) لعام 2015، ينبغي أن تحظى هذه الاتفاقية بمصادقة الكونغرس الأمريكي والبرلمان الإيراني معاً.
لن يُفضي الرهان على إخضاع أيٍّ من الطرفين للآخر إلى نتيجة. الخيار الحقيقي يقع بين حربٍ أبدية ودبلوماسيةٍ مستدامة. على واشنطن وطهران استئناف الحوار المباشر، بما في ذلك عقد لقاءٍ جديد بين Vance ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، لاستعادة الزخم الدبلوماسي وإتمام الاتفاقيات المتعلّقة بهرمز والملف النووي.
إنّ أكثر الأسس مصداقيةً وشرعيةً لأيّ تسويةٍ ممكنة هو الإرادة الحرة لشعبَي البلدين. على الحكومتين الاستجابة لما يريده مواطنوهما: فاستطلاعات الرأي تُظهر أنّ الأمريكيين يرفضون على نطاقٍ واسع هذه الحرب التي باتت أكثر استهجاناً من حرب فيتنام، فيما يريد الإيرانيون «أمناً دون مواجهةٍ دائمة، وإصلاحاً دون ثورة، وسيادةً دون عزلة، ودبلوماسيةً دون استسلام».
أخبار ذات صلة

إسرائيل تروّج لاقتباسٍ مزيّفٍ من الحرس الثوري الإيراني حول السلاح النووي

الحرب على إيران: السعودية تحذّر من هجمات وشيكة لمليشيات عراقية والحوثيين

إيران: ترامب يفضّل التفاوض على "قتل الناس" وسط تقارير نقص الأسلحة
