الأمازون تواجه الانهيار بين النينيو والجريمة المنظمة
40% من غابات الأمازون تتدهور وسط ظاهرة نينيو شديدة وتغير مناخي وجريمة منظمة تهدد الغابة وسكانها الأصليين. العلماء يحذرون من نقطة تحوّل قد تؤدي لانهيار تدريجي إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة. وورلد برس عربي.

40% من غابات الأمازون تعاني من التدهور اليوم هذا الرقم وحده كافٍ لإثارة القلق. لكنّ ما يجعله مقلقاً بشكلٍ استثنائي هو السياق الذي يحيط به: ظاهرة النينيو (El Niño) في أشدّ حالاتها المسجّلة على الإطلاق، وتغيّر مناخي يُضخّم تأثيراتها، وشبكات جريمة منظّمة تتمدّد في عمق الغابة. ثلاثة أنظمة تتقاطع في لحظةٍ واحدة وعلماء الأحياء البرازيليون يقولون إنّ النافذة الزمنية للتصرّف لا تتجاوز العقد القادم.
ما الذي يجعل هذا El Niño مختلفاً؟
ظاهرة النينيو ليست جديدة؛ إنّها المرحلة الدافئة من دورةٍ مناخية متعدّدة السنوات تتسبّب في ارتفاع درجات الحرارة العالمية واضطراباتٍ واسعة في أنماط الطقس. لكنّ الحلقة الراهنة تحمل طابعاً مختلفاً من حيث الشدّة. يقول عالم البيئة البرازيلي Bernardo Flores: «لدينا ثقةٌ عالية جداً بأنّه بالفعل El Niño قوي، وأنّه سيكون شديداً جداً، وربّما الأقوى على الإطلاق في السجلّات المرصودة».
والتأثير المباشر على الأمازون معروفٌ للعلماء منذ عقود: «تصبح الأمازون أكثر جفافاً خلال El Niño، وعندها تتوفّر الظروف المهيّئة لحرائق الغابات»، وفق Flores. ما يُضيفه التغيّر المناخي هو تكثيفٌ لهذا الجفاف وتمديدٌ لمدّته فالأمازون التي كانت تستوعب موجات El Niño في الماضي باتت أقلّ مرونةً بسبب التدهور المتراكم. وقد شهدت عدّة حلقاتٍ قويّة من النينيو في العقود الماضية آثاراً متصاعدة الدراما على الغابة، إذ يمكن أن تحترق آلاف الكيلومترات من الغابات التي لم تُمسّ من قبل خلال هذه الحلقات الشديدة.
نقطة التحوّل: عتبةٌ أقرب مما نظنّ
في أحدث الأبحاث المنشورة حول التحوّل المنظومي للأمازون، تبرز أرقامٌ تستحقّ التوقّف عندها. يُوضح Flores: «مع 1.5 درجة مئوية من الاحترار العالمي وهو ما نعيشه تقريباً الآن و22% من إزالة الغابات المتراكمة عبر الأمازون، قد تحدث نقطة تحوّل». المشكلة أنّ التدهور الحالي يتجاوز بالفعل نطاق الـ 22-28% المرتبط بالانتقال المنظومي الشامل وفق الأبحاث الحديثة، فيما يُعدّ هدف اتفاقية باريس للحدّ من الاحترار دون 1.5 درجة مئوية بعيد المنال على نطاقٍ واسع في الأوساط العلمية.
غير أنّ Flores يُميّز بدقّةٍ بين مفهومَين كثيراً ما يختلطان في الخطاب العام: «نقطة التحوّل ليست انهياراً. إنّها مجرّد نقطةٍ يتغيّر بعدها نمط التغذية الراجعة». ما يعنيه ذلك تقنياً هو أنّ الغابة تدخل في حلقةٍ من الجفاف والحرائق تُغذّي بعضها بعضاً ذاتياً وهو ما يُعرف بالتغذية الراجعة الذاتية للتدهور وتصبح عاجزةً عن الانتعاش من تلقاء نفسها. «ستكون هناك وتيرةٌ متسارعة، وهذه علامةٌ على نقطة تحوّل»، يضيف Flores. وإن لم يُتّخذ أيّ إجراء، فقد «يستغرق انهيار الأمازون 100 عام، أو قروناً؛ لا نعرف على وجه الدقّة».
الجريمة المنظّمة: الضغط الذي لا تراه الأقمار الاصطناعية
ثمّة إشارةٌ أضعف في هذا الملفّ لا تحتلّ المساحة التي تستحقّها في النقاش المناخي: التمدّد المتسارع لشبكات الجريمة المنظّمة داخل الأمازون. هذه الشبكات لا تكتفي بالتهريب والاتّجار؛ بل تمارس التعدين غير القانوني، وقطع الأشجار، والاستيلاء على الأراضي، وغسيل الأصول البيئية كلّ ذلك بأساليبٍ تقوم على العنف. «الجريمة المنظّمة تأتي من الخارج بنيّةٍ واحدة: الاستخراج والتدمير، وأساليبها مبنيّةٌ على العنف»، يقول Flores.
التحوّل الذي يصفه الباحث على المستوى الميداني لافتٌ للنظر: «قبل عشر سنوات، كنّا نعمل في مناطق نائية من الأمازون وكان الأمر على ما يرام. أمّا الآن... فتجد خمسة أو ستّة رجال يحملون رشّاشات يريدون معرفة ما الذي يفعله الباحثون هناك». هذا التحوّل الأمني لا يُهدّد العلماء وحدهم، بل يُضعف أيضاً قدرة المجتمعات المحلّية والسكّان الأصليّين الذين يُمثّلون تاريخياً خطّ الدفاع الأوّل عن الغابة على الصمود في مناطقهم.
والمعادلة تزداد تعقيداً حين تُضاف إليها الضغوط المناخية: «إن أضفت إلى ذلك موجات الجفاف والحرائق وانعدام الأمن المائي والغذائي الناجمة عن El Niño، فإنّك تزيد من خطر هجر هذه المناطق وتيسير استيلاء مجموعات الجريمة المنظّمة عليها»، يُحذّر Flores. الجريمة والمناخ، بعبارةٍ أخرى، يتعزّزان معاً في حلقةٍ من الضغوط المتشابكة.
العقد الحاسم: ثلاثة سيناريوهات
أمام هذا المشهد، يُحدّد Flores إطاراً زمنياً واضحاً: «في السنوات العشر القادمة، نحتاج إلى الاستثمار بكثافةٍ في إعادة التشجير على نطاقٍ واسع في المناطق التي جُرِّدت من غاباتها أو تدهورت». وتجدر الإشارة إلى أنّ جهود استعادة الغابات قد تستغرق من 20 إلى 30 عاماً حتى تُؤتي أُكلها الكاملة، ممّا يجعل التأخير في البدء مُكلفاً بصورةٍ غير متناسبة. إلى جانب إعادة التشجير، تبرز الحاجة إلى تحوّلاتٍ اقتصادية نحو أنشطةٍ مستدامة كبديلٍ للاقتصاد الاستخراجي الذي تُغذّيه الجريمة المنظّمة.
ثلاثة مسارات تبدو واقعيّةً في ضوء البيانات المتاحة: الأرجح، استمرار التدهور بوتيرةٍ متصاعدة مع تعمّق أثر El Niño الحالي، وتراجعٌ إضافي في قدرة الغابة على الانتعاش الذاتي. المحتمل، تحرّكٌ دولي وإقليمي جدّي خلال السنوات الخمس القادمة يُبطئ وتيرة التدهور دون أن يعكسها كلياً، مع بقاء خطر التحوّل المنظومي قائماً. الأقلّ احتمالاً، استجابةٌ منسّقة تجمع بين وقف الجريمة المنظّمة وإعادة التشجير الواسعة النطاق وتثبيت الاحترار وهو السيناريو الذي يُبقي الأمازون بعيدةً عن نقطة اللاعودة.
رغم ثقل هذه المعطيات، يختار Flores موقفاً لافتاً: «أميل إلى التفاؤل، ولديّ أملٌ لأنّني أعرف كيف يمكن أن يتمّ ذلك». لكنّ تفاؤله مشروطٌ بقرارٍ جماعي لم يُتّخذ بعد. المؤشّرات العلمية المتاحة تُشير إلى أنّ السؤال لم يعد «هل ستصل الأمازون إلى نقطة تحوّل؟»، بل أصبح «هل سيتحرّك العالم قبل أن تتجاوزها؟».
أخبار ذات صلة

قواعد المناخ للمحطّات الكهربائية: ماذا بعد قرار ترامب؟

آخر توربينة في مزرعة أمريكية بحرية كبرى تُنصّب

العام الأول لـ ReFuelEU: الالتزام الإلزامي يثبت فعاليته
